قصص و روايات

رجعت من المستشفي

وقال
وإوعي تاخدي معاكي حتى معلقة… كل اللي في البيت ده ملكي.
حماتي كانت نازلة على السلم علشان تفتحلي الباب بنفسها…
كأني مش مرات ابنها.
ولا واحدة لسه عاملة عملية.
ولا أم لبنت لسه مكملتش أسبوع.
لكن كأني ضيف غير مرغوب فيه.
نزلت السلم بالعافية.
ريحة البيت كانت خليط بين التكييف الساقع، وبرفان الست الغريبة، والمحشي اللي الشغالة كانت سايباه قبل ما تمشي.
على الحيطة جنب المطبخ كانت معلقة عروسة قماش صغيرة…
هدية من أمي يوم ما نقلنا الفيلا.
فاكرة إن حماتي وقتها قالت
الحاجات البلدي دي بتبوظ شكل الديكور.
فشلتها من مكانها.
وحطيتها في الشنطة اللي فيها ورق بنتي.
كريم زعق من فوق
قلتلك متاخديش حاجة!
من غير ما أبصله…
قلت
دي مش بتاعتك.
حماتي فتحت الباب.
الهوا البارد خبط في وشي.
وقالت
امشي… قبل ما ابني يطلب دكتور ياخدك على المستشفى.
خرجت…
وبنتي في حضني.
والباب اتقفل ورايا.
مستخبطش…
لكنه اتقفل كأنه بيقفل صفحة كاملة من حياتي.
ولا واحد فيهم كان يعرف…
إنهم لسه حالًا مشيوا صاحبة الفيلا الحقيقية…
وقفلت باب الفيلا ورايا، والهواء البارد أول الليل في التجمع الخامس بيخبط في وشي المتعب، بينما جرح العملية القيصرية تحت هدوم المستشفى بيوجعني كأن حد بيغرس سكين حامية فيه. مريم الرضيعة كانت نايمة في حضني بهدوء عجيب، كأنها هي الوحيدة اللي فاهمة إن معركتنا الحقيقية لسه بادئة، وإن الدموع وقتها كانت ترف ملناش طاقة ليها.
وقفت على الباب دقيقة واحدة، سمعت ضحكات كريم ونورا من جوه، وصوت حماتي وهي بتكلم الشغالة عشان تنظف الأوضة بسرعة وتغير الملايات… كانوا مبهورين بالوهم اللي عايشين فيه، فاكرين إن الفلوس والرفاهية دي بتاعتهم للأبد، وإنهم يقدروا يتعاملوا مع صاحبة البيت بالطريقة دي.
مشيت بخطوات بطيئة وصعبة لحد بوابة الفيلا، وركبت عربية أوبر طلبتها وأنا واقفة برة. السواق بصلي باستغراب من لبس المستشفى وشكلي المتهالك، بس مردش، وطلعت على شقة أهلي القديمة في مصر الجديدة.
أمي فتحت الباب، وبمجرد ما شافتني بالمنظر ده، وشي الأصفر، والدم اللي بدأ يبان على طرف هدومي، ودموعها نزلت من غير صوت. حضنتني وقالت بصوت مكسور
ليه يا ليلى؟ قلتلك تعالي عندي من الأول… ليه استملتي لحد ما وصلتي للحالة دي؟
عشان كنت عايزة أشوف بعيني يا أمي… كنت عايزة أشوف النهاية بنفسي.
دخلت وضعت مريم بحنان على سرير طفولتي، وطلعت موبايلي. التليفون رن بعدها بدقيقة واحدة؛ كانت أستاذة منى، المحامية الشاطرة جداً وصديقة عمري القديمة. صوتها كان صارم وحاسم وهي بتقول
ألو يا ليلى… أنا سمعتك كويس على المكالمة اللي فاتت، وفعّلت كل الأوراق فوراً. البنوك جمدت كل الكروت الإضافية والحسابات المرتبطة بشركة الشرق، وخلال ساعة واحدة هيكون إنذار الحجز على الفيلا وكل أملاك كريم مكتب التنفيذ بعته هناك… انتِ جاهزة للمعركة دي يا ليلى؟
رديت بصوت هادئ وثابت تماماً
أنا جاهزة يا منى… بقالي تلات سنين بستنى اللحظة دي.
تعالوا نرجع بالتباشير وتفاصيل الحكاية من الأول خالص… من ثلاث سنين بالضبط.
أنا ليلى الشرقاوي، بنت راجل كان بيعتبر واحد من أساطير المقاولات والعقارات في مصر، أبويا الله يرحمه محمود الشرقاوي، الراجل اللي بنى اسم الشرق للتطوير العقاري من طوبة طوبة. لما توفى سابلي إمبراطورية ضخمة، وكتب كل حاجة باسمي في وصية قانونية معقدة ومؤمنة تماماً،
لأن مكنش ليه غيري في الدنيا بعد وفاة أمي.
في الوقت ده، ظهر كريم في حياتي.
كان شاب لطيف، طموح، شغال مهندس شاب في شركة أبويا، بيعرف يختار كلامه كويس، وبيعرف يمثل دور المخلص والمحب بجدارة. غرقني في اهتمامه، ووقتها كنت محتاجة سند بعد صدمة موت أبويا. اتجوزنا… وعشان كنت بحبه وواثقة فيه، وبناءً على نصيحة أستاذة منى اللي حذرتني بس أنا مسمعتش، عملت عقد زواج موازٍ وبند إضافي خاص بالملكية والإدارة، بند بيدي جوزي حق إدارة الشركة والفيلا كواجهة اجتماعية ورسمية قدام السوق، بس بشرط أساسي وصارم أي إخلال بالاتفاق، أو تلاعب مالي يثبت عليه، أو إهانة مباشرة لكيان العيلة، تعيد كل الأصول والممتلكات فوراً وبقوة القانون لملكية ليلى الشرقاوي المطلقة، ويتحول كريم لمجرد موظف سابق يملكش غير هدومه.
طبعاً كريم وحماتي مدام سامية مكنوش يعرفوا تفاصيل الورقة دي بالشكل القانوني الدقيق، كانوا فاكرين إن الفيلا والشركة بقوا باسمه بالكامل بمجرد الجواز وإنه سيطر على كل حاجة، ودي كانت الغلطة الكبيرة اللي وقعوا فيها. من أول يوم جواز، وحماتي دخلت حياتنا وهي بتعاملني كأن ضيف ثقيل في بيت ابنها، وكانت ديماً تفكرني إني ابنة المرحوم اللي جابت لفلوس ابني. ومع الوقت، كريم اتغير… الفلوس والسلطة والمنصب اللي وصله بسبب اسمي نسوه مين اللي صنعه، وبدأ يبعد، لحد ما ظهرت نورا في حياته من ست شهور ودخلت الشركة كمديرة علاقات عامة، وبدأت اللعبة تتكشف قدامي خطوة بخطوة.
رجعنا للوقت الحاضر… الساعة كانت اتنين بالليل.
موبايل كريم رن… مرتين، تلاتة، عشرة.

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى