ولدت ثلاث تؤائم

ولدت ثلاث توام في سابقه خاصه في عيلتنا لكني ملحقتش افرح بيهم اتصدمت بابويا بيمد أيده وياخد واحد من ولادي وبيقولي — عندك ثلاثة أطفال، وأخوكي معندوش ولا طفل… اديه واحد وبطلي أنانية… لثواني، افتكرت إن البنج لسه مأثر عليا وإن اللي بسمعه مجرد هذيان… كنت نايمة على سرير في أوضة خاصة بالمستشفى، بطني بتوجعني بشدة من أثر العملية القيـ صرية الطارئة، وعيني تقيلة لدرجة إني بالعافية كنت قادرة أفتحها.
على بُعد خطوات مني، كانت فيه ثلاث حضانات شفافة نايمين فيها أطفالي التلاتة حديثي الولادة.
ثلاث معجزات صغيرة جم للدنيا قبل ميعادهم، عياطهم ضعيف ونَفَسهم متعب… لكنهم كانوا عايشين.
ثلاث أرواح أنا وجوزي استنيناهم سنين طويلة.
وقدامي، كان أبويا واقف عاقد دراعاته وبيتكلم عن واحد من ولادي كأنه حاجة زيادة ممكن أديها لحد!
كان عندي اتنين وتلاتين سنة، ومتجوزة من سبع سنين.
جوزي كان راجل هادي وصبور، من النوع اللي مش بيوعدك بالقمر والنجوم، لكنه ممكن يقوم الساعة تلاتة الفجر يجيبلك مية أو دوا أو أي حاجة تحتاجيها من غير ما يشتكي.
ولما الدكاترة قالولنا إني حامل في تلات توائم، جوزي خرج من العيادة وقعد في العربية وعيط من الفرحة.
وبعدها بدأ يجهز لكل حاجة…يقيس مساحة البيت، ويدور على عربية أطفال تناسب التلاتة، ويجهز الأوضة اللي كنا بنستخدمها مكتب علشان تبقى أوضة ولادنا.
لكن عيلتي ما استقبلتش الخبر بنفس الفرحة.
أمي كانت دايمًا تقول كلام شكله خوف عليا، لكن وراه معنى تاني:
— تلات أطفال حمل كبير يا بنتي… إنتِ مش عارفة داخلة على إيه.
أما أبويا، فكان راجل متعود إن كلمته هي اللي تمشي.
في بيته محدش بيناقش.
الكل بينفذ.
وأخويا الأصغر كان بقاله خمس سنين بيحاول يخلف هو ومراته.
لفوا على دكاترة، وجربوا علاجات كتير، ودعوا ربنا سنين، وكل تجمع عائلي تقريبًا كان فيه لحظة صمت مؤلمة لما حد يفتح سيرة الأطفال.
كنت مقدرة وجعهم.
وعلشان كده سكتّ عن تعليقات كتير كان المفروض أوقفها من البداية.
مرة مرات أخويا بصت لصور السونار وقالت:
— غريبة الدنيا… ناس ربنا يديها أطفال زيادة، وناس تتمنى طفل واحد ومتاخدوش.
جوزي سمعها، وشفت فكه اتشد من الغضب.
لكني غيرت الموضوع.
كنت فاكرة إنها مجرد غيرة بسبب الوجع.
مكنتش أعرف إن الموضوع أكبر بكتير.
كل حاجة اتعقدت في الشهر التامن من الحمل.
جوزي جاله اتصال ضروري من شغله، وكان لازم يسافر لمدة تلات أيام علشان يخلص شغل مهم جدًا.
رفض في البداية.
وهو بيطبق بطانية صغيرة للأطفال قال لي:
— ألغي السفر وخلاص.
مسحت على بطني الكبيرة وقلتله:
— لأ، روح. لسه قدامنا كام أسبوع، وماما قريبة مني. لو حصل أي حاجة هكلمها.
قبل ما يسافر، اتصلت بأمي.
— ماما، خلي موبايلك جنبك اليومين دول. جوزي هيكون مسافر تلات أيام.
قالتلي:
— حاضر يا بنتي، متقلقيش.
لكن بعد ليلتين، حوالي الساعة اتنين الفجر، صحيت على وجع قطع نفسي.
وبعده وجع تاني.
وبعدين تالت.
وفجأة حسيت إن المية نزلت.
الخوف ضرب قلبي.
مسكت الموبايل بإيد بتترعش واتصلت بأمي.
— ماما… أنا حاسة إن الولادة بدأت. بطني بتوجعني جدًا. ممكن تيجوا تاخدوني؟
سكتت بطريقة غريبة.
وبعدين قالت بصوت منخفض:
— متأكدة إنك مش مكبرة الموضوع؟
صرخت من الوجع:
— ماما، أنا مش قادرة حتى أقف!
سمعت صوت أبويا جنبها.
وبعد ثواني أخد منها التليفون.
قال بمنتهى البرود:
— لو حالة طوارئ، اتصلي بالإسعاف.
قلتله وأنا بعيط:
— بابا… أنا لوحدي.
رد:
— علشان كده فيه إسعاف. متعمليش دراما الساعة دي.
وقفل المكالمة.
فضلت أبص للموبايل وأنا مش مصدقة.
وفي الآخر اتصلت بالإسعاف وأنا منحنية من الوجع، إيد على بطني وإيد ماسكة التليفون.
ولما المسعفين حطوني في العربية، فضلت أبص ناحية أول الشارع.
كنت مستنية أشوف عربية أهلي جاية.
لكنهم مجوش.
بعد ساعات، ولادي التلاتة جم للدنيا بعملية قيصرية طارئة.
كانوا مولودين قبل ميعادهم، لكن حالتهم مستقرة.
عيطت لما سمعت صوت أول طفل.
وبعدين التاني.
وبعدين التالت.
تلات أصوات صغيرة شقّت الخوف اللي كان مالي قلبي.
جوزي كان بيتجنن من القلق وهو بعيد عني، وقدر يغير ميعاد رجوعه ووعدني إنه هيوصل بأسرع ما يمكن.
وأنا، رغم كل اللي حصل، عملت أكبر غلطة…
اتصلت بأمي وقلت لها:
— ولدت… التلاتة جم بالسلامة.
المرة دي عيلتي وصلت بسرعة جدًا.
أمي دخلت الأول، عينيها فيها دموع لكن ملامحها متوترة.
وراها أبويا.
وبعدين أخويا ومراته.
مرات أخويا راحت ناحية حضانات الأطفال مباشرة.
وقتها مكنتش فاهمة النظرة اللي في عينيها.
بعد دقائق من التمثيل والسؤال عن أوزان الأطفال وأساميهم وحالتهم، أبويا سحب كرسي وقعد جنب سريري.
وقال:
— لازم نتكلم عن أخوكي ومراته.
قلبي انقبض.
— نتكلم في إيه؟
بصلي من غير تردد وقال:
— عندك تلات أطفال. أخوكي معندوش ولا طفل. اديه واحد وبطلي أنانية.
حسيت إن الأوضة كلها اتجمدت.
بصيتله وقلت:
— ولادي مش بيتقسموا يا بابا.
مرات أخويا قربت من حضانة واحد من ولادي وقالت:
— فكري كويس. تلاتة كتير عليكي. مش هتعرفي تربيهم كلهم. إحنا نقدر نوفر لواحد منهم حياة جميلة.
حاولت أرفع نفسي من السرير رغم وجع العملية.
— ابعدي عن ابني.
رجعت خطوة وبصتلي كأن أنا اللي ظلمتها.
أخويا اتكلم أخيرًا:
— متبقيش قاسية. إنتِ عارفة إحنا عانينا قد إيه.
بصيتله وقلت:
— عارفة. وحاسة بوجعكم… بس ابني مش دوا لحزنكم.
أمي حطت إيدها على صدرها وقالت:
— يا بنتي محدش بياخد منك حاجة. الطفل هيفضل وسط العيلة.
بصيت للأربعة.
وفجأة فهمت.
الكلام ده مش فكرة جاتلهم وهما في طريقهم للمستشفى.
دول كانوا محضرين.
ومتفقين.
يمكن حتى حافظين هيقولوا إيه.
سألتهم:
— من إمتى وإنتوا مخططين لكده؟
محدش رد.
رفعت صوتي:
— من إمتى؟!
مرات أخويا بصت في الأرض وقالت بهدوء:
— من يوم ما عرفنا إنهم تلاتة.
حسيت بالغثيان.
افتكرت أسئلة أخويا الغريبة عن مصاريف الأطفال.
وافتكرت مكالمات أمي وهي بتسألني عن ترتيبات كل طفل.
وافتكرت هزار أبويا المتكرر:
— تلاتة كتير أوي عليكم.
مكنش هزار.
كانوا بيختبروني.
بصيتلهم وقلت:
— اطلعوا بره.
أبويا وقف ببطء وقال:
— إنتِ مش في حالة تسمحلك تاخدي قرارات. إنتِ لسه والدة وأعصابك تعبانة.
قلت بقوة أكبر:
— قولت اطلعوا بره.
لكنه متحركش ناحية الباب.
اتحرك ناحية حضانة ابني.
قلبي بدأ يدق بعنف.
— بابا… متلمسوش.
مد إيده جوه الحضانة.
وشال ابني الملفوف في بطانيته الصغيرة.
حسيت قلبي وقف.
— رجع ابني!
مرات أخويا فتحت دراعاتها والدموع بتلمع في عينيها.
— هاتهولي… أنا بس عايزة أشيله.
حاولت أقوم من السرير.
جرح العملية كان كأنه بيتفتح من جديد، والدنيا اسودت قدام عيني من الوجع، لكني مددت دراعاتي ناحية ابني.
أخويا وقف قدامي.
— اهدي… متبقيش هستيرية.
أبويا خد خطوة ناحية الباب والطفل بين إيديه.
صرخت:
— ابني مش هيخرج من الأوضة دي!
حاولت أمنعه.
وفي اللحظة دي، أبويا خبطني بذراعه في رأسي.
وقعت راسي على المخدة.
وسكتت الأوضة كلها.
وبعدين…
ابني بدأ يعيط.
مصرختش المرة دي.
مددت إيدي المرتعشة ناحية الزر الأحمر الموجود جنب السرير.
بصيت لأبويا في عينيه مباشرة…
وضغطت عليه.
صوت الإنذار دوي في الممر.
وفي اللحظة دي، وش أبويا اتغير.
لأول مرة شفت الخوف في عينيه.
كأنه فهم أخيرًا إن اللي عملوه طول الشهور اللي فاتت مش هيقدروا يخبوه أكتر من كده تحت كلمة:
“إحنا عيلة.”
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها…
إن ضغطتي على الزر الأحمر مش بس كانت هتنقذ ابني من إيديهم.
كانت هتكشف سرًا عيلتي كلها مخبياه عني من شهور… وسر رفضهم ييجوا ينقذوني ليلة الولادة كان جزء منه.
شكرًا إنكم وصلتوا معايا لحد هنا 🙌📖
صوت الإنذار شقّ هدوء جناح الولادة.
وفي ثواني، الباب اتفتح بعنف.
دخلت ممرضة، ووراها ممرضة تانية، وبعدهم دكتور الأطفال.
أول واحدة دخلت وقفت مكانها لما شافت المشهد.
أنا على السرير، وشي شاحب ودموعي على خدي، وأبويا واقف عند الباب شايل طفلي، وأخويا واقف بيني وبينه.
الممرضة قالت بسرعة:
— إيه اللي بيحصل هنا؟!
أشرت ناحية أبويا بإيد بتترعش.
— ابني… رجّعولي ابني.
أبويا حاول يتماسك.
— مفيش حاجة يا بنتي، إحنا أهلها. هي بس متوترة بعد العملية.
بصيت للممرضة وصرخت:
— هو أخد ابني من غير إذني وبيحاول يخرج بيه!
ملامحها اتغيرت فورًا.
قربت من أبويا ومدت إيديها.
— حضرتك سلّمني الطفل حالًا.
أبويا اتضايق.
— أنا جده.
ردت بصرامة:
— وحضرتك مش ولي أمره. سلّمني الطفل.
مرات أخويا تدخلت:
— حضرتك فاهمة غلط، إحنا كنا بس…
قاطعتها:
— لو سمحتي، محدش يتكلم.
الدكتور أخد ابني من إيد أبويا بحرص ورجعه للحضانة.
وأنا أول ما شفته رجع مكاني، جسمي كله ارتخى.
لكن الممرضة بصتلي، وبعدين بصت ناحية رأسي.
— حضرتك اتخبطتي؟
سكتّ لحظة.
