فيروز

— الفلاشة!
انطلق أدهم خلفه بسيارته، بينما وقف سليم يراقب المشهد وهو يدرك أن الحقيقة لم تعد محفوظة داخل الأوراق فقط…
بل أصبحت في يد شخص مستعد لفعل أي شيء مقابل إخفائها.
يتبع…في صباح اليوم التالي، توجه سليم، وفيروز، وأدهم، والحاجة إنعام إلى البنك الذي ورد اسمه في إيصال الإيداع.
كان المبنى قديمًا، لكنه ما زال يحتفظ بسجلاته منذ عشرات السنين.
استقبلهم مدير الفرع بنفسه، وبعد مراجعة المستندات، قال:
— بالفعل… يوجد صندوق أمانات باسم الأستاذ سليم المنصوري، لكنه لا يُفتح إلا بحضور صاحب الصندوق والمفتاح الأصلي.
أخرج سليم المفتاح الذي كان داخل الحقيبة، وسلّمه للمدير.
بعد دقائق، وقف الجميع أمام الصندوق المعدني.
أدخله سليم في القفل…
ودار المفتاح بصعوبة.
انفتح الباب ببطء.
لكن الصندوق لم يكن مليئًا بالمال أو المجوهرات كما توقعوا.
كان بداخله دفتر مذكرات أسود، وفلاشة صغيرة، وعقد تأسيس قديم للشركة، ورسالة مغلقة.
فتح سليم الرسالة أولًا.
كان الخط خط والده.
قرأ بصوت متأثر:
“إذا وصلتكم هذه الرسالة، فاعلموا أنني اكتشفت خيانة داخل العائلة. لذلك قررت نقل معظم أسهم الشركة إلى حفيدتي الأولى فور بلوغها الثامنة والعشرين، حفاظًا على إرث العائلة.”
توقفت أنفاس الجميع.
همس أدهم:
— حفيدتي الأولى…
نظر الجميع إلى فيروز.
فقد كانت على وشك إتمام عامها الثامن والعشرين خلال أشهر قليلة.
فتحوا عقد التأسيس.
وكانت المفاجأة أن هناك بندًا قانونيًا ينص على أنه إذا ثبتت خيانة أحد الورثة أو استيلاؤه على الشركة بطرق غير مشروعة، فإن ملكيته تُلغى، وتنتقل الحصص إلى الوريث الشرعي التالي.
ساد الصمت.
ثم قال مدير البنك:
— لو المستندات دي ثبتت صحتها أمام المحكمة… هيبقى لازم إعادة توزيع ملكية المجموعة بالكامل.
لكن بينما كانوا يستعدون للمغادرة، دوى انفجار قوي في الطابق الأرضي للبنك.
اهتز المبنى.
وانقطعت الكهرباء.
تعالت صرخات العملاء.
أمسك أدهم بيد فيروز وهو يقول:
— انزلي ورايا بسرعة!
خرجوا بصعوبة من غرفة الأمانات.
وفي الخارج، كانت النيران تشتعل في إحدى السيارات.
وصلت سيارات الإسعاف والإطفاء خلال دقائق.
وبين الفوضى، لاحظ سليم شيئًا غريبًا.
كانت الفلاشة التي كانت داخل الصندوق… قد اختفت.
نظر إلى أدهم بقلق وقال:
— حد سرقها.
في اللحظة نفسها، ظهر رجل يرتدي قبعة سوداء بين الزحام، ولوّح بالفلاشة قبل أن يستقل دراجة نارية ويختفي.
صرخت فيروز:
— الفلاشة!
انطلق أدهم خلفه بسيارته، بينما وقف سليم يراقب المشهد وهو يدرك أن الحقيقة لم تعد محفوظة داخل الأوراق فقط…
بل أصبحت في يد شخص مستعد لفعل أي شيء مقابل إخفائها.
يتبع…اندفع أدهم بسيارته خلف الدراجة النارية، بينما كانت فيروز تجلس إلى جواره، تحاول ألا تفقد أثرها.
انعطف سائق الدراجة إلى أحد الشوارع الجانبية الضيقة.
قالت والدموع في عينيها:
— يمكن ما كنتيش أمي بالدم… لكنك كنتِ أمي بالقلب. وكل اللي وصلتله النهارده… كان بفضلك.
ثم وضعت يدها على بطنها، وابتسمت.
فقد قررت أن تمنح طفلها الحياة، وأن تبدأ معه صفحة جديدة، بعيدًا عن أسرار الماضي.
تمت.يمكننا بالتأكيد مواصلة القصة، لكن بما أن الجزء السابق انتهى بعبارة “تمت” فسأبدأ فصلًا جديدًا يكمل الأحداث بعد النهاية.
الفصل الجديد: بعد عام واحد
مر عام كامل…
استعادت مجموعة المنصوري مكانتها، وأصبحت فيروز عضوًا في مجلس الإدارة، لكنها لم تتخلَّ يومًا عن بساطتها.
أما طفلها…
فقد وُلد بصحة جيدة، وأطلقت عليه اسم آدم، تيمنًا بوالدتها أمينة التي كانت تقول دائمًا:
“كل طفل بداية جديدة.”
ورغم هدوء الحياة، بقي سؤال واحد بلا إجابة…
من هو والد آدم؟
في صباح أحد الأيام، وصل إلى فيروز ظرف أبيض دون اسم مرسل.
فتحت الظرف بحذر.
كان بداخله تقرير حديث لتحليل الحمض النووي (DNA).
لم تكن هي من طلبته.
ارتجفت يداها وهي تقرأ النتيجة.
وجاء في السطر الأخير:
“النتيجة تؤكد أن أدهم المنصوري ليس والد الطفل.”
شعرت بارتياح ممزوج بالحيرة.
إذا لم يكن أدهم…
فمن أرسل التحليل؟ ولماذا الآن؟
وفي أسفل التقرير وجدت ورقة صغيرة كُتب عليها:
“ابحثي في غرفة 312 بمستشفى النور… الحقيقة بدأت هناك.”
في اليوم نفسه، ذهبت فيروز إلى المستشفى.
استقبلتها ممرضة مسنة، وما إن سمعت اسمها حتى تغير لون وجهها.
همست:
— كنت مستنياكي من سنة.
أخرجت من درج مكتبها ملفًا طبيًا قديمًا.
وقالت:
— الليلة اللي فقدتي فيها وعيك… دخلتي المستشفى فعلًا.
فتحت فيروز الملف بسرعة.
ثم شهقت.
كانت هناك ملاحظة كتبها طبيب المناوبة:
“المريضة وصلت فاقدة الوعي، وبرفقتها شخص مجهول رفض الإفصاح عن هويته، ثم اختفى قبل وصول الشرطة.”
وقبل أن تسأل عن اسمه…
قالت الممرضة:
— لكنه نسي حاجة.
وأخرجت ساعة يد رجالية قديمة محفوظة داخل كيس الأدلة.
تجمدت فيروز عندما رأت الحروف المحفورة على ظهرها:
“ك.س.”
لم يكن الاسم أدهم…
ولم يكن سليم…
بل اسمًا جديدًا تمامًا، سيقودها إلى لغز أخطر مما واجهته من قبل.
يتبع…الفصل التالي






