سر الوحمة حكـايات مني السيد

“كان نازل إجازة غريبة أسبوع واحد بس…” كملت ندى وصوتها بينزل وبيبقى زي الهمس: “وقفني في الشارع بالعافية. كنت مرعوبة، وجريت منه، بس هو مسك إيدي وقالي كلام زي السم… قالي: (فاكرة إنك هربتي مني؟ أنا في دمك.. وأنا جواكي.. ومش هتتخلصي مني عمرك). أنا من كتر الخوف والصرع، أغمى عليا في الشارع، والناس طلبتلي الإسعاف. لما فقت في المستشفى، الدكاترة قالوا إن ضغطي نزل للسماء، وإن الحركة دي عملتلي صدمة نفسية وجسدية شديدة وأنا حامل.”
قعدت جنبها على الكنبة الصغيرة اللي في الحمام، وأنا حاسة إن الرؤية مش واضحة قدامي.
“وبعدين؟” سألتها.
“بعد اليوم ده…” كملت ندى وهي بتهز رأسها يمين وشمال بألم: “أنا بقيت كل ليلة أحلم بيه. كوابيس ما بتخلصش. بشوف وش الوحمة دي بالذات في كل حلم، عشان هو كان دايما بيتباهى بيها ويقولي دي علامة العيلة! بقيت أصحى مرعوبة، حاطة إيدي على بطني وأدعي ربنا إن الحمل يكمل على خير. ولما اتولد آدم…”
سكتت ندى بلعت بؤ مية من الحنفية، وبصت لآدم اللي كان بدا يغمض عينيه وينام من دفا الفوطة.
“لما اتولد آدم، أول ما الحكيمة قلبته عشان تنشفه… شفت الوحمة! أنا صرخت في أوضة العمليات يا طنط! صرخت لدرجة إن الدكتور افتكر جالي نزيف! الوحمة كانت موجودة… بنفس الشكل… في نفس المكان!”
أنا اتنهدت بصدمة وقلت: “طب الدكاترة قالوا إيه؟ إزاي حاجة زي دي تحصل؟”
“سألت دكتورة النسا ودكتورة أطفال…” ندى كملت وعينيها فيها ترجي: “قالولي إن الطب بيهتم بالحاجات دي وتحت مسمى (الوحم النفسي) أو التأثير الجيني النادر جدا، بس الأهم من ده كله… إني لما عملت تحاليل الفصيلة وعينات المتابعة لآدم، كل حاجة بتأكد إن جيناته مطابقة لأحمد! بس الوحمة دي… شكلها بس هو اللي جه بالشكل الشوم ده! جه كأنه لعنة، كأنه الأثر اللي سابه الخوف الشديد النفسية اللي عشتها في حملي لما شفته وهددني!”
سكتت ندى وهي بتتعدل وبتمسك إيدي بكل قوتها:
“تخايلي يا طنط… لو أحمد شاف الوحمة دي؟ أحمد بني آدم طيب ومحترم وبيعشقني، بس هو عارف ماجد وشكل ماجد والمشاكل اللي كانت بيننا! لو شاف الوحمة دي في ضهر ابنه الوحيد… تفتكري عقله هيستوعب كلام الدكاترة عن التوتر النفسي والوحم؟ تفتكري مش هيدخل الشيطان بيننا ويخليه يشك فيا وفي شرفي؟”
كلام ندى نزل عليا زي الصاعقة. كلامها كان منطقي ومخيف في نفس الوقت.
أحمد ابني… أنا عارفاه كويس. بيحب ندى ومستعد يبيع الدنيا عشانها، بس هو كمان راجل شرقي، وعزته ونخوته فوق كل شيء. لو شاف علامة زي دي على ضهر الواد… علامة تخص راجل تاني ندى كانت متجوزاه قبله… الشيطان مش هيسيبه. هيحفر في دماغه ألف سؤال وسؤال: “هو الواد ده ابني بجد؟ ولا هي كانت بتشوفه من ورايا؟ ولا الحمل ده حصل إزاي؟”
حتى لو التحاليل أثبتت إن آدم ابن أحمد… الشك لما يدخل قلب الراجل، الأخضر واليابس. العلاقة مش هترجع زي الأول أبداً، وبيت ابني .
