زعيم المافيا

ثم لأول مرة، اختفت السخرية من صوته.
“أنا عايز أعرف إيه المادة دي.”
ماجد أشار لأحد رجاله.
“هات اللي طلبه.”
الرجل خرج بسرعة.
بعد دقائق، كانت العينة في أنبوب معقم.
لكن المشكلة لم تكن في المادة وحدها.
كانت في شيء آخر.
الدكتور شريف بدأ يفحص الخيط تحت المجهر المحمول الموجود في حقيبته.
وبعد أقل من دقيقة…
رفع رأسه ببطء.
“الخيط ده مش جراحي.”
سلمى ما قالتش حاجة.
ماجد قال:
“قلت لك.”
الدكتور هز رأسه.
“لا.”
ثم نظر إلى الخيط مرة أخرى.
“أنا أقصد إنه مش مجرد خيط غير طبي.”
سكت.
“الخيط ده معمول بطريقة متعمدة عشان يحتفظ بالمواد داخله.”
ماجد ضيق عينيه.
“يعني إيه؟”
الدكتور أشار إلى الألياف.
“حد صممه أو عدله.”
الغرفة أصبحت باردة فجأة.
آدم، رغم أنه شبه فاقد للوعي، فتح عينيه.
“مين؟”
صوته كان ضعيفًا.
لكن الكلمة وحدها جعلت ماجد يلتفت إليه.
“باشا.”
آدم حاول يتحرك.
تأوه من الألم.
سلمى تقدمت خطوة.
“ماتتحركش.”
آدم بص لها.
ثواني مرت.
ثم قال:
“إنتِ اسمك إيه؟”
“سلمى.”
“سلمى إيه؟”
ترددت.
“سلمى ناصر.”
آدم أغلق عينيه للحظة.
“كويس.”
ثم فتحهما.
“متنسيش الاسم ده يا ماجد.”
ماجد فهم.
“حاضر.”
سلمى شعرت بقشعريرة.
هي لم تكن تعرف ماذا يقصد.
لكنها عرفت شيئًا واحدًا.
من اللحظة دي…
حياتها القديمة انتهت.
—
بعد ساعة…
وصلت نتيجة التحليل الأولي.
الدكتور شريف كان واقفًا أمام شاشة الكمبيوتر.
وجهه فقد كل ألوانه.
ماجد دخل عليه.
“اتكلم.”
الدكتور لم يرد.
“قلت اتكلم.”
الدكتور رفع عينيه.
“المادة اللي كانت في الخيط مش سم عادي.”
“إيه يعني؟”
“مركب كيميائي صناعي.”
أخذ نفسًا.
“مصمم إنه يسبب تلفًا تدريجيًا للأنسجة.”
ماجد حدق فيه.
“يعني حد حط السم في الغرز.”
“بالضبط.”
“مين الجراح اللي قفل الجرح أول مرة؟”
الدكتور فتح الملف.
“الدكتور فؤاد رشدي.”
ماجد سكت.
ثم أخرج هاتفه.
“فينه؟”
الدكتور قال:
“اختفى.”
توقف إصبع ماجد فوق شاشة الهاتف.
“إمتى؟”
“من يومين.”
“وآخر مرة شوهد فيها؟”
الدكتور تردد.
“في المطار.”
ماجد رفع عينيه.
“أي مطار؟”
“مطار القاهرة.”
سادت لحظة صمت.
ثم رن هاتف ماجد.
رد فورًا.
“قول.”
جاءه صوت أحد رجاله من الطرف الآخر.
“يا ماجد بيه… عندنا مشكلة.”
“إيه؟”
“الدكتور فؤاد مش هو الوحيد اللي اختفى.”
ماجد اعتدل.
“مين كمان؟”
“اتنين من الجراحين اللي كانوا هنا قبل كده.”
ماجد لم يتكلم.
“وفي حاجة تانية.”
“قول.”
“فتشنا العربية بتاعة الدكتور فؤاد.”
“ولقينا إيه؟”
الرجل سكت ثانيتين.
ثم قال:
“لقينا صندوق صغير.”
“جواه إيه؟”
“خيوط سوداء.”
ماجد أغلق عينيه.
ثم قال:
“هات الصندوق للقصر.”
—
في نفس الوقت…
كانت سلمى في الحمام الصغير الموجود بجوار المكتبة.
بتغسل إيديها للمرة العاشرة.
لكن الدم لم يكن المشكلة.
كانت تحاول تستوعب اللي حصل.
هي، بنت الخادمة.
لمست زعيم المافيا.
قطعت غرز جراحية.
أنقذت حياته.
والآن…
كل رجال القصر يعرفون اسمها.
خرجت من الحمام.
لكنها توقفت فورًا.
كان هناك رجلان واقفان أمام الباب.
أحدهما قال:
“ماجد بيه عايزك.”
قلبها وقع.
“ليه؟”
الرجل لم يرد.
“أنا عملت اللي طلبه مني الدكتور.”
قالت بتوتر.
“لو في مشكلة—”
الرجل قاطعها.
“مش مشكلة.”
ثم فتح لها الطريق.
“بس من دلوقتي، محدش هيسمح لك تخرجي من القصر.”
سلمى تجمدت.
“إيه؟”
الرجل قالها ببرود:
“أوامر آدم الفاروق.”
—
دخلت سلمى المكتبة.
كانت الغرفة مختلفة تمامًا.
قبل ساعات كانت مليانة أطباء.
دلوقتي…
كان فيها رجال مسلحون.
ماجد واقف بجانب المكتب.
والدكتور شريف أمام شاشة الكمبيوتر.
وآدم ما زال على السرير.
لكن عينيه كانتا مفتوحتين.
وأكثر وعيًا.
أشار آدم لسلمى.
“اقربي.”
سلمى تقدمت ببطء.
“نعم؟”
“اقفلي الباب.”
قفلت الباب.
آدم نظر لماجد.
“وريني الصندوق.”
ماجد وضع صندوقًا معدنيًا صغيرًا فوق المكتب.
فتحه.
ظهرت عشرات البكرات الصغيرة من الخيط الأسود.
سلمى قربت.
وشعرت بنفس الرائحة.
اللوز المر.
والنحاس.
لكن هذه المرة…
لاحظت شيئًا آخر.
مدت يدها.
“ممكن؟”
ماجد لم يرد.
آدم قال:
“خليها تشوف.”
سلمى أخذت إحدى البكرات.
قلبتها بين أصابعها.
ثم توقفت.
كانت هناك علامة صغيرة جدًا محفورة على جانب البكرة.
حرفان.
AF.
سلمى همست:
“دي مش علامة مصنع.”
الدكتور شريف قرب.
“إزاي عرفتي؟”
“لأنها مش مطبوعة.”
رفعت البكرة.
“دي محفورة بإيد.”
ماجد أخذها منها.
حدق فيها.
ثم تغير وجهه.
“آدم.”
“عارف.”
آدم كان ينظر للعلامة.








