امي منعتنا نلمس علبة الدقيق

أنا كمان عرفته.
كان وجيه.
لكن المفاجأة إنه ما كانش لوحده.
كان ماسك في إيده ظرف أبيض، وبيبتسم ابتسامة غريبة.
وبص مباشرة لعلبة الدقيق وقال
كنت عارف إنك هتلاقيها في الآخر ماعرفتش أرد عليه.
فضلت باصة لوجيه، وهو واقف قدامي بنفس الهدوء اللي كان بيستعمله زمان لما كنت أسأله عن فلوس التعويض.
مديرة الفرع قربت مني وهمست
ما تديهوش أي ورقة.
وجيه سمعها.
ابتسم وقال
الورق ده مش بتاعك يا لينا.
اتجمدت.
إزاي مش بتاعي؟
رفع الظرف الأبيض في إيده وقال
لأن والدتك وقّعت على حاجة قبل ما تموت.
قلبي وقع.
ماما؟
أيوه.
وحط الظرف على المكتب.
لكن قبل ما ألمسه، الراجل اللي كان جايب الملف البني مد إيده ومنعه.
متفتحيهوش.
وجيه ضحك بسخرية.
طبعًا عشان لو فتحته، كل حاجة هتخلص.
بصيت للرجل وسألته
إيه اللي جواه؟
قال
دليل إن والدتك حاولت تسترد حقك من سنين.
وجيه رد بسرعة
كدب.
لكن صوته ماكانش ثابت.
فتحت شنطتي وطلعت جواب ماما.
قلت
ماما كتبت إنك عملت حاجة في فلوس التعويض بتاعتي.
وجيه اتغير وشه.
لأول مرة، شفت الخوف في عينيه.
قال
أمك كانت مريضة في آخر أيامها.
صرخت
بس كانت واعية!
سكت.
ثم قرب مني وقال بصوت منخفض
لينا لو عايزة تعرفي الحقيقة، اسمعيني أنا الأول.
قلت
بعد 30 سنة؟
هز رأسه.
لأن الحقيقة اللي في دماغك ناقصة.
وبعدين بص للراجل صاحب الملف وقال
قول لها أنت ليه ما قلتلهاش إن والدتها كانت بتدفع فلوس كل شهر عشان تسكت؟
شهقت.
تسكت عن إيه؟
ماحدش رد.
رامي، اللي كنت فاكرة إنه لسه في البيت، ظهر فجأة عند باب البنك.
وكان واقف ووشه أصفر.
بصيت له وقلت
إنت جيت هنا إزاي؟
قال
لينا لازم نتكلم.
إنت كنت عارف؟
ما ردش.
كررّت
كنت عارف إن ماما مخبية الفلوس؟
رامي بص لوجيه.
وجيه بص لرامي.
وفي اللحظة دي فهمت إن الاتنين كانوا عارفين حاجة.
لكن اللي ما كنتش فاهمه
هو ليه ماما كتبت اسمي على الجواب، وخبت الحقيقة 30 سنة، واختارت بالذات علبة الدقيق؟
مديرة الفرع قفلت باب المكتب.
ثم قالت
قبل ما أي حد يتكلم لازم لينا تشوف تسجيل قديم موجود عندنا.
قلت
تسجيل إيه؟
فتحت جهاز الكمبيوتر.
ظهر تاريخ قديم جدًا.
تاريخ نفس يوم الحادثة.
ثم ضغطت تشغيل.
ظهر وجيه على الشاشة.
لكن الشخص اللي كان واقف جنبه
خلاني أحط إيدي على بوقي من الصدمة.
لأن الشخص ده كان آخر إنسان في الدنيا أتوقع أشوفه في التسجيل.
وكان السبب الحقيقي في اختفاء فلوس تعويضي من البداية ثبتُّ عيني على الشاشة، ومخي كان بيرفض يستوعب اللي شايفاه.
الشخص الواقف جنب وجيه
كان أبويا.
أبويا اللي كنت فاكرة إنه ما كانش موجود أصلًا وقت الحادثة.
أبويا اللي ماما قالتلي طول عمري إنه سافر بعدها بأيام وما رجعش.
لكن التسجيل كان واضح.
وجيه واقف قدام مكتب قديم، وأبويا جنبه.
كان فيه ظرف كبير على الترابيزة.
وجيه فتحه، وطلع منه رزم فلوس.
سمعت صوت أبويا في التسجيل
البنت لسه صغيرة مش هتفهم حاجة.
رد وجيه
وأمها؟
أبويا سكت لحظة، ثم قال
سيبها عليّا.
وقفت فجأة.
الكرسي وقع ورايا.
لأ
مديرة الفرع أوقفت التسجيل.
قلت لها بصوت
كمّليه.
قالت
الأفضل تعرفي الباقي كله مرة واحدة.
صرخت
كمّليه!
شغلت التسجيل.
ظهر وجيه وهو بيحط جزء من الفلوس في ظرف تاني.
وبعدين أبويا مد إيده له بورقة.
وجيه قرأها، وقال
لو وقّعت دي، الموضوع يخلص؟
أبويا رد
يخلص للأبد.
أنا حطيت إيدي على رأسي.
إيه الورقة دي؟
الرجل صاحب الملف قال
إقرار باستلام كامل التعويض.
بصيت له.
لكن أنا ما وقعتش.
هز رأسه.