“عشان كده…” كملت ندى وهي بتبص للزقة الطباطية: “عشان كده يا طنط كنت برفض إن أي حد يحميه. كنت بقفل عليا وعليه باب الحمام، وأغير اللزقة دي كل يومين أو تلاتة، بحط لزقة ضد المية عشان ما تقعش وهو بيلعب. كنت خايفة… مرعوبة إن أحمد يشوفها، أو حضرتك تشوفيها، أو أي حد من العيلة يلمسها أو يسأل عنها! أنا بقالي شهور عايشة في سجن، مش بعرف أنام، كل ما آدم يجي يتحمى بيبقى يوم جحيم بالنسبة لي من كتر القلق!”
بصيت لندى… وشها المرهق، الهالات السودة اللي تحت عينيها، خساير وزنتها في الكام شهر اللي فاتوا… كل حاجة بقت مفهومة دلوقتي. الإرهاق ده ما كانش بس من سهر البيبي… الإرهاق ده كان من السر الثقيل اللي كانت شايلاه لوحدها في قلبها، كاتمة أنفاسها وخايفة إن بيتها في أي لحظة.
أنا فضلت ساكتة لفترة، ماسكة إيدها اللي بتترعش. عقلي كان بيوزن الأمور.
هل أصدم ابني وأقوله؟ ولا أحمي بيته وأحمي حفيدي اللي بيبصلي ببرائة؟
وفجأة… خبط خفيف جه على باب الحمام.
صوت أحمد من برا:
“إيه يا جماعة؟ كل ده بتجموا الواد؟ ندى… إنتِ صحيتي ولا إيه؟”
قلبي نط من مكانه. ندى شهقت وحطت إيدها على بؤها وهي بتبصلي بعينين مليانة ترجي وخوف، كأنها بتستنجد بيا من حكم الإعدام.
مسحت وشي بسرعة، ورفعت صوتي وأنا بحاول أخلي نبرتي طبيعية تمامًا:
“أيوة يا أحمد يا حبيبي… ندى صحيت وجت تساعدني، والواد كان مبسوط بالمية مش عايز يطلع! طالع لأبوه بيحب المية!”
سمعت ضحكة أحمد الخفيفة من ورا الباب وهو بيقول:
“طب يلا اخلصوا بقى، الشاي جهز، وتعالوا اقعدوا معايا.”
“حاضر يا حبيبي، نازلين أهو.” قلت له.
صوت خطوات أحمد بعدت عن الباب.
أول ما اختفى صوته، ندى نزلت على ركبها قدامي، ومسكت طرف جلابيتي وقالت وهي بتعيط بصوت مكتوم:
“الله يخليكي يا طنط… ستر ربنا جميل… لا تفضحيني ولا تخربي بيتي.. أنا والله العظيم مظلومة ومفيش في حياتي غير أحمد!”
بصيت لندى بصرامة، بس في نفس الوقت كان فيه حنان الأم اللي جوايا بيتحرك ناحيتها. رفعتها من على الأرض ومسحت دموعها بإيدي.
“قومي يا ندى…” قلت لها بصوت هادي : “قومي البسي وتالي معايا. السر ده هيفضل بيني وبينك… لكن بشرط واحد.”
ندى بصتلي بسرعة وقالت: “أي شرط يا طنط! أي حاجة تطلبيها هعملها!”
قلت لها وأنا ببص لضهر آدم المتغطي باللزقة:
“الشرط ده هتعرفيه لما نرجع البيت… لأن اللي إحنا فيه ده مؤقت، واللزقة دي مش هتقدر تخبي السر ده للابد…”
## الفصل الثالث والأخير: حساب العصفورة
وقفت هبة في نص ، ثباتها كان يشبه الهدوء اللي بيسبق الإعصار. بصت لكريم وهو راكع قدام السفرة، وشه بلون التراب، وإيديه بترتعش من الرعب. النظرة اللي كانت في عينيها مش نظرة ، كانت نظرة استغناء تام، نظرة ست اكتشفت فجأة إن الكابوس اللي كانت عايشة فيه كان مجرد وهم هي اللي سمحت به لما ضعفت.