أبويا سبقني:
— كانت بتحاول تقوم ووقعت.
رفعت عيني عليه.
لأول مرة في حياتي، الكذبة اللي خرجت من بقه ما خوفتنيش.
قلت:
— لأ.
الأوضة سكتت.
— أبويا خبطني بذراعه لما حاولت أمنعه ياخد ابني.
أمي شهقت:
— يا بنتي! إنتِ هتكبري الموضوع ليه؟
بصيتلها.
— أنا بكبر الموضوع؟
ثم أشرت ناحية الحضانات.
— دول ولادي.
مرات أخويا بدأت تعيط.
— إحنا مش حرامية!
الممرضة ضغطت زر في جهاز صغير متعلق في زيها.
وقالت جملة خلت وش أبويا يتغير:
— الأمن في الطريق.
أبويا انفجر:
— أمن إيه؟! إحنا عيلة!
ردت الممرضة:
— والمستشفى عنده إجراءات لحماية الأطفال، سواء الشخص قريب أو غريب.
بعد أقل من دقيقة، دخل فردين أمن.
أبويا بدأ يعلي صوته.
وأخويا حاول يشرح.
وأمي فضلت تقول:
— حصل سوء تفاهم.
لكن أنا كنت ببص لأولادي.
واحد.
اتنين.
تلاتة.
كلهم قدامي.
كلهم ليا ولأبوهم.
محدش هياخد واحد منهم علشان “يزن العيلة”.
وقبل ما الأمن يخرجهم، الممرضة الكبيرة قربت مني وقالت:
— تحبي نمنع دخولهم ليكي وللأطفال نهائيًا؟
بصيت ناحية أمي.
كانت مستنياني أضعف.
ناحية أخويا.
كان غاضب كأنه صاحب حق.
ناحية مراته.
كانت بتبص لطفلي اللي أبويا كان شايله بطريقة غريبة… نظرة أم فقدت طفلها، مش ست كانت بتطلب طفل حد من خمس دقايق.
وقلت:
— أيوه.
أبويا صرخ:
— هتطردي أبوكي؟!
بصيتله وقلت:
— أنا بحمي ولادي.
وقبل ما الباب يتقفل، قال جملة ما فهمتش معناها وقتها:
— هتندمي لما تعرفي إحنا عملنا ده ليه.
اتقفل الباب.
وبعدها بثواني، دخلت ممرضة تانية وهي ماسكة ملف.
بصت للحضانات.
ثم بصتلي.
وقالت بتردد:
— مدام… محتاجة أسألك سؤال غريب شوية.
— اسألي.
فتحت الملف.
— حضرتك أو جوزك طلبتوا قبل الولادة إن واحد من الأطفال يتسجل تحت بيانات مختلفة؟
اتجمد الدم في عروقي.
— إيه؟!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
الممرضة قربت بالملف. — فيه طلب اتقدم من كام أسبوع بخصوص الطفل الثالث. قلت وأنا مش فاهمة: — طلب إيه؟ بصت للورق. — طلب مبدئي لإضافة شخصين كجهة رعاية محتملة للطفل بعد الولادة. قلبي بدأ يخبط. — مين الشخصين؟ اترددت. وبعدين قالت اسمي أخويا ومراته. حسيت إني مش سامعة كويس. — مستحيل.
— علشان كده بسألك. الورقة موجود فيها اسمك.
مدت الملف ناحيتي.
بصيت.
اسمي كامل.
رقمي القومي.
بيانات حملي.
اسم جوزي.
وتحتهم…
توقيع.
توقيع شبه توقيعي.
لكن مش توقيعي.
قلت:
— أنا عمري ما مضيت الورقة دي.
الممرضة سحبت نفسًا طويلًا.
— كنت متوقعة تقولي كده.
— ليه؟
قلبت الصفحة.
— لأننا لاحظنا اختلافًا في التوقيع عن توقيعات الموافقات الطبية اللي مضيتيها وقت الدخول.
برد سرى في جسمي.
وفجأة افتكرت.
قبل شهرين، أمي كانت عندي.
قالتلي وقتها إن فيه أوراق تأمين للمستشفى محتاجة صورة بطاقتي وبعض البيانات.
أنا ما سألتش كتير.
دي أمي.
اديتها صورة البطاقة.
وبعدها بأسبوع، أبويا طلب مني أمضي ورقتين وقال إنهم متعلقين بإجراء مالي كان بيخلصه باسمي من زمان.
وقتها جوزي اتضايق.
وقال:
— متوقعيش حاجة من غير ما تقريها.
زعلت منه.
قلتله:
— ده أبويا.
دلوقتي الجملة دي رجعت تضربني في دماغي.
“ده أبويا.”
همست:
— يا نهار أبيض…
الممرضة قالت:
— فيه حاجة تانية.
— إيه؟
— الطلب اترفض.
تنفست.
لكنها كملت:
— وبعد الرفض، حد اتصل بالمستشفى أكتر من مرة يسأل: إيه الإجراءات لو الأم وافقت بعد الولادة مباشرة؟
غمضت عيني.
— مين؟
قالت:
— ست قالت إنها والدتك.
فتحت عيني بسرعة.
وفي اللحظة دي، فهمت جزءًا من الصورة.
لكن الجزء الأبشع لسه ناقص.
سألت:
— وليه رفضوا ييجوا ياخدوني ليلة الولادة؟
الممرضة ماعرفتش تجاوب.
لكن الإجابة جت بعد حوالي ساعة.
لما الباب اتفتح…
وجوزي دخل.
كان لسه بملابس السفر.
وشه مرهق.
نفسه مقطوع.
وأول ما شافني، جري عليا.
حضني بحذر وهو بيقول:
— أنا آسف… آسف إني سبتك.
عيطت في حضنه.
— متعتذرش… إنت مكنتش تعرف.
بعدها بص لأولاده.
ولما شاف التلات حضانات، دموعه نزلت.
— دول… كلهم كويسين؟
هزيت راسي.
— الحمد لله.
قرب منهم، وحط إيده على زجاج أول حضانة.
— بابا جه.
كنت هعيط من جديد.
لكن بعدها قلت:
— لازم أقولك حاجة.
حكيتله كل شيء.
طلب أبويا.
محاولة أخد الطفل.
الخبطة.
الورقة.
التوقيع.
وكل ما كنت بتكلم، ملامحه كانت بتتغير.
لحد ما قلت:
— وفي حاجة مش فاهمها. هما ليه رفضوا ييجوا ياخدوني وأنا بولد؟
جوزي لف ناحيتي ببطء.
— لأنهم كانوا عارفين إني مش موجود.
— طبيعي، أنا قلت لماما.
— لأ.
قرب مني.
— أقصد إنهم كانوا عارفين بالضبط إمتى هسافر.
— ما أنا قلت…
قاطعني:
— إنتِ مقولتيش لأخوكي أنا مسافر فين، صح؟
— لأ.
— ولا اسم الشركة اللي كنت رايح أقابلها؟
— لأ.
طلع موبايله.
فتح رسالة.
وحطه قدامي.
كانت من رقم أخويا.
قبل سفري بيوم.
“مبروك على صفقة الإسكندرية. رحلة موفقة.”
بصيت لجوزي.
— هو عرف منين؟
قال:
— السؤال الأهم…
وسكت.
— إيه؟
بصلي في عيني.
— مين اللي أصر إن الاجتماع يتحدد في التلات أيام دول؟
قلبي وقع.
— مين؟
رد:
— أبوكي.
فضلت أبص لجوزي كأني مستنية يقول إنه بيهزر.
— بابا؟
هز راسه.
— الشركة اللي كنت رايح أقابلها فيها واحد شريك قديم لأبوكي. هو اللي رشحني للمشروع من الأساس.
— وإنت مقولتليش ليه؟
— لأن مكنش فيه سبب أشك. اعتبرتها مساعدة منه.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— بس بعد اللي حصل… الموضوع مبقاش طبيعي.
بدأنا نراجع التواريخ.
موعد سفري اتحدد قبلها بأسبوعين.
في نفس الأسبوع، أمي بدأت تسألني أسئلة غريبة:
“الدكتور متوقع الولادة إمتى؟”
“لو حصلت ولادة فجأة وجوزك مش موجود مين هيدخل معاكي؟”
“الأطفال هيتنقلوا حضانات؟”
وقتها حسبتها أسئلة أم خايفة على بنتها.
لكن دلوقتي كل سؤال كان شكله مختلف.
في اليوم التالي، إدارة المستشفى طلبت مني إفادة رسمية عن اللي حصل.
جوزي قال:
— هنبلغ رسمي.
ترددت.
مش علشان أبويا.
لكن علشان أمي.
أخويا.
العيلة.
الكلام.
الفضايح.
جوزي فهم ترددي.
قعد جنبي وقال:
— بصيلي.
بصيتله.
— لو سكتنا النهارده، بكرة ممكن يحاولوا تاني. أنا مش هسيب ولادنا يعيشوا وهم معرضين إن حد يعتبر واحد فيهم حق مكتسب.
كانت دي اللحظة اللي حسمتني.
قلت:
— بلغ.
وبدأ التحقيق الداخلي في المستشفى.
وبعد مراجعة الأوراق، اكتشفوا حاجة أخطر.
الطلب اللي اتقدم باسمنا ماكانش مجرد استفسار.
كان معاه مستند بيقول إننا “مبدئيًا غير قادرين على رعاية ثلاثة أطفال بسبب ظروف مالية وصحية”.
صرخت:
— ظروف مالية إيه؟!
جوزي أخد الورقة.
قرأها.
وشه احمر.
— هما بيجهزوا قصة كاملة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في خانة المرفقات.
كان فيه تقرير طبي عن حالتي النفسية.
مكتوب فيه إني عانيت خلال الحمل من “نوبات اضطراب وانفعال شديد”، وإن قدرتي على اتخاذ قرارات بعد الولادة قد تكون “متأثرة”.
أنا عمري ما رحت لطبيب نفسي.
وعمري ما اتشخصت بحاجة زي دي.
سألت:
— مين كتب التقرير؟
الموظفة قالت:
— اسم طبيب موجود عليه.
جوزي بحث عنه.
وسكت.
— تعرفه؟
رفع عينه.
— ده الدكتور اللي مرات أخوكي كانت بتتعالج عنده.
وقتها فهمت ليه أبويا قال:
“إنتِ مش في حالة تسمحلك تاخدي قرارات.”
مكنش بيحاول يهدي الموقف.
كان بيكرر الجملة اللي مجهزينها من شهور.
لو قاومت…
يقولوا متوترة.
لو صرخت…
يقولوا غير مستقرة.
لو رفضت…
يقولوا البنج مأثر عليها.
كل حاجة كانت متحضرة.
لكن فضل سؤال واحد.
ليه كانوا واثقين إني هولد وأنا لوحدي؟
الإجابة جت لما رجعنا لتسجيل مكالمتي مع أمي.
أنا كنت فاكرة إن المكالمة عادية.
لكن شركة الاتصالات أثبتت إن بعد مكالمتي مباشرة، أمي عملت اتصال.
مش بالإسعاف.
ولا بأخويا.
اتصلت بمرات أخويا.
مدة المكالمة كانت سبع دقايق.
وبعدها بدقيقة…
أخويا اتصل بأبويا.
يعني وهما عارفين إني لوحدي، والمية نزلت، وبتلوى من الألم…
بدل ما ييجوا ينقذوني…
اتجمعوا يتكلموا.
جوزي قال بغضب:
— كانوا مستنيينك توصلي المستشفى لوحدك.
هززت راسي.
لكن كان فيه حاجة أسوأ بتتكون في دماغي.
قلت:
— لأ.
— إيه؟
— هما مكانوش مستنييني أوصل المستشفى لوحدي بس.
بصيت ناحية أطفالي.
— كانوا مستنيين إني أولد وأنا منهارة… من غيرك… علشان أبقى أضعف وقت ممكن.
وفي اللحظة دي، موبايل جوزي رن.
رقم أبويا.
جوزي رفض المكالمة.
بعد ثواني وصلت رسالة صوتية.
شغلناها.
صوت أبويا خرج هادي بشكل مرعب:
— قول لمراتك تبطل اللي بتعمله. لو الورق ده اتفتح رسمي، حاجات كتير هتطلع للنور… وحاجات تخص ولادكم نفسهم. وهي مش هتستحمل تعرف الحقيقة.
أنا وجوزي بصينا لبعض.
ولأول مرة…
الخوف اللي حسيت بيه مكنش من إنهم ياخدوا واحد من ولادي.
كان من السؤال اللي خرج من بقي بصوت ضعيف:
— حقيقة إيه اللي تخص ولادي؟
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








