قصص و روايات

سواق التاكسي

تجوزت سواق تاكسي عشان أغيظ خطيبي السابق… لكن تاني يوم الصبح، جوزي الجديد وقف على باب شقتي ماسك صورة قديمة قلبت حياتي كلها. بعد ما خطوبتي اتفركشت، أقسمت بيني وبين نفسي إني عمري ما هحط راحة أي راجل قبل راحتي تاني. خطيبي اللي كنت مستنية أتجوزه، اكتشفت إنه كان بيخوني مع أقرب واحدة ليا… صاحبتي.

 

الوجع كان صعب… لكن الإحراج كان أصعب بكتير.

مقالات ذات صلة

كل ما أنزل الشارع أو أروح الشغل في القاهرة، كنت حاسة إن كل الناس عارفة اللي حصل، وإنهم بيبصوا عليا بشفقة أو بيضحكوا من ورا ضهري.

في ليلة من الليالي، بعد ما اتعشيت لوحدي وأنا مخنوقة، طلبت تاكسي.

بعد شوية وقفت قدامي عربية تاكسي هيونداي قديمة شوية.

السواق كان اسمه كريم. دقنه خفيفة، هدومه بسيطة ونضيفة، والعربية ريحتها قهوة وبخور خفيف.

كان عنده ابتسامة هادية ونظرة فيها راحة غريبة.

فضلنا نتكلم طول الطريق.

ولما سألني: “مالك؟ شكلك زعلانة.”

لقيت نفسي بحكيله كل حاجة.

عن خطيبي أحمد… وعن صاحبتي دينا… وعن الفرح اللي اتلغى قبل معاده بأيام.

عند إشارة رمسيس، ضحكت ضحكة كلها مرارة وقلت:

“عارف إيه أكتر حاجة ممكن تجننه؟”

بصلي في مراية العربية وقال:

“إيه؟”

قلت:

“إني أتجوز بكرة… أي حد… أي حد خالص غيره.”

ابتسم وقال بهدوء:

“إنتي بتتكلمي بجد؟”

هززت كتفي وقلت:

“وليه لأ؟ هو كسرني… وأنا عايزة أعمل حاجة مجنونة لنفسي مرة واحدة.”

وصلنا تحت العمارة في مدينة نصر.

طلعت القلم وكتبت رقمي على ضهر إيصال التاكسي.

وبعدين بصيتله وقلت بابتسامة:

“لو لسه عندك نفس الجنون… كلمني الصبح.”

وفعلاً…

تاني يوم الصبح، كريم اتصل.

اتقابلنا، وروحنا عملنا عقد اتفاق بسيط يحفظ حق كل واحد فينا، وبعدها رحنا مكتب توثيق الشهر العقاري في القاهرة وكتبنا الكتاب رسمي.

ماكانش فيه قصة حب.

ولا وعود.

ولا حتى كلام كتير.

أنا كمان لبست نفس فستان الفرح اللي كنت شرياه عشان أحمد.

اتصورنا صورة واحدة قدام المكتب.

ونزلتها على فيسبوك…

من غير ولا كلمة.

في الليلة دي، كنت متأكدة إني عملت أغبى وأجرأ حركة في حياتي.

لكن اللي حصل بعدها…

ماكانش يخطر على بال أي حد.

تاني يوم الصبح…

جرس الباب رن.

فتحت.

لقيت كريم واقف.

في إيده كوبين قهوة سخنة…

وفي الإيد التانية…

صورة قديمة باهتة.

ابتسم وقال بهدوء:

“حسيت إن لازم تشوفي الصورة دي.”

خدت الصورة من إيده.

وبمجرد ما بصيت فيها…

الدم اتجمد في عروقي…

وقلبي كان هيقف من الصدمة.

كانت الصورة قديمة جدًا… أطرافها متنية، وألوانها باهتة من الزمن.

لكن أول ما ركزت فيها، حسيت الأرض بتميد بيا.

البنت اللي واقفة فيها… كانت أنا.

يمكن عندي أربع أو خمس سنين.

لابسة فستان أصفر، وضافري متربطين بشريطتين بيضا.

وواقف جنبي ولد صغير، مبتسم وهو ماسك إيدي.

رفعت عيني بسرعة وبصيت لكريم.

قلت بصوت متوتر:

“إيه الصورة دي؟! وإزاي معاك؟”

ابتسم ابتسامة هادية، وقعد على الكنبة من غير ما يتكلم ثواني.

بعدها قال:

“الولد اللي في الصورة… هو أنا.”

فضلت أبصله وأنا مش مستوعبة.

“مستحيل…”

هز راسه وقال:

“فاكرة لما كنتي صغيرة وكنتي بتروحي المصيف مع أهلك في رأس البر؟”

بدأت ذكريات قديمة جدًا تتحرك في دماغي.

صيف…

بحر…

وطفل كنت بلعب معاه كل يوم.

لكن اسمه… نسيته من سنين.

كريم كمل:

“أبوك وأنـا أبويا كانوا أصحاب. كنا تقريبًا كل صيف بنقضيه مع بعض.”

وسكت لحظة، وبعدين طلع من جيبه سلسلة فضة صغيرة.

فيها نص قلب.

وقال:

“فاكرة دي؟”

شهقت.

لمست السلسلة بإيدي.

أنا… كنت لسه محتفظة بالنص التاني.

من أكتر من عشرين سنة.

كنت فاكرة إنها مجرد لعبة أطفال.

جريت على أوضتي، فتحت درج قديم مليان حاجات من طفولتي.

وبعد شوية طلعت علبة صغيرة.

فتحتها.

وكان جواها…

النص التاني من القلب.

رجعت بسرعة.

ولما حطينا النصين جنب بعض…

ركبوا كأنهم عمرهم ما افترقوا.

فضلنا ساكتين.

أنا دموعي بتنزل من غير ما أحس.

وهو بيبصلي بابتسامة كلها حنين.

قلت:

“إنت دورت عليا؟”

قال بهدوء:

“سنين.”

حكالي إنه بعد ما أبوه اتوفى، أسرته اضطرت تسيب القاهرة وتنتقل تعيش في محافظة تانية.

ومن يومها انقطعت أخبارنا تمامًا.

ولما كبر، حاول يوصل لأسرتي.

لكن اكتشف إنكم بعتم البيت، وغيرتوا أرقامكم.

قال وهو بيبصلي:

“يمكن دورت عليك خمس سنين… وبعدين استسلمت.”

ابتسمت وسط دموعي.

“وبعدين؟”

ضحك وقال:

“وبعدين… لقيتك راكبة معايا تاكسي.”

ضحكت لأول مرة من قلبي من شهور.

لكن كان لسه فيه سؤال محيرني.

قلت:

“طيب… ليه وافقت تتجوزني بسرعة؟”

اتنهد وقال:

“لأن أول ما ركبت العربية عرفتك.”

استغربت.

“عرفتني إزاي؟”

قال:

“عندك شامة صغيرة ورا ودنك الشمال… زي ما هي.”

لمست ودني بتلقائية.

ابتسم.

“ولما حكيتيلي اسمك بالكامل… اتأكدت.”

قلت وأنا مذهولة:

“يعني… كنت عارف من أول لحظة؟”

هز راسه.

“آه.”

“وليه ما قلتليش؟”

بص في الأرض ثواني، وقال:

“لأنك كنت مكسورة… ولو كنت قلتلك وقتها، كنتي هتفتكري إني بألف أي قصة عشان أقرب منك.”

سكت، وبعدين كمل:

“فقلت أسيب القدر ياخد مجراه.”

فضلت أبصله.

الجوازة اللي كنت فاكرة إنها مجرد حركة عشان أغيظ أحمد…

بدأت تتحول لحاجة عمرها ما كانت في حساباتي.

لكن بعد أقل من ساعة…

رن جرس الباب.

ولما فتحت…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى