رجعت من المانيا

وإنهم مش هيفضلوا في البيت طول الوقت ونوال قالت لها وإحنا هنروح منين؟ فقالت لها من الحساب يا ماما عمر أصلًا بيبعت فلوس كتير ومش هيفرق معاه وكان أول خطأ حقيقي حصل يومها إن نوال وافقت وبعدها بدأت المصروفات تتسحب من الحساب واحدة وراء التانية لكن المصيبة الأكبر إن مريم نفسها كانت بتطلب حاجات بسيطة وتسمع ردود غريبة من نوال لما تقول لها ماما محتاجة لبن قالت لها بكرة ولما تقول لها محتاجة دوا قالت لها عمر لسه محولش ولما مريم كانت تفتح التلاجة وتلاقيها ناقصة كانت نوال تقول لها ماتكبريش الموضوع أنتِ بتاكلي قليل أصلًا وبعد الولادة الموضوع بقى أسوأ لأن مريم كانت محتاجة أكل كويس وراحة وعناية لكن نوال كانت بتعاملها كأنها عبء وكان عمر كل ما يتصل يسأل مريم أكلتي؟ فتقول له آه
وأنا كويسة وكانت نوال موجودة جنبها أحيانًا وتبصلها بنظرة تخلي مريم تسكت لأنها كانت بتقول لها عمر عنده شغل ومش ناقص مشاكل ولما مريم اشتكت مرة إنها تعبانة جدًا قالت لها ماتفضليش تشتكي لجوزك وهو في ألمانيا عشان مايقلقش وكان عمر في الحقيقة بيعيش أسوأ ساعات يومه خوفًا عليها لأنه بعيد عنها ومش قادر يكون جنبها وعشان كده لما الفيديو الأخير وصله منها وهي ساكتة ووشها شاحب قرر فجأة يرجع بدري وكان الفيديو بسيط جدًا مريم كانت قاعدة على طرف السرير وليان بتتحرك جوا بطنها فقال لها عمر إيه يا أم ليان؟ ساكتة ليه؟ فقالت له تعبانة شوية فقال لها طيب نامي وأنا هكلمك بكرة لكنها قبل ما تقفل الكاميرا بصت بعيد كأنها كانت عايزة تقول حاجة وبعدها قالت له عمر؟ قال لها نعم؟ قالت له
ولا حاجة وبعدين قفلت المكالمة وعمر فضل يبص للشاشة بعد ما المكالمة انتهت وكان عنده إحساس غريب جدًا إن فيه حاجة مش طبيعية وفي صباح اليوم التالي غير كل ترتيباته وحجز أول رحلة إلى مدريد ولما وصل المطار ماقالش لأي حد إنه رجع حتى مريم نفسها وكان شايل شنطته بنفسه ورافض إن أي حد من زملائه يوصله لأنه كان عايز المفاجأة كاملة وكان طول الطريق من المطار بيبتسم ويتخيل لحظة فتح الباب ومريم تصرخ من الفرحة لكن لما وصل البيت كل التخيلات ماتت في ثانية واحدة لأن البيت كان ساكت والباب فتح بسهولة ولما دخل سمع صوت ضعيف من المطبخ فمشى ناحيته وشاف مريم قاعدة لوحدها قدام طبق النودلز البارد ولما نادالها باسمها رفعت رأسها وكأنها شافت شخصًا مستحيل يكون موجودًا وقالت عمر؟ فقال لها أنا رجعت يا مريم لكنها بدل ما تقوم بدأت تعيط وقالت له أنت رجعت ليه دلوقتي؟ السؤال ده ضربه في قلبه لأنه كان مستني تقول له أخيرًا رجعت لكن هي قالت ليه رجعت دلوقتي؟ فاقترب منها وسألها إيه اللي حصل؟ فقالت
مفيش فقال لها مفيش إيه؟ فين مامتك؟ قالت خرجت فقال لها خرجت فين؟ قالت معرفش فبص على التلاجة وفتحها وكانت شبه فاضية وسألها فين الأكل؟ فقالت معرفش ولما سألها عن الفلوس قالت له ماما كانت بتجيب حاجات وبعدين قالت إنها هتردهم ولما شاف الورقة على التلاجة وفهم إن نوال كانت بتمنعها من الاتصال بيه
الحدود رجعت الطمأنينة وفي النهاية اكتشف عمر أن بعض المفاجآت تأتي في شكل ألم لكنها أحيانًا تكون الرحمة التي لا نفهمها إلا بعد وقت طويل وأن طبق النودلز البارد الذي صدمه في أول يوم أصبح بعد سنوات مجرد ذكرى تضحك عليها العائلة كلها بينما ليان تكبر وتسمع القصة من والدها وتعرف أن أول يوم في حياتها كان اليوم الذي قرر فيه أبوها ألا يسمح لأحد أن يجعل أمها تشعر أنها وحدها مرة أخرى وأن أول حضن أخذه عمر لابنته لم يكن مجرد حضن أب لابنته الجديدة بل كان وعدًا
صامتًا بأنه سيحميها ويحمي أمها ويحمي البيت الذي كاد أن يضيع وسط ثقة زائدة وصمت طويل وفي النهاية بقيت مريم تقول لعمر كلما سافر لا تتأخر في الرجوع وكان عمر يرد عليها نفس الرد الذي قاله لها في المستشفى أنا هرجع قبل ما تحتاجيني حتى لو رجوعي هيخليني أكتشف حاجة مش مستعد لها وكانت تضحك وتقول له المرة الجاية لما ترجع فجأة هتلاقي أكل سخن في انتظارك فيقول لها مش فارق الأكل يكون إيه المهم ألاقيكم بخير وكانت تلك الجملة بالنسبة لمريم أغلى من كل الهدايا التي أحضرها من ألمانيا لأن المرأة التي جلست يومًا وحدها أمام طبق نودلز بارد لم تعد تخاف من أن تتكلم ولم يعد الرجل الذي كان يظن أن المال والعمل كافيان لحماية أسرته ينسى أن الحضور نفسه أحيانًا هو أغلى ما يمكن أن تقدمه لمن
تحب وهكذا انتهت حكاية النودلز الباردة لا باعتذار فقط ولا باسترداد أموال فقط ولا عائلية فقط لكنها انتهت بعائلة فهمت أن الثقة مسؤولية وأن القرابة لا تعطي أحدًا حق السيطرة وأن الزوجة ليست ضيفة في بيتها وأن الأم لا تملك حياة ابنتها وأن المال إذا دخل بين أفراد العائلة من غير حدود يمكن أن يحول أقرب الناس إلى غرباء وأن الحقيقة مهما كانت مؤلمة تظل أرحم من حياة كاملة مبنية على الكذب والصمت وعندما أطفأ عمر نور المطبخ في آخر الليل ونظر مرة أخيرة إلى المكان
الذي وجد فيه مريم قبل سنوات شعر لأول مرة أن ذلك اليوم لم يكن يوم انهيار بيته بل كان اليوم الذي بدأ فيه بناء البيت من جديد وعلى أساس أقوى من أي وقت مضى لأنه في ذلك اليوم لم يجد زوجته تأكل النودلز فقط بل وجد الحقيقة كاملة جالسة أمامه في طبق بارد وفهم أن إنقاذ الأسرة أحيانًا يبدأ بسؤال بسيط جدًا إنتِ كويسة؟ وأن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال قد تغير حياة كاملة وأن أجمل مفاجأة لم تكن أنه عاد قبل موعده بأربعة أيام وإنما أنه عاد في الوقت الذي كانت أسرته تحتاجه فيه أكثر من أي وقت آخر.







