منوعات

قبل فرحنا بأسبوع

إنت وإخواتك كويسين؟
ضحك وقال
آه، كلنا عند البيت… بس فيه حاجة غريبة.
قلبي انقبض.
إيه هي؟
قال
في راجل جه من حوالي نص ساعة، وساب صندوق صغير، وقال محدش يفتحه غيرك.
بصيت لعادل.
كان كأنه كان متوقع المكالمة.
قال بهدوء
تمام… يبقى كل حاجة ماشية زي ما أحمد خطط.
قفلت المكالمة وأنا مش فاهمة.
قلت بعصبية
هو أحمد كان مخطط لكل ده من تلاتين سنة؟
رد عادل
أيوه… وكان عارف إن اليوم ده هييجي.
مد إيده ناحية الصندوق الخشبي الكبير، لكنه قبل ما يلمسه توقف فجأة.
كان فيه صوت خافت جاي من داخله.
أنا وعم حسين وعادل بصينا لبعض.
الصوت اتكرر.
مش صوت شخص…
لكن صوت ساعة ميكانيكية قديمة، كأنها بدأت تشتغل بعد ثلاثين سنة من السكون.
وبعد ثوانٍ…
صدر من داخل الصندوق صوت تك جديد، وانفتح درج سري صغير في جانبه من تلقاء نفسه.
وفي الدرج…
كان فيه مفتاح ثالث.
وعليه بطاقة صغيرة مكتوب فيها بخط أحمد
إذا ظهر المفتاح الثالث… فمعناه إن الشخص الوحيد اللي كنت خايف منه… عرف يوصل تجمدت إيدي وأنا برفع البطاقة.
بصيت لعادل، ثم لعم حسين.
الاتنين كانوا ساكتين.
لكن السكوت المرة دي كان مخيف.
قلت بصوت متوتر
مين هو الشخص اللي أحمد كان خايف منه؟
رد عادل بسرعة
مش لازم تعرفي دلوقتي.
قاطعته بعصبية
بعد كل اللي حصل… لسه في أسرار؟
عم حسين أخد نفسًا طويلًا وقال
أحمد عمره ما خاف على نفسه… كان خايف إن الحقيقة لو ظهرت في وقت غلط، تدمر الأولاد.
كلمة الأولاد خلتني أسكت.
كل اللي كان يهمني ساعتها إنهم يفضلوا بخير.
مسكت المفتاح الثالث.
كان مختلف عن الاتنين اللي قبله.
صغير، وفضي، ومكتوب عليه من الخلف
الخزانة رقم 11.
قلت
خزانة فين؟
ابتسم عادل لأول مرة.
وقال
ده السؤال الصح.
أخرج من الملف ورقة قديمة جدًا.
كانت خريطة مرسومة بإيد أحمد.
وفي آخرها علامة حمراء.
وتحتها مكتوب
البيت القديم.
اتجهنا كلنا إلى بيت أحمد الأول، البيت اللي عاش فيه قبل ما أعرفه.
كان مقفول من سنين، ومحدش دخله من يوم اختفائه.
الغبار مالي المكان.
والأثاث كما هو.
كأن الزمن وقف فيه.
فضلت أبص في كل ركن، وأنا أفتكر أول مرة دخلته.
لكن عادل اتجه مباشرة لأوضة صغيرة تحت السلم.
قال
هي هنا.
بدأنا نحرك دولابًا خشبيًا قديمًا.
وراه ظهر باب حديد صغير، فيه فتحات مرقمة.
دخلت المفتاح الثالث.
لف بسهولة.
الباب اتفتح.
وجواه خزانة معدنية مكتوب عليها الرقم 11.
قلبي كان بيدق بعنف.
مديت إيدي علشان أفتحها…
لكن قبل ما ألمس المقبض، لقيت ظرفًا ملزوقًا عليها.
بخط أحمد.
فتحت الظرف بسرعة.
كانت فيه جملة واحدة فقط
لو قدرتي توصلي للخزانة دي، يبقى فيه شخص واحد وسط اللي واقفين معاكي لحد دلوقتي… مخبى عنك أهم جزء من الحقيقة.
رفعت عيني ببطء.
بصيت لعم حسين…

ثم لعادل…
وكل واحد فيهم كان باصص للتاني، وكأن كل واحد مستني الثاني يتكلم أولًا ساد صمت ثقيل.
ولا واحد فيهم نطق.
أنا اللي كسرت السكوت.
قلت بحزم
اللي عنده حاجة يقولها دلوقتي… كفاية أسرار.
عم حسين تنهد وقال
أنا أخفيت الحقيقة اللي أحمد طلب مني أخفيها.
عادل هز رأسه وقال
وأنا أخفيت الجزء اللي أحمد طلب مني أسلمهولك في اليوم ده.
بصيت لهم باستغراب.
يعني كل واحد فيكم كان معاه نص الحقيقة؟

