شاب وسيم

رفع راسه مصدّمًا:
— إحنا مش التوأم الحقيقي!
وفي نفس اللحظة، جاء صوت من خلفهم:
— أخيرًا عرفتوا.
استداروا؛ كانت امرأة عجوز تقف عند باب الأرشيف، اقتربت ببطء وقالت:
— أنا كنت الممرضة اللي كانت موجودة يوم ولادتكم.
قال الأخ:
— إنتِ عارفة حصل إيه؟
هزّت رأسها:
— أيوه.
— مين الطفل الحقيقي؟
نظرت إليهما طويلاً ثم قالت:
— واحد منكم اتبدل بطفل تاني…
وتوقفت لحظة ثم أضافت:
— لكن الطفل الثالث ما كانش طفلاً أصلاً!
تجمّد الجميع. قاليوسف:
— أمال كان مين؟
اقتربت العجوز وهمست:
— كان ابن رجل منفذ جدًا… وكان مطلوبًا من الشرطة وقتها.
ثم أخرجت صورة قديمة من حقيبتها، وعندما رأى الأخ وجه الرجل في الصورة… شعر أن الدماء انسحب من وجهه؛ لأنه كان نفس الرجل الذي ألقى القبض عليه بالأمس! والأغرب أن الصورة كانت مؤرخة قبل ولادتهم بعشرين سنة.
حدّق الأخ في الصورة وكأن عقله رفض تصديق ما تراه عيناه:
— بس… ده مستحيل!
قالت الممرضة العجوز:
— عارف إنك تقول كده، عشان كده جبت الصورة دي معايا.
أخذها يوسف من يده وقلبها على ظهر الصورة، كان مكتوبًا:
“الدكتور سامح — 1984”.
قاليوسف:
— الراجل اللي في الصورة هو نفسه اللي قبضتوا عليه امبارح؟
هزّت العجوز رأسها:
— أيوه.
سألها الأخ:
— بس إزاي شكله ما اتغيرش من 1984 لحد دلوقتي؟
تنهدت وقالت:
— لأن الصورة مش لرجل في سن الأربعين.
— أمال؟
— كانت لطفل!
تبادل الأخ ويوسف النظرات. قالت الممرضة:
— الطفل اللي في الصورة كان عمره أيام قليلة، والدكتور سامح أخده من المستشفى وقتها وسجله باسم مختلف.
قال الأخ:
— وليه؟
أجابت:
— لأن الطفل كان نتيجة تجربة طبية سرية.
سأل يوسف:
— تجربة إيه؟
قالت:
— كانوا بيحاولوا يوقفوا علامات التقدم في العمر.
ساد الصمت، ثم أضافت:
— والتجربة نجحت… جزئيًا!
تراجع الأخ خطوة:
— يعني الراجل اللي قبضتوا عليه…
— عمره الحقيقي أكبر بكثير من شكله.
ثم أفتحت العجوز ملفًا آخر، كان بداخله تقرير طبي قديم جدًا، قالت:
— لكن التجربة كان لها ثمن.
نظر الأخ إلى التقرير، كانت هناك أسماء لأشخاص اختفوا على مدار سنوات، أشخاص كلهم خضعوا لنفس العملية، وكان اسم أخيه بينهم.
شهق:
— أخويا؟
قالت:
— أخوك اكتشف الحقيقة بالصدفة، ولما حاول يفضحهم… أخدوه.
قاليوسف:
— وأنا؟
نظرت إليه العجوز طويلاً:
— إنت كنت أهم واحد في كل القصة.
— ليه؟
قالت:
— لأن دمك كان مختلف…
ثم أضافت:
— والتجربة التي كانوا بيملونها… كانت محتاجة شخصًا يحمل نفس التركيبة الجينية اللي عندك.
فجأة رنّ هاتف الأخ، كان رقمًا مجهولًا. تردد للحظة ثم أجابه؛ جاءه صوت أخيه الحقيقي:
— اسمعني كويس… ما تثقش في الممرضة!
نظر إليها؛ كانت واقفة أمامه بهدوء. قال:
— ليه؟
جاء صوت أخيه:
— لأنها كانت موجودة يوم ولادتنا…
توقف قليلاً ثم قال:
— وهي اللي بدّلتنا!
فرفع رأسه عينيه نحو العجوز، لكنها كانت أخرجت من جيبها مفتاحًا صغيرًا وقالت بهدوء:
— خلاص… عرفت راكتر من اللازم.
ثم أغلقت باب الأرشيف من الخارج، وبدأت رائحة غاز قوية تنتشر داخل الغرفة!
بدأت رائحة الغاز تنتشر بسرعة. صرخ يوسف:
— افتحوا الباب!
اندفع الأخ نحوه وضرّبه بكتفه لابن الباب، كان محكمًا. أما الممرضة فكانت تقف خلف الزجاج وتنظرا إليهم بهدوء، قالت:
— أنا آسفة… بس السر لازم يفضل مدفون.
ثم ابتعدت عن الباب.
أخرج يوسف هاتفه واتصل بالطوارئ، لكن الإشارة كانت ضعيفة.
قال الأخ:
— لازم نكسر الشباك!
أسرع الاثنان ناحية النافذة وحاولا فتحها، لكنها كانت مقفولة بإحكام. فجأة سمعوا صوت اصطدام قوي بالباب، ثم صوت رجل يصرخ:
— ابعدوا عن الباب!
تراجع الاثنان. ضربة ثانية… ثم ثالثة… وانفتح الباب بعنڤ؛ كان الزوج واقفًا أمامهم وخلفه رجال الشرطة، صرخ:
— اطلعوا بسرعة!
خرجوا من الغرفة وهم يسعلون، وألقت الشرطة القبض على الممرضة قبل أن تهرب، لكنها ظلّت تتسسمق.
الضابط:
— مين كان بيساعدك؟
لم تجب. فجأة رنّ هاتفها، أخذه الضابط؛ كانت هناك رسالة واحدة:
“المرحلة الأولى انتهت”.
نظر الضابط إلى الممرضة:
— مين بعت الرسالة؟
ابتسمت وقالت:
— أنتم فاكرين إنكم قبضتوا على الشخص اللي بيحرك كل ده؟
ثم ضحكت:
— أنتم قبضتوا على مجرد أداة في تالكل اللحظة.
خارج الأخ من غرفة التحقيق ووجد زوجة أخيه تنتظره، قالت:
— جوزي عايز يشوفك.
دخل الغرفة؛ كان أخوه جالسًا على السرير مرهقًا، لكنه حيّ. احتضنه الأخ طويلاً ثم أسأله:
— مين اللي عمل فيك كده؟
أجاب بصوت ضعيف:
— أنا ما شفتوش.
— يعني إيه؟
— كل اللي كنت ببسمعه صوته.
— قالك إيه؟
رفع أخوه عينيها إليه وقال:
— قال لي جملة واحدة قبل ما يسيبني:
— إيههي؟
ابتلع ريقه…
“أخوك مش أخوك”.
تجمّد الأخ:
— قصدك إيه؟
قال:
— اللي فاكرينه توأمك… مش أخوك الحقيقي!
نظر الأخ إلى يوسف من خلف الزجاج ثم عاد ينظر إلى أخيه:
— أمال مين يوسف؟
أغمض أخوه عينيها وقال:
— يوسف هو ابن الرجل الذي أبدأ التجربة كلها.
وقبل أن يستوعب كلامهان، انطفت أنوار المستشفى بالكامل، ثم جاء صوت إنذار، وبعد ثوانٍ ظهرت على شاشة المراقبة صورة واحدة فقط… صورة الأخ نفسه وهو طفل حديث الولادة، وتحتها جملة:
“الطفل الأصلي تم العثور عليه”.
تجمّد الأخ أمام شاشة المراقبة؛ ظليحدّق في صورته وهو طفل ثم قال:
— دي صورتي فعلاً…
اقترب يوسف منه وقال:
— إزاي ظهرت الصورة هنا؟
لم يجد أحد إجابة.
وفجأة عادت الكهرباء، اشتغلت أنوار المستشفى، لكن شاشة المراقبة بقيت تُعرّض الصورة نفسها، ثم ظهرت رسالة جديدة:
“الطفل الأصلي موجود بينكم”.
نظر الجميع إلى بعضهم. قال الأخ:
— يعني إيه «بينكم»؟
خرج الضابط مسرعًا من غرفة التحقيق:
— الممرضة اختفت!
— إيه؟!
— الكاميرات انقطعت لمدة دقيقتين، ولما رجعت… ما لقيناش أي أثر لي.
ثم أضاف:
— لكن في حاجة أخطار.
فتح هاتفه وأظهر تسجيلًا من كاميرا ظهرت الممرضة وهي تدخل غرفة الأرشيف قبل دقائق، لكنها لم تكن وحدها؛ كان معها شخص آخر، وعندماكبّر الضابط الصورة شهق الجميع: الشخص الآخر كان أخاهم الذي ظنوا أنه مات!
قال الأخ:
— مستحيل… ده كان في الغرفة!
التفتوا ناحية السرير؛ كان فارغًا، والنافذة مفتوحة، وعلى الوسادة ورقة صغيرة أخذها الأخ وقرأ:
— “لو عاوز أخوك يرجع، تعال للمكان اللي بدأت فيه الحكاية”.
وتحتها عنوان قديم للمستشفى الذي وُلدا فيها.
قاليوسف:
— أنا هأجي معاك.
لكن الأخ هزرأسها:
— لأ.
— ليه؟
— لأنهم عايزين يوصلوا لي.
نظرا إليه يوسف باستغراب:
— ليه أنا؟
أخرج الأخ الصورة القديمة من جيبه ثم قال:
— لأنهم من البداية ما كانواش بيدوروا على أخويا…
ووضع إصبعها على وجه يوسف في الصورة:
— كانوا بيدوروا عليك.
وصلوا إلى المستشفى القديم بعد منتصف الليل؛ كان المكان مهجورًا منذ سنوات. دخل الأخ وحده بينما بقي رجال الشرطة في الخارج، وفي نهاية الممر وجد بابًا حديديًا عليه رقم الغرفة:
“غرفة 13”.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




