اخر امنية

وقعت الصورة من إيدي.
لما انحنيت آخدها، لاحظت حاجة مكنتش واخدة بالي منها.
في زاوية الصورة كان فيه تاريخ.
التاريخ كان…
تاريخ ميلادي أنا.
وقتها وقف جورج مكانه، وبصلي بصدمة، وقال
مستحيل…
يتبع…وقفت مكاني، وبصيت للصورة مرة واتنين.
نفس تاريخ ميلادي.
رفعت عيني لجورج، ولقيته وشه شاحب.
قلت بصوت مرتعش
إيه اللي مستحيل؟
بلع ريقه وقال
كنت فاكرها مجرد صدفة… لكن دلوقتي لازم تعرفي الحقيقة.
قبل ما يكمل، دوّى انفجار خفيف عند مدخل النفق، ووقع تراب من السقف.
صرخ الظابط من بعيد
امشوا! النفق ممكن ينهار!
لكن جورج مسك دراعي وقال
لازم تسمعي الجملة دي قبل أي حاجة.
بصيت له في خوف.
قال
كارل ما اختاركِش عشوائي… هو كان بيدور عليكي من سنين.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
بيدور عليا؟! ليه؟ أنا عمري ما شوفته قبل المستشفى.
طلع جورج من جيبه صورة أقدم، باهتة من الزمن.
فيها راجل أصغر سنًا… عرفته فورًا.
كارل.
وكان واقف جنب ست شايلة طفلة صغيرة.
أما الست…
فكانت شبه أمي بشكل يخض.
همست
دي… دي أمي.
هز جورج رأسه.
أيوه.
اتجمدت.
إزاي؟
قال
أمك كانت بتشتغل مع كارل زمان، وساعدته في قضية خطيرة. وبعدها اختفت من حياته تمامًا، لكنه فضل محتفظ بالصورة دي، وكان دايمًا يقول لو قابلت بنتها يومًا، هعرفها من أخلاقها قبل اسمها.
قبل ما أستوعب الكلام، سمعنا صوت خطوات جاية من آخر النفق.
لكن المرة دي…
ماكانوش رجال العصابة.
كان فريق الشرطة الخاصة وصل من الناحية التانية بعد ما اتتبعوا إشارة استغاثة الظابط.
بدأ تبادل إطلاق النار عند مدخل النفق، واستغلينا اللحظة وخرجنا.
وأنا خارجة، بصيت آخر مرة على بيت كارل وهو محاصر.
سألت جورج
يعني كل اللي حصل… كان عشان الفلاشة؟
رد بهدوء
لا…
أمال عشان إيه؟
نظر إليّ طويلًا، ثم قال
لأن كارل كان عارف إن السر الحقيقي… مش موجود في الفلاشة أصلًا.
ثم أشار إلى خاتم الزواج في إصبعي.
السر… مخبأ في الخاتم اللي لبسك إياه يوم كتب الكتاب.
يتبع…نظرت إلى خاتم الزواج في إصبعي، وقلبي بدأ يدق بعنف.
الخاتم؟
هز جورج رأسه.
اخلعيه.
حاولت أخلعه، لكنه كان ضيقًا.
الظابط جاب شوية
صابون من عربية الإسعاف، وبعد دقائق قدرت أخرجه.
أخذه جورج، وضغط على الحجر الصغير المثبت فيه.
صدر صوت خافت…
تك.
وانفتح الخاتم إلى نصفين.
شهقت.
في داخله كانت شريحة إلكترونية صغيرة جدًا، أصغر من ظفر الإصبع.
ابتسم جورج لأول مرة وقال
دي هي الحاجة اللي كل الناس بتموت عشانها.
سأل الظابط
إيه اللي عليها؟
رد جورج
قائمة كاملة… بأسماء رجال أعمال ومسؤولين كبار كانوا بيشتغلوا مع العصابة، وأرقام حساباتهم، وكل التحويلات.
قال الظابط بحزم
لازم نوصلها للنيابة حالًا.
لكن في اللحظة نفسها…
رن هاتف جورج.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه.
همس
عرفوا.
مين؟
اللي بيدير كل ده.
وقبل أن يغلق الهاتف، جاءه صوت بارد
قول لها تبص وراها.
استدرت بسرعة…
فوجدت رجلًا يرتدي بدلة سوداء، يقف على بعد أمتار قليلة، ويوجه مسدسه نحونا.
ابتسم بهدوء وقال
شكرًا… لأنكم وفرتوا عليّ سنين من البحث.
رفع الظابط سلاحه، لكن الرجل ضغط على زر صغير في يده.
وفجأة…
انفجرت سيارة الشرطة المتوقفة خارج النفق، فاهتز المكان كله، وتصاعد الدخان في السماء.
وسط الفوضى، اندفع الرجل نحوي محاولًا انتزاع الخاتم من يدي.
تشابكت معه، وسقط الخاتم على الأرض، وتدحرج داخل فتحة ضيقة بين الصخور.
نظر الرجل إلى الفتحة، ثم إليّ، وقال بابتسامة غامضة
انتهت اللعبة… أو لسه بدأت.
ثم سمعنا صوت مروحيات يقترب من فوقنا، بينما بدأت قوات الأمن الخاصة تطوق المنطقة من كل الاتجاهات…
يتبع…المروحيات ظلت تحوم فوق المكان، وصوت مكبرات الشرطة ملأ المنطقة
ألقوا أسلحتكم… أنتم محاصرون!
الرجل ذو البدلة السوداء ابتسم ابتسامة باردة، ثم رفع يديه ببطء.
الظابط اقترب منه بحذر، وكبّله بالأصفاد.
لكن قبل أن يضعه في سيارة الشرطة، قال الرجل وهو ينظر إليّ
لو كنتِ فاكرة إن كارل كان بريئًا… يبقى انتي متعرفيهوش.
تجمدت في مكاني.
التفت إلى جورج.
بيقصد إيه؟
تنهد جورج وقال
كارل ماكانش ملاك… زمان اشتغل معاهم فعلًا. لكنه لما اكتشف إن شغلهم تسبب في قتل ناس أبرياء، انقلب عليهم، وبدأ يجمع الأدلة ضدهم لسنين.
في تلك اللحظة، نادى أحد رجال الإنقاذ
لقينا الخاتم!
التقطوه من بين الصخور، لكن الشريحة الإلكترونية كانت ما زالت في مكانها ولم تتلف.
بعد ساعات، وصلت الأدلة إلى الجهات المختصة، وبدأت حملة اعتقالات واسعة طالت عشرات المتورطين، وانتهت شبكة استمرت سنوات في الخفاء.
بعد أسابيع، استدعاني المحقق المسؤول.
قال لي
كارل كتب وصية أخيرة.
ناولني ظرفًا صغيرًا.
فتحته، فوجدت رسالة قصيرة بخطه
لو وصلتك الرسالة دي، يبقى الحقيقة ظهرت. أنا عارف إن الناس هتفتكر إنك اتجوزتِ راجل ميت عشان فلوس أو ميراث، لكن الحقيقة إنك ادتِني أغلى حاجة… إحساس إني إنسان له أهل في آخر أيامه. شكرًا لأنك حققتِ آخر أمنية ليا.
أغلقت الرسالة وأنا أبكي.
خرجت من المبنى، ونظرت إلى السماء.
لأول مرة منذ وفاة كارل، شعرت أن قصته انتهت كما كان يتمنى.
النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






