قصص و روايات

معاش زوجي

يوم ما معاشي نزل في الحساب، الموبايل رن بإشعار. بصيت على الرقم، وابتسمت من قلبي. بعد عمر كامل قضيته في التدريس، أخيرًا جه الوقت اللي أرتاح فيه. حضرت العشا بإيدي… أربع أصناف وأكلة شوربة، وكمان عملت ريش ضاني بالطريقة اللي جوزي حسن بيعشقها. وإحنا بناكل، وبعد ما خلص نص طبقه، حط المعلاقة على الترابيزة، وتنحنح.

أنا حفظت الحركة دي عن ظهر قلب.
كل مرة يكون عايز يفتح موضوع مهم، لازم ينحنح الأول، كأنه هيطلع يخطب على مسرح.
قال
يا منى… فيه موضوع كنت عايز أتكلم فيه معاكي.
كنت لسه بمضغ لقمة، ورديت بهدوء
اتفضل.
قال وهو بيتجنب يبصلي
أخويا الكبير الله يرحمه مات بدري… ومراته، أم محمد، شقيت لوحدها عشان تربي ابنها. الست تعبت في حياتها أوي.
فضلت باكل عادي.
كمل
دلوقتي هي ملهاش معاش، وحالتها المادية صعبة… وأنا فكرت إن معاشي كل شهر أديهولها.
رفعت عيني وبصيتله.
واضح إنه مش قادر يبصلي في وشي.
سألته بهدوء
كام؟
بلع ريقه وقال
كله… المعاش كله.
إيدي وقفت في نص الحركة.
مش من الصدمة…
لكن لأني كنت هموت وأضحك.
هو ناسي؟
ولا بيتناسى؟
طول السنين اللي فاتت، إحنا صرفنا على بيت أخوه قد إيه؟
لما ابنها محمد اتجوز، إحنا اللي دفعنا مقدم الشقة.
مئتين ألف جنيه من جيبنا.
لما دخلت المستشفى وعملت عملية، إحنا اللي دفعنا تمنها.
تمانين ألف جنيه.
كل عيد ومناسبة، العيدية عمرها ما كانت تقل عن تلات تلاف جنيه.
ولما حفيدها دخل الحضانة، المصاريف

