قصص و روايات

سر الوحمة حكـايات مني السيد

المستشار أشرف حط عقود التنازل الصريحة قدام كريم:
* عقد تنازل كامل عن أي حقوق في الشقة.
* عقد تنازل عن حضانة الطفلة “ملك” وإقرار بعدم التعرض.
* إقرار بالاستلام الكامل لكافة المستحقات المالية والتنازل عن أي مطالبات مستقبلاً.
* وثيقة الطلاق على الإبراء الكامل.
كريم كان بيمضي وهو إيده بترتعش، وكل ما يمسك القلم يرجع يبص لهبة رجاءً، بس هبة كانت واقفة ورايا، مسندة رأسها على كتفي، وعينيها باصة للفراغ بجمود حاسم.
بعد ما كريم وقع على آخر ورقة، المأذون بصلهم وقال الكلمة اللي نزلت زي المطر على قلب بنتي:
“بارَك الله لكما وفَرَّق بينكما بالمعروف… تم  البائن.”
## خروج
أول ما المأذون قفل دفتره وخرج، الأستاذ أشرف بص في ساعته وقال بنبرة حاسمة:
“فاضل عشر دقائق على المهلة المحددة لخروجكم من العقار. الأمن هيدخل دلوقتي يفتش الشنط.”
أم كريم بدأت تصرخ وتلطم على خدودها:

“شنط إيه وتفتيش إيه؟! إحنا حرامية ولا إيه يا ناس؟! حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم!”
رجال الأمن دخلوا أوضة النوم ومعاهم أكياس بلاستيك سوداء كبيرة. حطوا الشنط الجلد الفاخرة اللي كريم كان شاريها من فلوس الشركة على جنب، وقال الأستاذ أشرف بكل صرامة:
“الشنط دي ممتلكات شريت بحسابات المجموعة… هدومكم الشخصية وبس هي اللي هتتحط في الأكياس دي وتطلعوا بيها.”

أم كريم بقت تلم هدومها وهي بتعيط وتتحسب، وتحاول تخبي بعض التحف الصغار أو الساعات الفاخرة في جيو بجلابيتها، بس رجل الأمن كان بيوقفها بوقار ويأخذ الحاجة منها ويرجعها مكانها:
“يا حاجّة… المدام سعاد قالت المتنقلات الشخصية وبس. أي حاجة تانية تعتبر سرقة.”
كريم كان واقف في نص الصالة زي التقال، لابس بنطلون وقميص مجعدين، ومش فاهم إزاي حياته اللي كانت فوق السحاب اتدمرت في أقل من ساعة.

مقالات ذات صلة

مسك الأكياس البلاستيك السوداء في إيده، وأمه شايلة الكيس التاني، ووقفوا قدام باب الشقة.
قبل ما يخرج، التفت لكريم وقلت له بكل هدوء:
“عارف يا كريم… العصفورة اللي كنت بتسأل عليها لما دخلت؟ العصفورة دي هي الرمز اللي اتقفلت بيه طفولة هبة وبدأت بيه قوتها. لما كانت صغيرة، كانت لو حسيت بظلم أو خطر تقول لي ‘العصفورة محبوسة يا ماما’… والنهاردة العصفورة اتفتحت لها أبواب القفص، وإنت وأمك اللي دخلتوا قفص الندم والأيام الجاية.”

كريم ما قدرش يرد بكلمة واحدة. نزل رأسه في الأرض، وخرج هو وأمه ورا رجال الأمن اللي رافقوهم لحد باب العمارة برة، تحت عيون البواب والجيران اللي كانوا واقفين يتفرجوا على خروجهم المذين بالأكياس السوداء ومن غير حتى عربية تشيلهم!
## تطهير البيت والروح
أول ما الباب اتقفل وراهم، الهدوء حل في . بس كان هدوء مختلف… هدوء نقي، زي الهواء اللي بيدخل  بعد عاصفة ترابية شديدة.
هبة وقفت في نص الصالة، بصت حولها، وفجأة ركبتيها ما تشيلوهاش، ونزلت على الأرض وبكت.
بس المرة دي، ما كانش بكاء خوف ولا حسرة… كان بكاء خروج السموم من جسمها. كان بكاء الحرية.
جريت عليها، قعدت جنبها على الأرض، وأخدتها في حضني وبست رأسها. ملك الصغار قربت منا وقعدت في حضن أمها وبقت تضحك وتلعب بشعر هبة.

“عيطي يا هبة… عيطي ونضفي قلبك من كل لحظة قهر عشتيها هنا. الدموع دي هتغسل الضعف اللي سكن فيكي لسنوات.”
هبة رفعت رأسها وبصت في عيني وهي بتمسح دموعها:
“أنا آسفة يا ماما… آسفة إني نسيت نفسي، وآسفة إني غبيت عنك وما حكيتلكيش من الأول. كنت فاكرة إني بحافظ على بيتي وبنتي…”
قلت لها وأنا ببتسم وبسند وشتها بين إيديا:
“البيت اللي يتبنى على إهانة كرامتك ما اسمهاش بيت يا هبة… ده اسمه سجن. والأم مش بتخلق عشان تتفرج على بنتها وهي بتتكسر. أنا بنيت الشغل والشركات دي كلها عشان أعمل لكم درع يحميكم من الزمان ومن أي حد يفتكر إن مالكوش ظهر.”

في نفس الساعة، وصل نجار وشركة نظافة كاملة بتكليف من المستشار أشرف.
النجار غير كوالين الباب بالكامل، وسلمنا المفاتيح الجديدة.
وشركة النظافة بدأت تطهر المكان، وتشيل كل حاجة لمستها أم كريم أو ابنها. الأطباق اللي أكلوا عليها، الكاسات الكريستال اللي شربوا فيها… هبة بنفسها طلبت إن الأطباق دي تتكتم وتترمى في الزبالة:
“مش عايزة حاجة تذكرني بأيام الذل دي يا ماما.”

دخلت هبة الحمام، غسلت وشها، غيرت البلوزة اللي كانت مخبية تحت كمها الكدمة البنفسجية، ولبست طقم جديد وأنيق من اللي كانت بتحب تلبسهم زمان قبل ما تتجوز كريم.
لما خرجت من

… شفت هبة القديمة.
الست القوية، اللي عينيها مليانة شغف وحياة، اللي مبتخفش من الرعد ولا المطر.
## بعد مرور سنة… بداية جديدة
عدت سنة كاملة على اليوم ده… سنة كانت كفيلة بأنها تغير كل حاجة في حياتنا.
في المقر الرئيسي لمجموعة مطاعم العيلة…
المكتب الأنيق اللي كان قاعد فيه كريم زمان وبيتباهى بلقب “المدير التنفيذي”، بقى النهاردة مكتب المهندسة هبة.
هبة مسكت إدارة الموارد والتطوير في الشركة، وبفضل ذكائها وقوتها اللي رجعت لها، قدرت تكبر السلسلة وتفتح فرعين جديدين في القاهرة والإسكندرية.

بقيت أدخل الشركة، ألمح بنتي وهي قاعدة في رأس طاولة الاجتماعات، ببتسم ببرود وثقة، بتدير الموظفين بمنتهى الحزم والعدل، وتناقش الميزانيات والعقود زي ما كانت بتعمل زمان وأحسن.
ملك الصغار كبرت، وبقت تملأ البيت شقاوة وضحك، وعايشة في بيئة كلها حب وأمان، بعيد عن الصوت العالي والجفاء والقسوة.
أما كريم وأمه…
الأخبار كانت بتوصلنا من بعيد لبعيد عن طريق المستشار أشرف.
كريم بعد ما طرد من الشركة واتسحبت منه العربية والشقة، وما قدرش يمارس أي شغلانة محترمة بسبب السمعة والتقرير المالي اللي كان ملاحقه، اضطر يشتغل موظف استقبال بسيط في شركة مقاولات صغيرة بمرتب لا يكاد يكفيه.
عايش هو وأمه في شقة إيجار قديم صغيرة في أطراف المدينة. أمه اللي كانت بتعامَل كأنها ملكة في شقة بنتي، بقت هي اللي بتقوم الصبح تغسل المواعين وتنضف البيت بنفسها لأن مفيش فلوس تجيب خدامة ولا حتى دليفري.
والصراعات والخناقات بينهم ما بتنتهيش… كل واحد فيهم بيلوم التاني على الفقر والخراب اللي وصلوا له. كريم بيلوم أمه إن طمعها وقسوتها هما اللي خلوه يخسر هبة والنعمة اللي كان فيها، وأمه بتلومه على ضعفه وقلة حيلته.
## مشهد النهاية
في مساء يوم ممطر…
كنا قاعدين أنا وهبة وملك في صالة  الكبيرة اللي بعنا  كريم القديمة واشترينا مكانها فيلا جديدة بحديقة واسعة.
صوت المطر كان برة بيضرب الإزاز بكل قوة، والصواعق بتنور السماء.
ملك كانت قاعدة بتلعب بالمكعبات على السجادة، وهبة واقفة قدام الشباك الكبير، ماسكة كاس دافئ في إيدها، وبتبتسم وهي بتبص للمطر.
قربت منها، وحطيت إيدي على كتفها وقفت جنبها.
هبة التفتت لي، وعينيها كانت بتلمع بالنور والامتنان، وحضنتني بحب وقالت:
“عارفة يا ماما… كل ما أسمع صوت المطر، بفتكر اليوم اللي جيتي لي فيه. بفتكر الكلمة اللي أنقذت حياتي.”
ابتسمت لها وقلت:

“العصفورة؟”
ضحكت هبة ضحكة صافية من قلبها، ضحكة هزت المكان بالدفء وقالت:
“العصفورة طارت يا ماما… وطارت بعيد أوي في السماء، ومفيش قفص في الدنيا كلها يقدر يحبسها تاني.”
حضنتها بقوة، وبصينا إحنا الاثنين من الشباك على المطر… وأنا عارفة ومطمئنة إن بنتي أصبحت حصناً منيعاً، وأن العدل لما بيتحقق، البيوت بترجع لأصحابها الحقيقيين، والكرامة هي الشيء الوحيد اللي ما ينفعش نتنازل عنه… مهما كان الثمن.
تمت…

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى