قصص وروايات

اجبروني وانا حامل

قلت
إيه؟
قال
فيه قوة عسكرية وصلت.
يوسف قال بهدوء
مش قوة عسكرية.
الضابط التفت له.
إنت عرفت منين؟
يوسف قال
لأنهم مش جايين ياخدوني.
بص لي مباشرة.
هم جايين ياخدوا جنى.
سكت الجميع.
ثم سمعنا طرقات قوية جدًا على باب البيت.
ثلاث طرقات.
ثم صوت رجل من الخارج
افتحوا الباب!
الضابط رفع سلاحه.
وأنا حطيت إيدي على بطني.
لأول مرة، حسيت إن الخطر الحقيقي مش كان الصندوق…
ولا الملف…
ولا حتى سر آدم.
كان الخطر واقف دلوقتي خلف باب بيتي.
والمفاجأة الأكبر كانت إن الصوت اللي بره…
كان صوت شخص أنا أعرفه جيدًا فضلت باصة للضابط وأنا مش فاهمة.
يعني إيه كان مفروض يكون مات؟
قفل الدفتر بسرعة.
مش هنا.
لا، هنا. أنا تعبت من إن كل واحد يقولي استني.
سكت لحظة، ثم قال
الشخص اللي آدم كتب اسمه… كان قائد الوحدة اللي خدم فيها قبل سنوات.
وإيه اللي حصل له؟
اتبلغ عن وفاته أثناء مهمة خارج البلاد.
يبقى إزاي اسمه موجود في دفتر آدم؟
الضابط بص لي بجدية.
لأن آخر مرة ظهر فيها، كان بيحاول يوصل لنفس الملف اللي آدم كان بيدور عليه.
سألته
اسمه إيه؟
قال
العميد يوسف مراد.
الاسم وقع عليّ كالصاعقة.
كنت أعرفه.
مش معرفة شخصية، لكن كنت شفت اسمه في ملفات قديمة.
كان واحد من الضباط اللي آدم كان بيحترمهم جدًا.
قلت
آدم كان بيقول إنه مات.
كلنا كنا فاكرين كده.
قبل ما أتكلم، جهاز الاتصال أصدر صوتًا.
سيدي، حددنا الجهاز اللي دخل على النظام.
الضابط رد
فين؟
جاء الرد
في غرفة نوم والد جنى.
اتجمدت.
أبويا.
الضابط أمر
هاتوا حسن فورًا.
بعد دقائق، كنا رجعنا للبيت.
الجنود دخلوا أولًا.
أبويا كان واقف في الصالة، وشكله متوتر.
أمي قاعدة على الكنبة.
سارة جنبها.
رامي واقف بعيد.
الضابط قال
حسن، جهازك فين؟
أبويا رد
على المكتب.
هاتُه.
راح ناحية مكتبه.
لكن قبل ما يلمس الباب، جندي قال
محدش يتحرك.
وأشار إلى درج صغير.
الجهاز هنا.
فتحوا الدرج.
وطلعوا جهاز لابتوب صغير.
بصيت لأبويا.
ده بتاعك؟
قال
أيوه.
ليه كان متصل بالنظام العسكري؟
صرخ
أنا ماعملتش حاجة!
الضابط فتح الجهاز.
ظهرت شاشة تسجيل دخول.
لكن الحساب لم يكن باسم أبي.
كان باسم شخص آخر.
اسم جعلني أتراجع خطوة.
يوسف مراد.
سارة شهقت.
رامي قال
مستحيل.
أما أمي…
فأغمضت عينيها.
وهنا فهمت إن الموضوع أكبر بكتير مما كنت متخيلة.
بصيت لها.
إنتِ كنتِ عارفة.
فتحت عينيها ببطء.
أيوه.
من إمتى؟
قالت بصوت مكسور
من يوم ما جالك أول ظرف.
إنتِ قابلتيه؟
سكتت.
ماما!
قالت
هو اللي جه البيت.
أبويا صرخ
نادية، كفاية!
لكن الضابط أوقفه.
سيبها تتكلم.
أمي بدأت تبكي.
يوسف قال لي إن آدم كان في خطر… وإن فيه ناس بتراقبه.
سألتها
وليه ماقولتيليش؟
لأن آدم نفسه طلب مني ماقولش.
اتجمدت.
آدم طلب منك؟
هزت رأسها.
قبل ما يسافر بيومين.
بصيت للضابط.
هل ده ممكن يكون صحيح؟
قال
ممكن.
ثم فتح الدفتر مرة أخرى.
كان فيه سطر لم أنتبه له.
أشار إليه.
قرأته
أمي تعرف جزءًا من الحقيقة، لكن لا تلوميها… هي كانت تحاول حمايتي.
رفعت عيني لأمي.
لأول مرة، فهمت إن سكوتها ماكانش دليل خيانة.
كان خوفًا.
لكن لسه كان فيه سؤال واحد.
طيب يوسف فين دلوقتي؟
الضابط لم يجب.
لأن هاتفه رن.
رد.
استمع لثوانٍ.
ثم قال
تأكدوا؟
سكت.
إمتى؟
ثم أغلق المكالمة.
بص لي.
وقال
يوسف مراد ظهر على كاميرا مراقبة من أقل من عشر دقائق.
قلبي دق بعنف.
فين؟
قال
قدام البيت.
ثم أضاف
والأغرب… إنه دخل البيت قبل ما نرجع.
بصيت ناحية الباب.
الباب كان مقفول.
لكن من فوق السلم…
جاء صوت خطوات بطيئة.
خطوة.
ثم خطوة.
ثم خطوة.
الكل رفع عينيه.
وظهر رجل عند آخر السلم.
كان أكبر سنًا، لابس معطف أسود، وشعره شابَهُ الرمادي.
نظر إليّ مباشرة.
ثم قال
أخيرًا يا جنى.
اتجمدت مكاني.
هو ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال
آدم كان عارف إنك هتوصلي للحظة دي.
ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة.
ورماها على الأرض قدامي.
ودي آخر رسالة كتبها لك قبل ما يخرج لمهمته الأخيرة.
بصيت للورقة.
وكان أول سطر فيها
جنى، لو يوسف وصل لك، يبقى الوقت خلص الصوت اللي جه من ورا الباب خلّى الدم يتجمد في عروقي.
أنا أعرفه.
مستحيل أكون غلطانة.
بصيت ليوسف.
مين؟
هو ما ردش.
لكن نظراته قالت إن شكوكي في محلها.
الضابط أشار للجنود إنهم يفضلوا في أماكنهم، ثم قرب من الباب وقال
عرّف نفسك.
جاء الصوت من الخارج
المقدم سامر.
قلبي دق بعنف.
سامر.
كان واحد من الضباط اللي اشتغلوا مع آدم في آخر فترة قبل اختفائه.
لكن حسب التقارير…
كان هو نفسه الشخص اللي سلّم للقيادة التقرير الأول عن مقتل آدم.
بصيت ليوسف.
هو اللي قال إن آدم مات.
يوسف هز رأسه.
أيوه.
الضابط سأله من خلف الباب
إيه سبب وجودك هنا؟
سامر رد
عندي أمر رسمي باستلام جنى فورًا.
الضابط بص لي.
عندك نسخة من الأمر؟
سكت سامر ثواني.
ثم قال
افتح الباب وهتشوفها.
يوسف قال بهدوء
ماتفتحش.
الضابط سأله
ليه؟
يوسف أشار للورقة اللي كانت في إيدي.
لأن آدم حذرنا منه.
فتحت الورقة بسرعة.
في أسفلها كان فيه سطر ماقريتهوش قبل كده.
لو سامر ظهر، ماتروحيش معاه مهما حصل.
رفعت عيني.
هو كان عارف.
يوسف قال
كان متوقع إنه يحاول يوصل لك.
سامر طرق الباب مرة تانية.
جنى! أنا عارف إنك جوه.
سكت.
ثم قال بصوت أخفض
أنا مش جاي أؤذيك.
ضحكت بمرارة.
كل الناس اللي قالت كده النهارده طلع عندها أسرار.
ساد الصمت.
وفجأة سامر قال
آدم حي.
قلبي توقف.
بصيت ليوسف.
سامر كمل
ولو عايزة تعرفي مكانه، افتحي الباب.
يوسف صاح
كذاب!
لكن سامر رد
أنا كنت معاه بعد المهمة.
أنا قربت من الباب.
الضابط وقف قدامي.
ماتقربيش.
قلت
لو هو فعلًا يعرف مكان آدم… لازم أسمعه.
الضابط قال
ممكن يكون فخ.
سامر قال من الخارج
جنى، آدم ترك لك رسالة تانية.
إيه الرسالة؟
قال
قال إنك لو سمعتِ اسمه في أي وقت، لازم تسألي عن المحطة 17.
اتجمدت.
المحطة 17.
كلمة كان آدم بيستخدمها في كلامنا القديم لما يكون فيه شيء شديد السرية.
بصيت ليوسف.
هو يعرف.
يوسف رد
أو بيحاول يخليك تصدقي إنه يعرف.
سامر قال
أنا هديك عشر ثواني.
بدأ يعد.
عشرة…
الضابط جهز رجاله.
تسعة…
أمي كانت بتبكي.
تمانية…
سارة مسكت إيدي.
سبعة…
رامي رجع للخلف.
ستة…
يوسف بص ناحية الباب.
خمسة…
ثم فجأة…
انطفأت الأنوار مرة أخرى.
لكن المرة دي، الباب الخارجي اتفتح من تلقاء نفسه.
الجنود رفعوا أسلحتهم.
دخل رجل واحد فقط.
سامر.
كان واقفًا في المدخل، ورافع إيديه.
قال
أنا لوحدي.
الضابط صاح
على الأرض!
سامر نزل على ركبته.
تمام.
ثم بص لي.
وقال
أنا عندي دليل إن آدم حي.
أخرج من جيبه صورة.
رفعها ببطء.
الضابط أخذها أولًا.
ثم مدها لي.
أول ما شفت الصورة…
شهقت.
كانت صورة حديثة.
آدم كان واقف فيها.
لكن مش ده اللي صدمّني.
على ذراعه كان فيه سوار معدني صغير.
السوار اللي أنا بنفسي كنت حطاه له قبل آخر مهمة.
وفي ظهر الصورة كانت مكتوبة جملة بخط إيده
جنى، ماتصدقيش سامر… وماتصدقيش يوسف.
بصيت للرجلين.
واحد واقف قدامي.
والتاني واقف ورايا.
والاتنين كانوا بيقولوا إنهم بيحاولوا ينقذوني.
لكن رسالة آدم قالت بوضوح
ماتصدقيش أي واحد فيهم.
وفجأة…
هاتف سامر رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
قال
لا…
سألته
إيه؟
رفع عيني ناحيتي.
اللي كان محتجز آدم عرف إننا وصلنا له.
مين؟
سكت.
ثم قال
الشخص ده بعت رسالة.
مد لي الهاتف.
كانت الرسالة قصيرة جدًا
لو جنى عرفت الحقيقة، أبوها مش هيكون أول شخص تخسره.
حسيت بقلبي بيقبض.
بصيت ناحية أبي.
ثم ناحية أمي وسارة.
وفجأة فهمت إن اللي بيحصل ماعادش متعلق بآدم وحده.
حد بدأ يهدد عيلتي كلها لما قرأت الرسالة، حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
لو جنى عرفت الحقيقة، أبوها مش هيكون أول شخص تخسره.
رفعت عيني عن الهاتف، وبصيت لكل اللي واقفين قدامي.
المرة دي ماكانش عندي وقت للخوف.
قلت للضابط
اقفلوا البيت بالكامل.
في ثواني، الجنود انتشروا في كل مكان.
أما سامر ويوسف، فكان كل واحد

فيهم واقف بعيد عن التاني.
قلت
أنا عايزة الحقيقة. كاملة. دلوقتي.
يوسف أخذ نفسًا طويلًا.
وقال
آدم ما ماتش في المهمة.
سامر كمل
اتصاب، واتنقل لمكان آمن. لكن أثناء نقله، حصل اختراق للاتصالات، والناس اللي كانوا بيحاولوا يوصلوا للملف عرفوا مكانه.
يوسف قال
آدم كان عارف إن الملف لو وقع في إيد الشخص الغلط، أسماء ناس كتير هتظهر.
بصيت لأبي.
ومن ضمنهم أبويا.
أبي خفض رأسه.
وبعد صمت طويل قال
أنا غلطت.
كانت أول مرة أسمعه يعترف.
آدم اكتشف إن اسمي ظهر في معاملات قديمة. أنا خفت على نفسي وعلى العيلة… فخبيت جزء من المعلومات.
قلت
وخدت رسالته؟
هز رأسه.
أيوه.
والصندوق؟
أيوه.
دموعي نزلت، لكني ماانهرتش.
قلت
كنت فاكر إنك بتحمينا… لكنك حرمتني من آخر حاجة كان آدم سايبها لي.
أبي بكى.
لكن المرة دي أنا ماقدرتش أرجع الزمن.
بعد ساعات طويلة من التحقيق، ظهر الدليل الحقيقي.
الذاكرة اللي كانت في الصندوق احتوت على الملفات الأصلية.
والرسائل أثبتت إن التقرير الرسمي عن وفاة آدم كان ناقصًا.
تم فتح تحقيق عسكري كامل، وتم توقيف كل شخص ثبت تورطه في إخفاء المعلومات.
أما الشخص اللي كان بيهددنا…
فتم الوصول إليه من خلال الإشارات اللي تركها آدم في ملفه.
والأهم…
تم تحديد مكان آدم.
بعد أيام من البحث، وصلتني مكالمة من رقم عسكري.
جنى؟
صوت الرجل كان ضعيفًا.
لكنني عرفته فورًا.
آدم؟
صمت.
ثم قال
أنا هنا.
انهرت في البكاء.
مش خوف.
المرة دي كانت دموع فرحة.
إنت حي.
قال
وإنتِ؟
حطيت إيدي على بطني.
أنا وابنك مستنيينك.
ضحك للمرة الأولى منذ شهور.
كنت عارف إنك هتفضلي قوية.
بعد فترة، عاد آدم إلى البيت.
أول مكان دخله كان الجراج.
وقف وبص للأرض الخرسانية.
ثم بص لي.
إنتِ نمتي هنا؟
هزيت رأسي.
أمروني.
بص لأهلي.
ولا واحد قدر يرفع عينه في عينه.
قال بهدوء
ده بيتي وبيت جنى.
ثم أمسك إيدي.
لكن أهم من البيت… إنها كانت محتاجة حد يحميها، مش حد يطردها.
سارة انهارت في البكاء واعتذرت.
أمي اعتذرت هي كمان.
أما أبويا، فوقف قدامنا وقال
أنا خسرت ثقة بنتي… ومش هطلب منها ترجعها بسرعة.
بصيت له.
الثقة مش كلام يا بابا. دي حاجة بتتبني من جديد.
هز رأسه.
فاهم.
بعدها خرجنا من البيت.
لكن قبل ما أركب العربية، رجعت وبصيت للجراج.
المكان اللي كانوا فاكرين إنه نهايتي…
كان في الحقيقة المكان اللي بدأت فيه حياتي الجديدة.
بعد شهور، ولدت ابني.
وسميته آدم.
وفي يوم عيد ميلاده الأول، وقف أبوه شايله قدام البيت.
بص لي وقال
فاكرة اليوم اللي قالوا لك فيه إنك مش تستاهلي أوضة دافية؟
ضحكت.
فاكرة.
قال
لو كانوا يعرفوا مين إنتِ… ماكانوش قالوا كده.
ابتسمت وأنا ببص لابني.
لأن الحقيقة إنهم فعلًا ماكانوش يعرفوا.
ماكانوش يعرفوا إن الست اللي شافوها ضعيفة…
كانت أقوى مما تخيلوا.
وإن الجراج اللي حاولوا يدفنوها فيه…
كان أول مكان بدأت منه تستعيد حياتها.
أما البيت؟
ففضل باسمنا.
لكن من اليوم ده، ماعدتش أشوفه مجرد بيت.
بقى شاهد على درس عمري كله
الناس ممكن تحكم عليك من شكلك، ومن حزنك، ومن أضعف لحظة في حياتك… لكنهم مايعرفوش أبدًا القوة اللي مخبيها قلبك.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى