انتقام أمرأة

استفاقت وفاء على ألمٍ حادٍّ يخترق رأسها، كأن نارًا مشتعلة تلتهم فروة شعرها. حاولت أن تستوعب ما يحدث، وظنت للحظة أنها لا تزال حبيسة كابوس ثقيل، لكن الحقيقة كانت أقسى من أي حلم. رفعت يدها ببطء نحو رأسها، فتجمدت أنفاسها. أصابعها لامست جلدًا خشنًا تتخلله ، وبقايا خصلات شعر . التفتت نحو الوسادة، فإذا بشعرها البني الطويل، الذي طالما اعتنت به، متناثرًا عليها في مشهد صادم.
وعند طرف السرير، وقفت إلهام، حماتها، تمسك بماكينة حلاقة كهربائية لا يزال صوتها الخافت يملأ الغرفة. لم تبدُ عليها ذرة ندم، بل كانت تراقبها بابتسامة باردة تحمل مزيجًا من الشماتة والرضا، وكأنها أنجزت مهمة كانت تنتظرها منذ زمن.
بصوت مرتجف اختنق بين الألم والذهول، همست وفاء:
“ماذا… فعلتِ بي؟”
أجابتها إلهام دون أن يطرف لها جفن:
“وضعتُ كل شيء في مكانه الصحيح. غدًا ستقدمين استقالتكِ من الجيش، وستتعلمين أخيرًا كيف تكون المرأة زوجةً قبل أن تكون ضابطة.”
كانت كلماتها كصفعة أخرى.
قبل أقل من أربعٍ وعشرين ساعة فقط، كانت وفاء تقف في قاعة الاحتفالات الكبرى بوزارة الدفاع، وسط كبار القادة والضباط، تتلقى ثمرة اثنين وعشرين عامًا من الخدمة والانضباط والتضحيات. هناك، مُنحت رتبة عقيد، وكُلِّفت بقيادة وحدة استراتيجية في الاستخبارات العسكرية، في خطوة اعتُبرت واحدة من أهم الترقيات في مسيرتها المهنية.
عادت إلى منزلها تلك الليلة وهي تشعر بأن سنوات التعب والسهر والمهمات الشاقة لم تذهب سدى.
أما الآن…
فكانت تنظر إلى ، وإلى شعرها الملقى على الأرض.
في تلك اللحظة، دخل زوجها مروان بعد أن سمع الأصوات. ألقى نظرة سريعة على الماكينة، وعلى رأس زوجته، ثم على خصلات الشعر المتناثرة… لكن ملامحه بقيت جامدة، وكأن المشهد لا يستحق حتى الدهشة.
قال ببرود:
“أمي اندفعت قليلًا… هذا كل ما في الأمر.”
حدقت فيه وفاء غير مصدقة.
“هذا كل ما ستقوله؟”
تنهد بلا اكتراث، ثم قال:
“الشعر سينمو من جديد. لكن البيوت لا تستقيم عندما تعتقد الزوجة أنها أهم من زوجها. آن الأوان أن تعرفي حدودك.”
في تلك اللحظة، لم تشعر وفاء بالغضب…
بل بشيء أخطر.
شعرت بأن آخر ما تبقى من ثقتها بهذا الزواج قد انكسر إلى الأبد.
على مدى أربع سنوات، كانت هي من يتحمل كل شيء. أقساط المنزل، وفواتير المعيشة، وتأمين حماتها الطبي، وأقساط السيارة الفارهة التي يقودها مروان، بل وحتى الديون المتراكمة على معرض السيارات الصغير الذي يعمل فيه لساعات محدودة. كانت تعطي بلا حساب، بينما كانا يتصرفان وكأن من حقهما التحكم في حياتها، وقراراتها، وحتى جسدها.
نهضت بصمت.
دخلت الحمام، وأغلقت الباب خلفها.
حدقت طويلًا في المرآة. كانت الخصلات المبعثرة الصغيرة تجعل انعكاسها يبدو غريبًا… كأنه يعود لامرأة أخرى.
أمسكت ماكينة الحلاقة من جديد.
وبحركة ثابتة، أكملت حلاقة ما تبقى من شعرها حتى أصبح رأسها حليقًا بالكامل.
لم تكن تفعل ذلك استسلامًا…
بل لأنها رفضت أن تترك لهما متعة رؤية ما دمراه.
وحين خرجت، اتسعت عينا مروان في ذهول.
“ماذا تفعلين؟”
رفعت رأسها بثبات، ونظرت إليه نظرة لم يرها منها من قبل، ثم قالت بهدوء أربكه أكثر من أي صراخ:
“أنتما على حق… ابتداءً من الغد، سأتفرغ لهذه العائلة بالكامل.”
تبادلت إلهام ومروان نظرة انتصار، وارتسمت على وجهيهما ابتسامة رضا، مقتنعين بأنهما كسرا إرادتها أخيرًا.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
فما إن عمّ الصمت، وغرق الاثنان في النوم، حتى بدأت وفاء تنفيذ أولى خطواتها.