رد عادل
بالضبط.
مد إيده ناحية خزانة رقم 11.
وقال
افتحيها.
لفيت المقبض ببطء.
الباب اتحرك وهو بيصدر صوت صرير طويل.
جواها مكانش فيه فلوس…
ولا مجوهرات…
كان فيها عشر ملفات، كل ملف مكتوب عليه اسم واحد من الأولاد.
وفي آخر الرف…
كان فيه ملف أكبر، مكتوب عليه اسمي.
ارتعشت إيدي وأنا مسكته.
لكن عادل وقفني.
وقال
مش ده الأول.
وأخد ملف صغير جدًا من زاوية الخزانة.

مقالات ذات صلة

كان مكتوب عليه
يُقرأ قبل أي ملف آخر.
فتحته بسرعة.
لقيت ورقة بخط أحمد.
لو وصلتي للمرحلة دي، فأنا عارف إنك فضلتي مع الأولاد، وإنك عملتي اللي كنت واثق إنك هتعمليه. ولو كنتي سيبتيهم، كان كل اللي بعد كده هيضيع.
نزلت دموعي من غير ما أحس.
كملت القراءة.
أنا عمري ما شكيت في أمانتك ولا في قلبك. وعشان كده، كل اللي هتعرفيه بعد اللحظة دي هيكون حقك.
وقبل ما أكمل السطر اللي بعده…
سمعنا صوت خطوات جاية من برة البيت.
الخطوات كانت سريعة.
وبعد ثواني، الباب الرئيسي اتفتح.
دخل يوسف، ومعاه باقي إخواته.
كانوا واقفين قدامنا، وعلامات القلق على وشوشهم.
يوسف بص على الملفات، ثم بص لي وقال
ماما… الراجل اللي ساب الصندوق عند البيت قالنا جملة غريبة.
ابتلعت ريقي وسألته
قال إيه؟
رد يوسف
قال… مهما تسمعوا النهارده، أوعوا تكرهوا أحمد.
نظرت إلى الرسالة في إيدي.
كان باقي فيها سطور كثيرة…
لكن لأول مرة من بداية الحكاية، حسيت إن اللي هقراه بعد السطر ده هيغير نظرة الأولاد لأبوهم إلى الأبد بصيت في وشوش الأولاد.

كل واحد فيهم كان مستني يسمع الحقيقة.
لكن قبل ما أفتح الرسالة، قلت لهم بهدوء
فيه حاجة واحدة أوعدوني بيها… محدش يقاطع، ومحدش يحكم قبل ما نعرف كل اللي حصل.
هزوا راسهم في صمت.
فتحت الورقة، وبدأت أقرأ بصوت مسموع
أولادي الأحباء… لو أنتم واقفين دلوقتي حوالين أمكم، فأنا كسبت أكبر رهان في حياتي. لأنها أثبتت إنها كانت فعلًا الإنسانة الوحيدة اللي أقدر أسيب لكم حياتكم بين إيديها.
بدأت الدموع تنزل من عيون البنات.
أما يوسف، فكان ثابتًا، لكنه قابض على إيده بقوة.
كملت القراءة
عارف إن أول سؤال في بالكم هو ليه مشيت؟ والإجابة مش هتكون سهلة… لكن قبل ما تعرفوا السبب، لازم تعرفوا إن القرار ده كان أصعب قرار أخدته في حياتي.
سكت لحظة، وأنا بحاول أتماسك.
لاحظت إن آخر الصفحة مقطوع جزء منها.
بصيت لعادل.
رفع الملف الجلدي وقال
عشان
كده قلتلك إن فيه ورقة ناقصة.
فتح الملف، وأخرج صفحة تانية بنفس الخط ونفس التاريخ.
ناولها لي.
وصلت القراءة من حيث انتهت
في اليوم اللي كتبت فيه الرسالة دي، اكتشفت أمرًا غيّر كل حاجة… ومن اللحظة دي، بقيت عارف إن حياتي عمرها ما هترجع زي الأول.
وقبل ما أكمل السطر اللي بعده…
وقعت من بين الصفحتين صورة قديمة على الأرض.
انحنيت التقطها.
كانت صورة لأحمد…
واقف قدام مبنى كبير.
لكن اللي شد انتباهي مش المبنى…
كان التاريخ المكتوب خلف الصورة.
التاريخ كان بعد سنتين كاملتين من يوم اختفائه.
رفعت الصورة وأنا مذهولة.
وبصيت لعم حسين.
همس وهو بيغمض عينه
أنا كنت عارف إن الصورة دي هتطلع… لكن كنت بدعي إنها تفضل مستخبية.
كل الأولاد بصوا للصورة في نفس اللحظة.
ويوسف قال بصوت مرتعش
يعني… بابا كان عايش بعد ما سابنا بسنتين؟
ساد صمت ثقيل…
ولأول مرة، محدش في الغرفة كان يملك إجابة كاملة الصمت كان خانق.
كل العيون اتثبتت على الصورة.
أنا مسكتها بإيدي، وقلبتها.
على ظهرها كان فيه سطر واحد بخط أحمد
مش كل صورة بتاريخها… اتصورت في نفس اليوم.
بصيت لعم حسين بسرعة.

قال وهو بيشير للصورة
اقري التاريخ كويس.
دققت النظر.
اكتشفت إن التاريخ ماكانش مكتوب بقلم.
كان مختوم بختم معمل تحميض الصور.
يعني ده تاريخ طباعة الصورة… مش تاريخ التقاطها.
يوسف أخد نفسًا طويلًا.
يعني… الصورة ممكن تكون أقدم؟
هز عم حسين رأسه.
أيوه.
شعرت براحة بسيطة… لكن الحيرة لسه أكبر.
إيه اللي خلاه يسيب الصورة بالطريقة دي؟
وليه كتب الجملة دي؟
عادل قال
كملي الرسالة.
فتحت الصفحة الثانية من جديد، وكملت القراءة
عارف إن بعض الأدلة هتوصلكم لاستنتاجات غلط، وعشان كده سيبت لكم علامات تصحح الطريق. لو استعجلتم في الحكم، هتضيع الحقيقة.
نظرت إلى الملفات العشرة.
كل ملف عليه اسم واحد من الأولاد.
وفجأة لاحظت حاجة غريبة.
كل الملفات كانت متقفلة بالشمع الأحمر…
إلا ملف واحد.
ملف يوسف.
كان مفتوحًا بالفعل.
بصيت ليوسف باستغراب.
قال بسرعة

والله أول مرة أشوفه.
اقترب عادل، وفتح الملف بحذر.
في داخله لم يكن هناك سوى ورقة واحدة.
مكتوب فيها
لو الملف ده مفتوح قبل ما أكون أنا اللي فتحته… يبقى حد وصل للخزانة قبلكم.
تبادلنا النظرات.
أنا متأكدة إن الخزانة كانت مقفولة.
والمفتاح الثالث كان معانا.
يعني…
إزاي الملف اتفتح؟
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت باب الخزانة الحديدية وهو بيتقفل وحده بقوة.
استدرنا بسرعة.
ولما بصينا ناحية الباب الصغير تحت السلم…
لقينا آثار أقدام ترابية حديثة خارجة من المكان…
لكن الغريب…
إن الآثار دي ما كانتش موجودة قبل دقائق، وكأن شخصًا كان معانا في البيت طوال الوقت… من غير ما حد يحس بوجوده شهقت واحدة من البنات، واتجمعوا كلهم ورايا.
يوسف جرى ناحية الباب الخلفي للبيت.
فتحه بسرعة.
لكن مفيش حد.

الجنينة فاضية.
والتراب ساكن.
رجع وهو بيقول
مفيش أي حد خرج.
بص عادل على آثار الأقدام، وركع على الأرض.
فضل يتأملها ثواني.
ثم قال بهدوء
دي مش آثار جديدة.
استغربت.
إزاي؟
رد
البيت مقفول من سنين… والتراب كان متراكم فوقها. إحنا بس كشفناها لما حركنا الدولاب.
كلنا بصينا للأرض مرة تانية.
وفعلًا…
الآثار كانت باهتة، والتراب القديم مغطي أطرافها.
يعني محدش كان مستخبي معانا.
تنفست الصعداء.
لكن اللغز لسه موجود.
مين فتح ملف يوسف؟
اقترب عم حسين من الملف، وقلبه من كل ناحية.
وفجأة لمس طرفًا رفيعًا من الورق داخل الغلاف.
سحبه بحذر.
خرجت بطاقة صغيرة كانت ملزوقة من الداخل، ومكتوب عليها
لو لقيت الملف مفتوح، متخفش… أنا اللي فتحته قبل ما أقفله للمرة الأخيرة.

بصينا لبعض في دهشة.
أحمد كان قاصد يختبر رد فعلنا.
ابتسم عادل لأول مرة من ساعة دخلنا البيت.
وقال
كان عارف إن أي حد هيشك إن فيه حد سبقكم.
قلت بضيق
يعني حتى بعد تلاتين سنة، لسه بيفاجئنا.
هز رأسه وقال
كان بيفكر في كل تفصيلة.
مددت يدي إلى ملفي.
لكن قبل ما أفتحه، شد انتباهي شيء صغير جدًا في قاع الخزانة.
علبة معدنية قديمة بحجم كف اليد.
مقفولة بقفل منزلق.
فتحتها.
كان بداخلها خاتم زواج أحمد.
الخاتم اللي اختفى معاه يوم اختفى.
وتحته ورقة مطوية بعناية.
فتحتها ببطء.
كان مكتوبًا فيها
الخاتم ده رجع مكانه… لأن الوقت جه تعرفي الحقيقة اللي أخفيتها عنك طول السنين. لكن قبل ما تقري آخر رسالة، لازم تعرفي إن اللي عملته كان علشان أحميكم، مش علشان أهرب منكم.
رفعت عيني، وأنا حاسة إن السطور الجاية هي اللي هتكشف كل شيء.
لكن عادل رفع إيده وقال بهدوء
استني… الرسالة دي هي الأخيرة فعلًا. وبعدها مفيش أسرار هتفضل مستخبية فتحت الرسالة الأخيرة، وكل اللي في الأوضة سكت.
بدأت أقرأ بصوت مرتعش
حبيبتي… لو وصلتي للرسالة دي، فأنا للأسف مش موجود، لكن لازم تعرفي الحقيقة كاملة.
قبل أسبوع من فرحنا، اكتشفت إني مصاب بمرض نادر وخطير، والأطباء أكدوا إن حالتي هتتدهور بسرعة، وإن احتمالات نجاتي ضعيفة جدًا.
أول حاجة فكرت فيها مكانتش نفسي… كانت الأولاد.

بدأت دموعي تنزل وأنا بكمل.
كنت عارف إنهم لو شافوني بضعف يوم بعد يوم، هيعيشوا عمرهم كله متعلقين بالأمل والألم. وكنت عارف إن لو اتجوزتك، هتحملي عبء مرضي، وعبء عشرة أطفال، ويمكن في الآخر تدفنيني بعد شهور قليلة.
وأنا مكنتش مستعد أسرق عمرك.
بصيت للأولاد… كلهم كانوا بيعيطوا.
وكملت
عشان كده سبت كل حاجة ورتبتها. بعت جزء كبير من أملاكي في السر، وحطيت الفلوس في صندوق استثماري باسمهُم، بحيث كل واحد فيهم يقدر يتعلم ويبدأ حياته من غير ما يحتاج يمد إيده لحد.
وطلبت من عم حسين وعادل ينفذوا وصيتي بعد ثلاثين سنة… لأن ساعتها هتكونوا كبرتوا، وهتعرفوا تستوعبوا الحقيقة من غير ما تكرهوني.
ثم وصلت لآخر سطر.
ولو في حاجة ندمت عليها… فهي إني حرمت نفسي من إني أشوفكم بتكبروا، وحرمت نفسي من الحياة مع الإنسانة الوحيدة اللي حبت أولادي كأنهم أولادها.
سامحيني… وسامحوني.
سكتُّ.
لم يكن في البيت صوت غير البكاء.
اقترب يوسف، وأخذ الخاتم من العلبة، ثم ركع أمامي.
وقال
إحنا طول عمرنا كنا فاكرين إنك ربيتينا لأنك طيبة… لكن دلوقتي عرفنا إنك ضحيتي بعمرك كله عشان ناس مكانوش من دمك.
ثم أمسك الخاتم ووضعه في يدي.
وقال
أحمد مكانش لحق يتجوزك… بس في نظرنا، إنتِ طول عمرك كنتِ أمنا… وزوجته اللي وفّت بوعدها.
في الأسبوع التالي، ذهبنا جميعًا إلى مقابر العائلة.
كان عم حسين قد احتفظ بمكان دفن أحمد سرًا تنفيذًا لوصيته، حتى يحين موعد كشف الحقيقة.
وقف الأولاد العشرة في صف واحد.
ووضع كل واحد منهم وردة على قبر أبيه.

أما أنا…
فوضعت الخاتم فوق شاهد القبر للحظات، ثم لبسته لأول مرة.
وابتسمت وسط دموعي.
وقلت بصوت هادئ
اتأخرت تلاتين سنة يا أحمد… لكن رسالتك وصلت.
ومنذ ذلك اليوم، لم يجتمع الأولاد كل يوم جمعة فقط…
بل صاروا يبدؤون كل لقاء بالدعاء لرجلٍ أحب أبناءه حتى آخر لحظة، ولامرأةٍ أثبتت أن الأمومة ليست بالدم… وإنما بالقلب والوفاء.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى