قبل فرحي بأسبوع

قبل فرحي بشهر، كان كل شيء يسير وفق الجدول المعتاد. أنا و”أحمد”، حب عمري وشريك مستقبلي، توجهنا لإجراء الفحوصات الطبية المطلوبة قبل الزواج. كنت أظنها إجراءات روتينية، مجرد أوراق تُختم لنبدأ حياتنا معاً. لكن القدر كان يخبئ لنا منعطفاً لم يكن في الحسبان.
في المركز الطبي، كانت هناك طبيبة شابة مكلفة حديثاً، لاحظتُ دقتها المتناهية في العمل، كانت تُطبق الإجراءات بحذافيرها. في غرفة السونار، توقفت الدكتورة فجأة عن الحديث، أخذت تنظر إلى الشاشة بتركيز شديد، ثم طلبت مني إجراء فحوصات إضافية وتدقيقية. حاولت طمأنتنا بقولها: “هي مجرد إجراءات تنظيمية، لا تقلقوا”.
خرجنا، أجرينا التحاليل المطلوبة، وبعد انتظار بدا وكأنه دهر، جاء طبيب المختبر مبتسماً بشكل مريب: “مبروك يا مدام!”.
نظرتُ إليه بذهول: “الله يبارك فيك، بس أنا لسه آنسة!”.
بدأ الطبيب في شرح الأمر، وبينما كنت أحاول استيعاب الصدمة، تحول الموقف في لحظة إلى كابوس. أحمد، خطيبي، الذي كان يثق بي ثقة عمياء، غلبه الانفعال. لم يمنحني فرصة لنطق حرف، ولم يصدق الطبيب حين أصر على دقة النتيجة. انهار كل شيء في ثانية، نعتني بأقسى الصفات، وتخلّى عن كل وعودنا في لحظة غضب أعمى. رحل وتركني في وسط المركز الطبي، وسط نظرات الناس التي كانت تنهش في روحي.
عدتُ إلى البيت محطمة، غارقة في صمتي. وفي اليوم التالي، كانت الفاجعة أكبر؛ جاء أحمد يطالب بـ “الذهب” وكل ما قدمه، موجهاً إهانات قاسية لي ولأبي. وقف أبي صامداً كالجبل، لم يطرد أحمد فحسب، بل استرد كرامتنا بقوة، رغم أنه لم يكن يفهم حقيقة ما يحدث، لكنه كان يعلم معدن ابنته جيداً.
في اليوم التالي، ذهبنا أنا وأبي إلى الطبيبة مجدداً. طلبت مني البقاء بالخارج وتحدثت مع أبي على انفراد. تلك الدقائق الخمس كانت أطول من سنوات. حين خرج أبي، كان يبكي بصمت، ضمني إلى صدره ولم يقل شيئاً. وحين سألت عن النتيجة، كان الرد صادماً: “يا حنين، النتيجة لم تكن حملاً بالمعنى المتعارف عليه، بل هي مؤشر لهرمون الحمل (HCG) الذي ارتفع لمستويات غير طبيعية نتيجة إصابتك بورم في الرحم”.
وقعت الكلمة كالصاعقة. سقطت كل مخاوفي وتساؤلاتي أمام حقيقة المرض. لم يكن هناك خيانة، كان هناك “ابتلاء”. بدأت رحلتي القاسية مع العلاج الكيماوي، وتصادف أن تكون أول جلسة في اليوم الذي كان مفترضاً أن يكون يوم زفافي. بدلاً من فستان الأبيض، كنت أرتدي ثوب المشفى، وبدلاً من الزغاريد، كانت أصوات الأجهزة هي التي تملأ المكان.
رفض والدي إخبار أي شخص بمرضي، احتراماً لكرامتي، وحتى لا أرى نظرات الشفقة في عيون الناس. عشتُ في صراع بين آلام الجسد ومرارة الوجع النفسي. وذات يوم، بينما كنت أحاول ممارسة حياتي بشكل طبيعي، التقيت بـ “أحمد” صدفة. لم يتردد في إلقاء الكلمات الجارحة، استمر في اتهامي بالخداع. كنت أريد أن أصرخ بالحقيقة، لكنني اكتفيت بالصمت، لأنني أدركت أن من يثق بك لا يحتاج لتبرير، ومن لا يثق بك لن يصدقك مهما قدمت من أدلة.
دخلت بعدها في غيبوبة استمرت ثلاثة أشهر داخل العناية المركزة. كانت تلك الفترة، رغم قسوتها، ملاذاً من ضجيج العالم وظلمه. في تلك العزلة، دعوت الله بصدق أن يكتب لي الراحة إذا كان هذا خير لي، فلقد أنهكني وجع الناس أكثر من وجع المرض.
لكن الحياة كان لها رأي آخر. بعد أربع سنوات من النضال الشرس، من جلسات الكيماوي، والعمليات الجراحية، واللحظات التي كنت فيها بين الحياة والموت، انتصرتُ أخيراً. أعلن الأطباء تعافيَّ التام.
اليوم، أقف على قدمي مجدداً. تعلمت أن الحياة ليست دائماً كما تظهر في “الظواهر”، وأن الأحكام المسبقة التي يطلقها الناس خلف “المصاطب” قادرة على تدمير أرواح نقية. رحلتي مع السرطان كانت مدرسة قاسية، علمتني أن الإنسان لا يعرف قوته الحقيقية إلا حين يُوضع في الاختبار الصعب.
أما عن هؤلاء الذين نهشوا في عرضي وصدقوا الإشاعة دون تروٍ، فأنا لا أحمل لهم سوى دعوة بالهداية، فـ “عند الله تجتمع الخصوم”. لقد طويت صفحة الماضي، وأنا اليوم أبدأ حياتي بقلب أكثر قوة ونضجاً، مدركة أن الابتلاء لم يكن لكسري، بل ليصقل روحي ويجعلني أكثر إيماناً بأن القضاء والقدر ليس دائماً شراً كما نظن، بل هو خفايا لا يدركها إلا من صبر.
لا تتعجلوا في الحكم على الآخرين، فخلف كل إنسان حكاية لا تعلمون عنها شيئاً، ووراء كل صمت ألمٌ قد لا تتحملونه.




