ثمن الغربة

تحول وجه أمي إلى البياض التام، وهمست بعدم تصدق: «بلاغ رسمي لدى الشرطة؟ ضد عائلتك وأهلك؟»
أجبتها مباشرة: «عائلتي الحقيقية هي المرأة التي انتظرتني بوفاء لأربع سنوات طويلة… أما أنتم فقد استخدمتم صلة الدم مجرد رخصة مجانية لسرقة جهدي وإهانة زوجتي».
عندما رأت أمي أن دفاعها ينهار، غيرت تكتيكها فجأة؛ سقطت على ركبتيها وبدأت تبكي بصوت عالٍ وأمسكت بكلتا يدي.
توسلت أمي وهي تبكي: «يا جاسم، يا بني العزيز، أردتُ فقط تأمين مستقبل شهد! الفتاة الشابة بحاجة إلى أصول مالية قوية حتى يحترمها زوجها بعد الزواج، لكنك رجل قوي ويمكنك العودة للعمل وكسب المزيد من المال بسهولة!»
تلك الجملة المسمومة دمرت ما تبقى من عاطفة في قلبي.
لقد قضيت أربع سنوات أنام في كرفانات ضيقة مع ستة عمال آخرين، وأعمل وأنا أعاني من الحمى العالية، وأرتدي أحذية متهالكة لتوفير المال، وأقضي العطلات وحيداً أمتص غربتي عبر شاشة الهاتف. بالنسبة لأمي، كان كل ذلك التضحية المؤلمة يمكن تكراره ببساطة لأنني “رجل”، بينما كان عرقي بالنسبة لشهد مجرد بطاقة ائتمان بلا حدود!
قلتُ بوضوح: «لم آخذ أي شيء كان يخصكنّ يوماً. هذا البيت بُني بالكامل من كسبي، والاستثمارات جاءت مباشرة من اقتطاعات رواتبي، وقد وقّعتنّ استمارات التنازل بطيب خاطر لأنكن طمعتنّ بأربعمئة ألف دولار إضافية».
بدأت شهد تبكي بدموع حقيقية من الهلع: «حفل زفافي وموعد زواجي بعد أقل من شهر! ماذا أقول لـ طارق الآن وهو ينتظر هذا البيت كجزء من المهر والشروط؟»
أجبتها دون تردد: «قولي له الحقيقة الكاتمة… قولي له إنكِ ادّعيتِ ملكية ثروة كسبها أخوكِ بعرق جبينه بينما تركتِ زوجة أخيكِ المريضة تتضور جوعاً ودون رعاية طبية».
أكد الموثّق العقاري رسمياً أن التنازل عن العقار كان طوعياً بالكامل، وأن جميع العواقب القانونية تم شرحها مسبقاً، وأن ملكية البيت أصبحت قيد التسجيل في السجل العقاري باسمي. وأضاف محاميَّ أن أي محاولة للطعن ستفشل أمام حجم الأدلة من تتبع مالي، وتدليس مكتوب، وإساءة مثبتة.
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد
ولأنني لم أرد تحويل الأمر إلى فضيحة علنية أمام الجيران، أمهلتهما ثلاثة أيام كاملة لجمع ملابسهما ومتعلقاتهما الشخصية. كما أوضحتُ لهما أنهما ممنوعتان قانونياً من الاقتراب من مريم أو الاتصال بها، حيث سلمهما رجال الشرطة أوامر حماية مؤقتة.
نظرت إليّ أمي بحقد دفين وهي تحزم أمرها للمغادرة، وصرخت خلفي: «البلدة كلها ستعرف أنك طردتَ الأم التي أنجبتك!»
فأجبتها ببلادة وصمت: «وسيعرفون أيضاً السبب الذي جعلني أفعل ذلك بالضبط».
على مدار الأيام الثلاثة التالية، اتصلت أمي بالأعمام والأخوال والجيران وإمام المسجد، مدعية أن مريم سحرتني وأنها امرأة لعوب دمرت العائلة.
لكنها لم تتوقع أنني لن ألتزم الصمت.
جمعتُ أفراد العائلة الممتدة في الفناء، ليس للتشهير بأحد، بل لأن أمي كانت قد نشرت روايتها المزيفة بالفعل. عرضتُ عليهم إيصالات التحويلات الرسمية، وكشوفات الحسابات، والتقارير الطبية، ومقطعاً قصيراً من فيديو حفل عيد الميلاد.
غطت عمتي «مريم الكبرى» —التي قضت سنوات وهي تتطلع بإعجاب لمجوهرات أمي الذهبية— فمها بذهول وصدمة مطلقة.
سألت عمتي برعب: «يا أم جاسم… هل كنتِ تعلمين حقاً أن تلك المسكينة مصابة بالسرطان ورفضتِ إعطاءها حتى أُجرة المواصلات؟»
ادّعت أمي بضعف أن مريم كانت تبالغ في مرضها، لكن جارتنا «أم أحمد» تحدثت بثبات من عند البوابة الخارجية: «أنا شخصياً رأيتُ تلك المسكينة تسير لأميال تحت أشعة الشمس الحارقة لأنها لا تملك أُجرة الحافلة… ورأيتها تعود للمنزل ورأسها محلوق بالكامل، وعندما سألتُ عن السبب، كذبت شهد وقالت إنه عقاب لها على كسلها!»
انهارت شبكة الكذب المعقدة فوراً أمام المجتمع بأكمله.
في اليوم الرابع، حزمت أمي وشهد أمتعتهما بهدوء وانتقلتا إلى غرفة صغيرة مستأجرة بالقرب من محطة الحافلات. أخذتا ملابسهما، وأوراقهما الثبوتية، ومجوهراتهما الشخصية، فلم تكن لدي أي رغبة في التصرف بِنفس القسوة التي أظهرتاها.
توقفت حياتهما المترفة فجأة؛ وسرعان ما اكتشفت شهد أن طارق لم يكن الشريك المخلص الذي يتظاهر به، فقد ألغى الزفاف فوراً عندما أدرك أنه لن يكون هناك بيت فاخر، ولا مركز تجميل خاص، ولا ثروة بنكية ملحقة باسمها!
وعندما اتهمته شهد بغضب بأنه يتعقب أموالها، رد عليها طارق بحزم بأنها هي من خدعته وزيفت ثروة عائلتها منذ البداية.
#### **الجزء الرابع والأخير**
حاولت أمي الوصول إلى الحسابات الاستثمارية في البنك، لكن موظفي البنك والاستشاريين القانونيين ذكروا صراحة بأنها تنازلت عن تلك الأصول بكامل إرادتها المطلقة قانونياً.
ومع ذلك، لم تكن عقوبتهما الأشد هي مجرد خسارة الأموال، بل إجبارهما على عيش واقع لا يلبي فيه أحد مطالبهما الأنانية. أُجبرت أمي على العمل في تحضير الوجبات المطهوة بالعمولة، بينما اضطرت شهد للعمل لساعات طويلة كموظفة استقبال في صالون تجميل محلي، لِتتعلما أخيراً مدى صعوبة كسب الأموال التي كانتا تتلفانها سابقاً بلا مبالاة.
في هذه الأثناء، كانت مريم تخوض معركتها الخاصة والحرجة من أجل البقاء.
على مدار عشرة أيام متواصلة في المستشفى، تلقت المحاليل الوريدية المستمرة، والمكملات الغذائية، والرعاية المتخصصة. كنتُ أجلس بجانب سريرها كل يوم، رغم أنها كانت تستجيب بذعر ونشيج كلما لمست الممرضة ذراعها برفق.
كانت الصدمة العاطفية عميقة جداً؛ فقد أُجبرت على طلب الإذن لمجرد تناول الطعام، أو النوم، أو استخدام الهاتف.
في إحدى الليالي الهادئة، نظرت إليّ بعينين دامعتين وسألتني بصوت خفيض: «هل أنت حقاً لست غاضباً مني لأنني أخفيتُ مرضي عنك كل هذه المدة؟»
غمرني شعور جارف بالخزي، وأجبتها وأنا أُمسك بيديها: «أنا من يجب أن يطلب منكِ المغفرة والسماح… لقد تركتكِ وحدكِ لسنوات، واقتنعتُ ببلاهة بالكذبات المريحة لأنه كان من الأسهل عليّ تصديق أن كل شيء بخير في الوطن».
اعترفت مريم بصوت متقطع: «قالت لي أمك إنني إذا اتصلتُ بك ستترك عملك وتعود، وسيكون الخراب وضياع البيت خطئي بالكامل».








