في محل بقالة

كان يجب أن أدرك أن هناك شيئًا غير طبيعي عندما أصرت زوجة ابني، منى، فجأة على أن ترافقنا لشراء احتياجات المنزل. فهي نادرًا ما كانت تفعل شيئًا إلا إذا كان سيعود عليها بالنفع، لكن في ذلك الصباح ظهرت بكامل أناقتها، وشعرها مصفف بعناية، وحقيبة فاخرة معلقة بذراعها. ناداني حفيدي ياسين، وكان في الثانية عشرة من عمره، من المقعد الخلفي للسيارة:
— هيا يا جدتي عزيزة، سنشتري الآيس كريم بعد ذلك!
في السبعين من عمري، كنت لا أزال أشعر بسعادة غريبة كلما أراد ياسين أن يرافقني أو يتحدث معي. فقد أصبحت تلك اللحظات نادرة.
صعدت إلى السيارة وجلست بجانبه، وتحركت بحذر بسبب آلام المفاصل.
نظرت إليّ منى من المقعد الأمامي بضيق.
وقالت بصوت منخفض:
— حاولي ألا تحرجينا هناك.
لم يسمعها ابني حسام.
أما أنا فلم أقل شيئًا.
فقد أصبح الصمت بالنسبة إليّ وسيلة للبقاء.
كلما حاولت الدفاع عن نفسي أمام منى، كان حسام يتهمني بأنني أسبب التوتر في البيت.
لذلك تعلمت أن أبتلع كل إهانة وأصمت.
وصلنا إلى أحد أكبر المتاجر في منطقتنا، وهو المكان الذي اعتدت التسوق منه لأكثر من ثلاثين عامًا.
كانت منى تسير بين الممرات وكأنها تقود جيشًا.
وعندما توقفت قليلًا أمام قسم مستلزمات الخَبز، صفقت بأصابعها وقالت:
— عزيزة، أسرعي.
نظر ياسين إليّ، لكنه ظل صامتًا.
وعند صندوق الدفع، ابتسم لنا شاب يعمل في المتجر وقال لي بلطف:
— صباح الخير يا حاجة، عاملة إيه النهارده؟
وقبل أن أجيبه، تقدمت منى بيني وبينه وقالت:
— الست دي شغالة عندنا. ما تكلمهاش.
اشتعل وجهي من شدة الإحراج.
لكن ما حدث بعدها آلمني أكثر بكثير.
ضحك حسام.
ابني نفسه، الطفل الذي ربيته وحدي بعد أن تركنا والده، أرجع رأسه إلى الخلف وضحك وكأن منى قالت أطرف نكتة في العالم.
ثم ضحك ياسين أيضًا.
وقال:
— أيوه، جدتي تقريبًا خدامة عندنا.
وقفت في مكاني عاجزة عن الكلام.
نظر الموظف إليّ بصدمة، ثم خفض عينيه ولم يعد يعرف ماذا يقول.
وعندما خرجنا، كنت أحمل عدة أكياس من المشتريات، بينما كانت منى تسير بذراعها متشابكة بذراع حسام.
ولأول مرة، رأيت بوضوح ما أصبحت عليه في نظرهم.
لم أعد أمًّا.
ولا جدة.
كنت مجرد يد عاملة مجانية.
في ذلك المساء، وبعد أن أعددت العشاء ونظفت المطبخ، جلست وحدي في الغرفة الصغيرة التي خصصتها لي منى قبل خمس سنوات.
كانت أصغر غرفة في المنزل.
عندما انتقلت منى للعيش معنا، أقنعتني بأنها وحسام يستحقان غرفة النوم الرئيسية لأنهما «يحتاجان إلى مساحة أكبر».
وافقت.
كنت أوافق دائمًا.
شيئًا فشيئًا، تخليت عن كل شيء.
قبل دخول منى إلى عائلتنا، كنت أدير مشروعًا ناجحًا لإعداد الطعام والحلويات من مطبخي.
كان الناس يحجزون وجباتي قبل موعدها بأشهر، وكانت فطائر التفاح التي أعدها مطلوبة بشدة في كل عيد.
ثم بدأت منى تشتكي من أن دخول الزبائن إلى المنزل يسبب لها الإزعاج.
ووافقها حسام.
وخلال عام واحد، أغلقت مشروعي.
بعد ذلك أصبحت طباخة المنزل، والمنظفة، ومربية الأطفال.
جلست في غرفتي الصغيرة بعد الإهانة التي تعرضت لها في المتجر، وظللت أحدق في وجهي داخل المرآة.
ثم تذكرت شيئًا.
ذهبت إلى خزانة الملابس، وأبعدت عدة معاطف، وفتحت خزينة قديمة.
في داخلها كانت هناك أوراق لا تعرف عائلتي شيئًا عنها.
كشوف حسابات بنكية.
حسابات استثمارية.
عقود ملكية عقارات.
بعد أن تركني زوجي فؤاد منذ عقود، وتركني وحدي لأربي حسام، قطعت على نفسي عهدًا ألا أصبح عاجزة ماليًا مرة أخرى.
لذلك ادخرت.
واستثمرت.
واشتريت عقارات.
وحرصت على أن تظل كل هذه الأمور سرية.
كانت الأوراق تكشف حياة لم تكلف منى نفسها عناء اكتشافها.
ثلاثة عقارات مؤجرة.
ومحفظة استثمارية كبيرة.
والأهم من ذلك كله…
كنت أملك أربعين بالمئة من المتجر نفسه الذي أهانتني فيه منى ووصفتني بالعاملة.
قبل سنوات طويلة، كان صاحب المتجر، عماد المغربي، يحتاج إلى مستثمرين لتوسيع تجارته.
قدمت له رأس المال، وأصبحت شريكة صامتة في المشروع.
لم أخبر حسام ولا منى.
فكلما اكتشفت منى أن لدي بعض المدخرات، كانت تقترح فورًا طرقًا لإنفاقها على احتياجاتها هي وأسرتها.
لذلك، مع مرور الوقت، تركت الجميع يعتقدون أنني لا أملك شيئًا.
في تلك الليلة، وأنا أحدق في أوراقي المالية، تذكرت المرأة التي كنتها ذات يوم.
مستقلة.
قادرة.
قوية.
وقررت أن ينتهي التمثيل.
بعد ثلاثة أيام، عدت من نزهة قصيرة، وسمعت منى تستضيف بعض صديقاتها في غرفة المعيشة.
كنت أصعد إلى الطابق العلوي عندما سمعت اسمي.
قالت منى:
— بصراحة، لا أعرف إلى متى سأظل أتحمل وجودها هنا. تمشي في البيت وكأنها شبح.
سألتها إحدى النساء:
— لماذا لا تضعينها في دار للمسنين؟
ضحكت منى.
— فكرت في ذلك. لكن حسام عاطفي تجاهها.
ثم خفضت صوتها وقالت:
— بالإضافة إلى أننا ننتظر لنعرف ماذا ستترك لنا في الميراث. حسام يعتقد أنها ربما لديها بعض المدخرات أو وثيقة تأمين على الحياة. سيكون من الغباء أن نخرجها من البيت قبل أن نعرف.
سألتها إحدى النساء:
— وكم تعتقدين أن عليكما الانتظار؟
تنهدت منى وقالت:
— عمرها سبعون عامًا. وللأسف، هي بصحة أفضل مما تبدو. يمكن أن تعيش عشر سنوات أخرى.
كادت ساقاي لا تحملانني.
لم يكونوا منزعجين مني فحسب.
كانوا ينتظرون موتي.
في تلك الليلة، انتقدت منى الدجاج الذي أعددته.
وقالت:
— الدجاج ناشف قليلًا.
لم يكن كذلك.
ثم أخبرني حسام بمنتهى الهدوء أنهما سيعيدان طلاء المنزل، وأن عليّ أن أنتقل مؤقتًا إلى القبو.
وأضافت منى:
— يمكنك النوم على الأريكة.
كانت أريكة القبو قديمة، وإحدى نوابضها مكسورة.
ابتسمت وقلت:
— طبعًا.
لكن شيئًا بداخلي كان قد تغير.
في صباح اليوم التالي، بينما كان الجميع نائمين، خرجت إلى وسط المدينة.
وكانت محطتي الأولى هي المتجر.
استقبلني عماد المغربي بابتسامة دافئة.
وقال:
— ماذا جاء بكِ يا عزيزة؟
قلت:
— أعتقد أنني كنت شريكة صامتة لفترة كافية.
رفع حاجبيه.
وأخبرته أنني أريد أن أصبح أكثر حضورًا في إدارة المشروع.
ابتسم وقال:
— كنت أتمنى أن أسمع منكِ هذا الكلام منذ فترة.
وقبل أن أغادر، طلبت منه اسم محامٍ جيد متخصص في شؤون التركات والممتلكات.
وفي ذلك الظهيرة، جلست أمام المحامية سارة عبد الرحمن.
بعد أن استمعت إلى كل شيء، سألتني:
— ماذا تريدين أن تغيري في وصيتك؟