مسكت إيد بنتها الصغيرة “ملك”، وبصت لكريم وقالت بصوت نقي ومفيش فيه نبرة مهزومة واحدة:
“شرطي البسيط يا كريم… الطلاق البائن فوراً، وتتنازل عن أي حق قانوني أو شرعي في حضانة ملك، مع إقرار رسمي منك بعدم التعرض لينا بأي شكل من الأشكال، وتوقع على التنازل الكامل عن أي مستحقات أو ادعاءات مالية سابقة أو لاحقة.”
كريم رفع رأسه بذهول، وحماتي “أم كريم” وقفت تجري وتزعق بصوت مبحوح:
“طلاق إيه وتنازل إيه يا مفترية؟! عايزة تأخذي الواد وتخليه في الشارع ومن غير ابنه كمان؟! ده ابنه من صلبه! القانون بيديه حق الرؤية والحضانة لما تكبر!”
هبة ما بصتش لأم كريم أصلاً، كأنها مش موجودة في الأوضة، وكملت كلامها وهي باصة لكريم مباشرة:
“قدامك خيارين يا كريم، مفيش تالت… إما المأذون يدخل دلوقتي، وتوقع على ورقة والتنازل بالرضا قدام المستشار أشرف… أو الأستاذ أشرف ينزل التليفون من إيده، والبلاغ يتحول للنيابة العامة المبرح، واختلاس أموال الشركة والتزوير في المحررات الرسمية. وساعتها مش هتشوف ملك، ولا هتشوف الشمس أصلاً لسنوات طويلة.”
المستشار أشرف طلع موبايله وهز رأسه وقال بوقار شديد:
“البلاغات متجهزة ومكتوبة على مكتب وكيل النيابة المختص، والشرطة منتظرة إشارة واحدة مني للتحرك للقبض الفوري على الأستاذ كريم من الشقة هنا… القرار قرارك يا كريم بيه، والوقت بيجري.”
## المأذون واللحظة الحاسمة
كريم حط إيديه على وشه وبدأ يبكي… مش بكاء ندم على اللي عمله في بنتي، لكن بكاء قلة حيلة وخوف من المصير اللي بيستنياه. الإنسان المتكبر أول ما بتتسحب منه أدوات قوته المزيفة، بيتحول لأضعف كائن على وجه الأرض.
أم كريم مسكت في دراع ابنها وبقت تصرخ:
“قوم يا كريم! قوم ما تتذلش ليهم! إحنا نجيب محامي ونرفع قضايا!”
كريم زق إيد أمه بعنف وقال بصوت مليان قهر وكسرة:
“قضايا إيه يا أمي؟! قضايا بشنطة فلوس مش حيلتنا منها جنيه؟! قضايا وأنا كروتي مقفولة وأوراق الاختلاس جاهزة على حبسي؟! إنتِ مش شايفة إحنا واقفين قدام مين؟!”
التفت لكريم، وبصيت له بابتسامة هادية وقلت له:
“شاطر يا كريم… لأول مرة تقيّم الموقف صح. المأذون مستني تحت العمارة في العربية مع الأستاذ أشرف من قبل ما أنا أدخل المطبخ أصلاً. أصل أنا لما ببدأ خطة… بكون مجهزاها من الألف للياء.”
أشرف شاور لواحد من رجال الأمن، فتح الباب ونزل جاب المأذون اللي كان معزوم وجاهز لكل الإجراءات القانونية الموثقة.
دخل المأذون، وفي إيده دفتره الشهير. القعدة اللي كانت من نص ساعة قعدة استقواء وافتراء على هبة، تحولت لقلسة توثيق نهاية زواج فاسد من جذوره.
قعد المأذون على نفس السفرة اللي كانوا بياكلوا عليها، قدام أطباق اللحمة وكاسات الكريستال اللي كانت أم كريم بتتباهى بيها.