الدراسية إحنا اللي دفعناها.
لو جمعنا كل الفلوس دي…
كنا اشترينا بيها شقة جديدة في بلدنا.
ما قولتش ولا كلمة.
كملت أكلي في هدوء.
عدى حوالي عشر ثواني من الصمت.
فجأة ابني كريم اتكلم.
قال
ماما… بابا عنده حق. عمتي تعبت كتير بعد وفاة عمي، وإحنا في الآخر عيلة واحدة… ولازم نقف جنب بعض.
بصيت له.
عنده تمانية وعشرين سنة.
مرتبه خمسة آلاف جنيه بالعافية.
آخر الشهر بيكون مفلس.
الشهر اللي فات استلف مني ألفين جنيه عشان يسدد فيزا البنك.
دلوقتي بقى كريم أوي…
بس كريم بفلوس أبوه.
حسن لقى إني ساكتة، فقال بسرعة
وبعدين إنتِ عندك معاش، والمدرسة كمان طالبة منك تكملي تدريس بعد التقاعد… يعني دخل البيت هيبقى كويس.
حطيت المعلاقة.
ومسحت بقي بفوطة السفرة.
وقلت بمنتهى الهدوء
ماشي.
هو نفسه اتفاجئ.
قال بسرعة
يعني… موافقة؟
ابتسمت.
طبعًا موافقة. عندك حق… العيلة لازم تساعد بعضها.
الابتسامة رجعت لوشه.
وقال وهو مرتاح
كنت عارف إنك ست عاقلة وهتفهميني…
قاطعته.
بس عندي أنا كمان خبر صغير.
هو وكريم بصوا لي.
قلت
المدرسة كانت طالبة مني أكمل شغل بعد المعاش…
وأنا قررت أرفض.
السفرة كلها سكتت.
المعلقة وقعت من إيد كريم.
قال بذهول
إيه؟!
قلت بابتسامة وأنا بقوم أشيل الأطباق
مش هشتغل تاني.
تلاتين سنة تدريس كفاية.
تعبت.
من النهارده هقعد في البيت.
هزرع ورد.
وهشترك في جامعة كبار السن.
هتعلم رسم.
ورقص.
وخط عربي.
حسن اتوتر وقال
بس المدرسة هتديكي تمن تلاف جنيه في الشهر!
قلت
أيوه… تمن تلاف.
لكن مش إنت بنفسك قلت إن دخل البيت هيكفي؟
معاشك هيروح لأرملة أخوك…
ومعاشي يصرف على البيت…
يبقى خلاص… كفاية.
فتح بقه…
لكن ولا كلمة خرجت.
شلت الأطباق ودخلت المطبخ.
ومن بعيد سمعت كريم بيهمس
بابا… الموضوع قلب بجد.
ورد حسن بصوت واطي
سيبها يومين… دي بس زعلانة وهتهدى.
فتحت الحنفية.
وصوت الميه غطى على كلامهم.
ابتسمت لنفسي.
زعلانة؟
لأ…
أنا أول مرة أبقى جادة بالشكل ده.
الجزء الثاني
تاني يوم الصبح.
لبست فستان شيك كنت شرياه من فترة ولسه ما لبستوش.
حطيت ميك أب خفيف.
وخرجت.
حسن كان قاعد في الصالة بيقرا الجرنال.
أول ما شافني بالشكل ده استغرب.
قال
رايحة فين؟
قلت
المدرسة.
ابتسم وهو ارتاح.
آه… عشان توقعي عقد الشغل.
قلت بكل هدوء
لأ… عشان أرفض.
الجرنال وقع تقريبًا من إيده.
قال بصوت عالي
إيه؟! إنتِ بتهزري؟
عدلت شعري قدام مراية الباب.
وقلت
باين عليا إني بهزر؟
قال
يعني هتسيبي تمن تلاف جنيه؟
أيوه.
لفيت أبصله وابتسمت.
يا حسن… بقالي تلاتين سنة بصحى بدري، وبشتغل، وبرجع أخدم البيت.
كفاية.
إنت قلت إن العيلة تساعد بعضها.
إنت ساعد مرات أخوك…
وأنا هساعد نفسي.
قال بسرعة
طب والبيت؟
قلت
معاشي أربعة آلاف وميتين جنيه.
يكفوا الأكل والشرب بالعافية.
ولو عشنا على القد يبقى عادي…
ما مرات أخوك عايشة كده.
وشه اصفر.
هو معاشه تلات تلاف وتمانمية.
وده كله هيطلع بره البيت.
يبقى البيت هيعيش على أربعة آلاف وميتين.
منهم كهربا.
ومية.
وغاز.
وأكل.
ومصاريف.
وساعتها فهم…
يعني إيه الكلام اللي قاله امبارح.
لكن ما عرفش يرد.
لأن كل ده…
كان كلامه هو.
خرجت من البيت وأنا مبسوطة.
اشتريت لأول مرة من زمان ساندويتش فطار غالي.
كنت زمان بعمل عيش وجبنة في البيت وخلاص.
روحت المدرسة.
مدير شؤون العاملين أول ما شافني رحب بيا، وقال إن العقد جاهز.
قلتله بابتسامة
أنا جاية أعتذر.
مش هرجع أدرس.
الراجل اتصدم.
وقال
يا أستاذة منى… المدرسة محتاجاكي جدًا.
قلت
أشكركم…
بس أنا قررت أعيش حياتي.
خرجت.
وهو فضل يناديني يمكن أغير رأيي.
لكن ما بصيتش ورايا.
وأنا ماشية…
الموبايل رن.
كان كريم.
رديت.
قال بعصبية

مقالات ذات صلة
1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى