ابنى مانطقش ولا كلمه

حتى بعد كل ده…
ما جاش وقال لي الحقيقة بنفسه.
لما رجعت البيت، لقيت زين واقف قدام الباب.
أول ما شافني وقف.
ما طلبتش منه يدخل.
بصيت له وسألته مباشرة
ياسمين سمعت خناقتك مع دياب قبل يوم الترعة؟
ملامحه اتغيرت.
وبعد ثواني قال
أيوه.
كان يوسف واقف ورا باب الشيش، من جوه البيت.
زين شافه…
وساعتها بطل يحاول يستخبى ورا أي كدبة.
قال بصوت مكسور
ما كنتش أعرف إنها فهمت الكلام… وما كنتش أعرف إن يوسف فهم هو كمان.
قربت منه خطوة.
وقلت
وبرغم كده… سيبت ابنك يعيش تمن سنين وهو مقتنع إن أخته ماټت بسبب سر كان خاېف ينطق بيه.
انهار زين.
وقعد على درجة السلم، وډفن وشه بين كفيه.
لكن كلامي ما وقفش.
قلت له
إنت ما خبيتش حقيقة اللي حصل في الترعة… إنت خبيت الضغوط، والتزوير، والسبب الحقيقي اللي خلاك تاخدهم هناك أصلًا. كنت فاكر إن السكوت
هيحمي الكل، لكنه في الحقيقة ما حماش غير دياب.
رفع راسه، وعنيه كلها دموع.
وقال
أنا عارف.
هزيت راسي وقلت
لأ… إنت عرفت دلوقتي بس، بعد ما يوسف أخيرًا اتكلم.
وسكت لحظة.
وقت إجراءات انفصالنا، نقلت كل أسهم التصويت اللي معاك باسمي، لأنك قلت إنك مش قادر تواجه عيلتك بحياد. ويمكن دي كانت أول مرة تقول الحقيقة.
قال برجاء
كلير… أرجوك.
لكن كلمة أرجوك بقت ما بقاش ليها أي معنى بالنسبة لي.
بعد أسبوع…
الشركة أقامت حفلها السنوي.
وكان المفروض يعلنوا تعيين دياب رئيسًا شرفيًا.
دخل القاعة وهو بيضحك، ويسلم على الناس بثقة.
وقبل ما يعلنوا القرار…
طلعت أنا على المسرح، ومسكت الميكروفون.
في الأول، الكل كان فاكر إني هقول كلمتين ترحيب.
لكن أول ما نطقت اسم نورة…
وش دياب اتبدل.
حكيت كل الحقيقة.
مش بس عن التلاعب في الحسابات.
لكن عن السنين اللي الناس دفعت تمنها بسبب السكوت.
نورة دفعت مستقبلها المهني.
ويوسف دفع تمن سنين كاملة من عمره من غير صوت.
وأما أنا…
فما كنتش مستعدة أدفع يوم واحد زيادة عشان أحافظ على راحة دياب.
طلعت نورة قدام الحضور، ومعاها كل المستندات.
ومحاسب قديم كان هو اللي دربها زمان، أكد صحة التوقيعات، وطريقة التحويلات.
وكمان اتنين من الموظفين السابقين شهدوا إن دياب كان بيلبسهم أخطاء عمرهم ما عملوها.
دياب ضحك باستهزاء وقال
دي مجرد قصة قديمة بيحاولوا يحولوها لڤضيحة.
رفعت أوراق الأسهم قدام الجميع.
وقلت
زين نقل لي حق التصويت وقت الانفصال، وأنا برفض تعيينك، وبطالب بتحقيق مستقل.
التحقيق كشف تزويرًا واسعًا، وتلاعبًا في التقارير والحسابات الداخلية.
وفي النهاية…
اتشال دياب من منصبه.
وشهادة التكريم اللي كانت مجهزة له اتشالت من على المنصة قبل ما الحفل يخلص.
أما نورة…
فاتصحح سجلها المهني رسميًا.
والشركة عوضتها عن كل اللي خسرته.
قبلت التعويض اللي يرجع لها حقها…
ورفضت أي مبلغ زيادة عن حقها.
البيت القديم كان باين أصغر بكتير من اللي كنت متخيلاه.
لسنين طويلة، كنت كل ما أبص له أفتكر إنه الدليل إن زين أنقذنا من الضياع.
لكن الحقيقة كانت غير كده خالص.
البيت ده كان شاهد على إن في حد تاني هو اللي دفع تمن راحة زين وسكوته.
كنت واقفة مع نورة في الجنينة، وبصيت للبيت وقلت
كنت فاكرة زمان إن الطيبة والشجاعة هما نفس الحاجة.
بصت للبيت، وبعدها بصت لي وقالت بهدوء
كتير من الستات ما بيكتشفوش الفرق بينهم إلا بعد ما يكون فات وقت طويل.
في الربيع اللي بعده…
بعت البيت.
وجزء من تمنه خصصته لإنشاء صندوق باسم نورة، يساعد الستات اللي خسروا شغلهم أو مستقبلهم بسبب ظلم وقع عليهم، علشان يقدروا يبدأوا من جديد.
وده كان اللي الناس كلها عرفته.
لكن النهاية الحقيقية للقصة…
جات بعد كده بفترة.
في صباح يوم سبت، كنت بعمل فطاير بالتوت الأزرق في المطبخ.
دخل يوسف بهدوء، وقعد على الكرسي قدامي.
فضل يبص لي شوية من غير ما يتكلم.
وبعدين سأل بصوت هادي، لكنه واضح
ياسمين كانت بتحب الفطاير دي أكتر من الفطيرة الكبيرة؟
إيدي ارتعشت لدرجة إني كنت هوقع المقلب.
لفيت ناحيته، وقلت
بصوت مخڼوق
أيوه… كانت بتحبها أكتر.
هز راسه في هدوء.
وبعدين قال
أنا فاكر.
حطيت المقلب على جنب.
وروحت قعدت جنبه.
طوال تمن سنين…
كل ذكرى لياسمين كانت بالنسبة لنا مرتبطة بالذنب، والخۏف، والسكوت.
لكن في الصباح ده…
أول مرة ذكراها تبقى معناها الوحيد…
الحب.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”