سر الغوايش

تسمرت “نادية” في مكانها، وشعرت بركبتيها عاجزتين عن حملها. بريق الذهب في يدها الذي كان يمنحها القوة قبل قليل، تحول فجأة إلى قيد خانق. ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت استجماع قناع الجبروت الذي ترتديه دائماً، فزعقت بصوت مرتجف تصطنع فيه الغضب:
— “إنتي اتجننتي يا صباح؟ سرقة إيه وحوالة إيه! إنتي هتبلي عليا؟ أنا جاية لحد بيتك بفلوسي وفضل خيري وتتهميني في شرفي وأمانتي؟ أنا قايمة وماشية، والفلوس دي مش هتشوفي منها مليم بعد اليوم!”
مدت نادية يدها بسرعة لتخطف رزمة النقود من على الطاولة، لكن يد صباح كانت أسرع. قبضت صباح على معصم نادية بقوة غير متوقعة، وضغطت عليها حتى جعلت الغوايش الذهبية تضغط على جلد نادية. نظرت صباح في عينيها بنظرة حاسمة وقالت:
— “الفلوس دي حقي وحق ابني اليتيم اللي كنتي بتاكليه في بطنك يا نادية، مش فضل خيرك. ومكتب الصرافة اللي بتصرفي منه، بنوتة جارتنا شغالها فيه وشافت الحوالة التانية اللي باسمي والوصل المكتوب فيه نصاً (تُسلم لصباح). يعني لو رفعت سماعة التليفون دلوقتي على شريف أخويا، مش بس هيعرف إنك كنتي بتسرقيني.. ده هيعرف إنك خاينة لأمانته وتعب شقاه في الغربة.”
ارتخت يد نادية تماماً، وسقطت حقيبتها الفاخرة على الأرض. انهار قناع الكبرياء، وظهر وجهها الحقيقي باهتاً وخائفاً. علمت أن اللعبة انتهت، وأن شريف إذا علم بهذه الفعلة، لن يتردد لحظة في طلاقها وحرمانها من كل شيء، فشريف رجل صعيدي أصيل ولا يقبل بظلم أهله أو خيانة الأمانة.
تراجعت نادية خطوة، وتغيرت نبرتها تماماً إلى التوسل:
— “بوس إيدك يا صباح.. بلاش شريف. شريف لو عرف هيخرب بيتي وبيت ولاده. أنا.. أنا الشيطان عمى عيني، كنت بشوف الدولارات بتزيد قولت أخبي قرشين للزمن، مكنتش قاصدة أظلمك.”
ابتسمت صباح بسخرية ومرارة:
— “مكنتيش قاصدة تظلميني؟ وأنا اللي كنت بجيالك لحد بيتك تذليني وتسمعيني الكلام وتطرديني بـ 500 جنيه وتقوليلي دول لله؟! عموماً، أنا قولتلك أخويا شريف غالي عليا ومش هخرب بيته وهو في الغربة.. عشان كدة أنا قدامك اختيارين ملهومش تالت.”
عدلت نادية من وقفتها بلهفة: “قولي يا صباح.. شروقك إيه وأنا هعملها فوراً.”
تابعت صباح بنبرة قاطعة كالرصاص:
— “الخيار الأول: إنك تطلعي الموبايل دلوقتي حالا، وتتصلي بشريف قدامي سبيكر، وتقوليله (أنا أسفة يا شريف أنا غلطت في حق أختك صباح وكنت مقصرة معاها، وعشان أكفر عن ذنبي أنا هتنازلها عن نصيبها في البيت القديم أو هشتريلها شقة ملك باسمها هي وابنها).. وطبعاً ده معناه إن الحقيقة كلها هتنكشف قدامه بالتدريج.”
ارتجفت نادية وقالت برعب: “لأ لأ.. بلاش شريف قولتلك! الخيار التاني إيه؟”
امتدت نظرات صباح إلى الغوايش الذهبية المتلألئة في يد نادية، وقالت بصوت هادئ ومنتصر:
— “الخيار التاني.. تحسبي كل مليم سرقتيه مني على مدار السنة اللي فاتت. 900 جنيه كل شهر يعني يوزنوا مبلغ كبير في الغلاء ده. وإنتي دلوقتي حالا هتقلعي تلات غوايش من الذهب اللي في إيدك ده.. الدهب اللي اشتريتيه بفلوسنا وبدموع قهرنا. هاخدهم صاغ سليم، تمن حقنا اللي كلتيه، وتمن طقم المدرسة الجديد بتاع أحمد، وتمن الدروس الخصوصية. ومن أول الشهر الجاي، الحوالة تجيلي لحد باب بيتي كاملة مكملة الـ 1500 جنيه، ورجلك متخطيش عتبة بيتي تاني، ولا أشوف وشك في مكان.”
صُدمت نادية من الشرط المالي القاسي. الذهب الذي كان يمثل لها السلطة والأمان والشياكة أمام الناس، سيؤخذ منها عنوة وبنفس الطريقة التي ذلت بها صباح.
نظرت نادية إلى يدها، ثم إلى صباح التي تقف بثبات كالجبل. كانت تعلم أن أي محاولة للمراوغة تعني دمار حياتها الزوجية بالكامل.
## الجزء الخامس والأخير: نهاية الجبروت
ساد الصمت أركان الغرفة البسيطة، ولم يكن يُسمع فيه سوى صوت احتكاك الذهب بجلد “نادية” وهي تسحب الغوايش الثلاث بصعوبة وبأصابع ترتجف. كل غويشة تخلعها كانت كأنها قطعة تنزع من قلبها ومن كبريائها الذي جلست تبنيه لسنوات على حساب كرامة الآخرين.
وضعت نادية الغوايش الذهبية على الطاولة الخشبية بجانب رزمة النقود. كانت تلهث وكأنها كانت في معركة بدنية، ونظرت إلى “صباح” بعينين تملأهما دموع القهر والهزيمة، وقالت بصوت مخنوق:
“أهو.. حقك وزيادة يا صباح. التلات غوايش دول تمنهم يغطي كل مليم وزيادة. الحوالة هتوصلك من الشهر الجاي كاملة لحد عندك.. بس شريف ميعرفش حاجة، شريف لو عرف أنا هضيع.”
لم تمد صباح يدها لتلمس الذهب بنهم أو بطمع، بل نظرت إليه بزهد وترفع، ثم رفعت عينيها إلى نادية وقالت بنبرة حاسمة:
— “شريف مش هيعرف منك ولا مني طول ما أنتي ماشية سِيد وفي حالك. خدي شنطتك واخرجي من بيتي يا نادية.. ورجلك متخطيش العتبة دي تاني.”
جمعت نادية حقيبتها الفاخرة الملقاة على الأرض، وخرجت من الشقة تجر أذيال الخيبة، مطأطأة الرأس، دون أن تجرؤ على إحداث أي “شخللة” بما تبقى في يدها من ذهب. خرجت وهي تعلم أن سلطتها الزائفة قد انكسرت إلى الأبد أمام عزة نفس امرأة ظنتها ضعيفة.
بعد رحيلها، دخل “أحمد” إلى الصالة، ونظر إلى الطاولة ثم إلى والدته بذهول ممزوج بالفخر. اقترب منها وقال:
— “أمي.. إنتي قدرتي تاخدي حقنا وتكسري عينها من غير ما تخسري خالي شريف.. أنا مش مصدق إن الست دي انحنت قدامك كدة!”
ابتسمت صباح ودموع الارتياح تفر من عينيها، واحتضنت ابنها قائلة:
— “الحق يا ابني عامل زي الفلين، مهما تغطسه في المية وتضغط عليه بيطلع على الوش في الآخر. الفلوس والدهب دي أسباب، لكن الكرامة والستر هما الأصل. خدي يا أحمد الدهب ده، بكرة تبيعه في الصاغة، وتشتري أحسن طقم مدرسة، وتدفع مصاريف دروسك.. أنا عايزاك ترفع راسي وتتعلم أحسن علام عشان تفرح خالك الجدع اللي شقيان عشاننا.”
ومرت الأيام، والشهور..
التزمت نادية بحدودها تماماً، وباتت الحوالة تصل إلى صباح كاملة مكملة في أول كل شهر عبر مكتب الصرافة دون نقص أو منّة. تبدل حال صباح وأحمد؛ اشترى أحمد ملابسه الجديدة ودخل امتحانات الثانوية العامة بكل ثقة واجتهاد، محاطاً بدعوات أمه وكرم خاله.
أما نادية، فكلما نظرت إلى معصم يدها الفارغ من الغوايش الثلاث، تذكرت تلك اللحظة التي انكسر فيها جبروتها، وعلمت أن مال الدنيا كله لا يشتري الأمان إذا بُني على ظلم اليتامى وأكل حقوق الناس بالباطل.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








