انتقام أمرأة

بدأت إلهام بالبكاء، لكن دموعها لم تكن ندمًا، بل رعباً من السجن: “ذلك الطفل من دمنا ولحمنا! أنتِ لم تكوني موجودة أبداً، كنتِ دائماً تختارين بزتكِ العسكرية وتتركين ابني”.
شعرت وفاء بالطعنة، لكنها لم تسمح لملامحها بالاهتزاز. فبعد أن فقدت حملها قبل سنوات، أقسم لها مروان أنه لن يلومها أبدًا. لكن أمه كانت تردد دائماً أن العسكرية “جففت قلبها”. الآن فهمت وفاء اللعبة: الحماة حصلت على الحفيد الذي تريده، وكانت تحتاج فقط لوفاء لتستمر في دور “الممول”.
قالت وفاء: “لو كان الأمر كذلك، لطلبت الطلاق. لا أن تسرقني، وتزور توقيعي، وتعتدي عليّ وأنا نائمة”.
بموجب أمر حماية قضائي مستعجل، أُخرجت إلهام ومروان من المنزل بصحبة رجال الأمن لحين انتهاء التحقيقات. وقبل أن يغادر، غير مروان لهجته: “حبيبتي، أرجوكِ، أنتِ مصدومة. داليا كانت غلطة”.
نظرت إليه وفاء بهدوء أرعبه: “الغلطة تحدث مرة واحدة. أما أن تبني بيتاً، وتستمر في كذبة لست سنوات، وتترك أمك تقص شعري حتى أنزف… فهذا يسمى خطة وتدبيراً”.
الجزء الثالث: العدالة والبداية الجديدة
في تمام الساعة 8:00 صباحاً، وقفت العقيد وفاء أمام وحدتها الجديدة ببزة عسكرية مكوية بعناية، ورتبها الفضية تلمع على كتفيها، ورأسها حليق تماماً.
نظرت القائدة (اللواء) التي استقبلتها إلى وقالت: “يمكنكِ طلب إجازة مرضية يا سيادة العقيد”.
أجابت وفاء بثبات: “أنا بكامل جاهزيتي لاستلام المهام. وقد أبلغت الإدارة بالاعتداء وبالمشكلة المالية”.
قالت القائدة: “هذا هو التصرف الصحيح”.
ما كان مروان يسميه “بروداً”، كان في الحقيقة انضباطاً عسكرياً خالصاً.
بينما كانت وفاء تقود اجتماعها الاستراتيجي الأول، كانت بطاقات مروان البنكية تُرفض في المحلات، والتأمين الصحي لوالدته يُلغى، ومعرض السيارات يتلقى إشعاراً بالحجز التحفظي. بعد 18 مكالمة فائتة، ترك مروان رسالة صوتية يبكي فيها: “أنتِ ترميننا في الشارع بسبب تفاهة! أمي مريضة، وداليا لا تملك قرشاً، والطفل لا ذنب له. أي نوع من النساء أنتِ؟”.
أرسلت وفاء التسجيل مباشرة لمحاميتها، فعبارة “داليا لا تملك قرشاً” كانت اعترافاً رسمياً بأنه على علم بأين ذهبت الأموال. قامت النيابة بتجميد الأصول، وأنكر كاتب العدل صياغة ذلك التوكيل، وكشفت كاميرات البنك مروان وأمه وهما يقدمان الأوراق المزورة معاً.
لكن المفاجأة الكبرى حدثت بعد ثلاثة أيام؛ عندما طلبت داليا (الزوجة السرية) مقابلة وفاء.
نصحت المحامية بأن تكون المقابلة في مكتبها وبشكل مسجل. وصلت داليا شاحبة الوجه، بلا مساحيق تجميل، وتحمل ملفاً كبيراً. وقالت فور جلوسها: “أقسم لكِ أنني لم أكن أعلم أنه ما زال متزوجاً منكِ. لقد أراني وثيقة طلاق مزورة، وأخبرني أن الفيلا من ورث أبيه”.
لم تصدقها وفاء فوراً، حتى وضعت داليا على الطاولة الرسائل والصور والمستندات. لقد كان مروان يعيش كذبتين في آن واحد؛ يخبر وفاء بأنه يعمل وقتاً إضافياً في المعرض، ويخبر داليا بأنه رجل أعمال مطلق تلاحقه طليقته العسكرية وتحاول حرمانه من ابنه.
عرضت داليا تسجيلات صوتية للحماة إلهام وهي تناديها بـ “كنتي الغالية” وتعدها بأنهم سيعيشون معاً قريباً بمجرد أن “تختفي تلك العقيد المجنونة من حياتهم”. وفي أحد التسجيلات قبل أسبوعين، قالت إلهام: “مع الترقية الجديدة تعقدت الأمور. يجب أن نجعلها تستقيل قبل الفحص المالي، ومروان يعرف كيف يكسر رأسها”.
سرت قشعريرة في جسد وفاء… الاعتداء كان مع سبق الإصرار والترصد.
بكت داليا قائلة: “عندما رأيت أخبار ترقيتكِ في الصحف، فهمت أن هناك خطباً ما. بحثت عن اسمكِ، ثم جاء مروان بالأمس يصرخ ويطالبني ببيع الفيلا وتسليمه المال، وهددني بأخذ ابني والسفر”.
أدركت وفاء أن داليا كانت ضحية أخرى للاحتيال. قالت وفاء: “الطفل لا ذنب له، لكنه لن يكون عذراً لسرقتي”.
تعاونت داليا مع القضاء، وثبّتت شهادتها الج/ريمة على مروان وأمه. وعندما علم مروان أن داليا انقلبت عليه، جن جنونه وأرسل لوفاء من رقم مجهول: “كل هذا حدث لأنكِ لم تعرفي يوماً كيف تكونين زوجة!”.
ردت عليه وفاء لمرة واحدة وأخيرة: “لا. كل هذا حدث لأنك خلطت بين صبري وبين ضعفي”. ثم حظرته.
استمرت المحاكمة أشهراً؛ صودرت الفيلا، وأُغلق معرض السيارات لعدة مخالفات مالية، وصدر حكم بحق مروان وإلهام بالسجن بتهم ، والنصب، الأسري. اضطرت إلهام لبيع مصاغها الذهبي لدفع أتعاب المحامين، ووقفت في قاعة المحكمة تبكي وتستعطف: “أردت فقط حماية عائلتي”.
نظرت إليها وفاء من الجانب الآخر وقالت: “وأنا كذلك. لهذا كان يجب أن أحمي نفسي منكم”.
انتهت القضية بالطلاق البائن. وحاول مروان المطالبة بنفقة أو جزء من مستحقات وفاء العسكرية بدعوى أنه “ضحى بمسيرته ليدعمها”، لكن السجلات أثبتت أنه كان عاطلاً باختياره، وأنها هي من كانت تعيله، فرفض القاضي طلبه بازدراء.
بعد مرور أشهر، بدأ شعر وفاء ينمو مجدداً. في البداية، كانت تمشي برأسها الحليق بكل فخر، لم ترتدِ شعراً مستعاراً ولم تخفِ الندوب. وكلما سألها أحد، كانت تجيب بثقة: “هذه آثار نجاتي من عائلة ظنت أنها تستطيع كسر إرادتي”.
انتقلت داليا وابنها إلى شقة متواضعة، ولم تصبح وفاء صديقتها، لكنها ترفعت عن الانتقام من الطفل. فقد تعلمت أن العدالة ليست تدمير الجميع، بل معاقبة من اختار الأذى بوعي، وإنصاف من استُخدم كغطاء للج/ريمة.
وفي منصبها الجديد، قادت العقيد وفاء عمليات معقدة وناجحة، واستعادت سلاماً داخلياً كانت قد نسيت طعمه. وفي إحدى الليالي، وصلتها رسالة من مروان من محبسه يقول فيها: “لا أطلب منكِ العودة… فقط أخبريني، هل أحببتِني يوماً؟”.
قرأت وفاء الرسالة، ثم طوت الورقة بهدوء وضعتها داخل ملف الطلاق، ولم تُجب.
نعم، كانت قد أحبته يوماً؛ ولهذا السبب تحديداً تحملت ودعمت ودفعت لسنوات في بيت كانوا يرونها فيه مجرد “محفظة نقود ترتدي بزّة عسكرية”. لكن الحب لم ولن يجعل الإهانة طاعة، ولا نصيحة، ولا السرقة حاجة.
الليلة التي قصت فيها إلهام شعرها، ظنت هي وابنها أنهما كسرا وفاء؛ لكنهما في الحقيقة قطعا آخر حبل كان يربطها بهما: الأمل في أن يتصفا بالمرؤة يوماً. وعندما تتوقف المرأة عن انتظار الاحترام ممن يستعذب إهانتها، فلا قوة، ولا تهديد، ولا ابتزاز يمكنه أن يكسرها مجدداً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








