قصص و روايات

حماتي جت تقعد معانا

— كفاية يا أمي.

اتصدمت.

قال:

— كفاية تحاولي تتكلمي مكاني.

وبصلي.

— هي فعلًا اللي بدأت موضوع رانيا. وكانت كل يوم تقولي إن سارة سيطرت عليك، وإنك بقيت غريب عن أهلك، وإن لازم يكون ليك حياة تانية.

قلت:

— وإنت طفل؟

سكت.

— حد أجبرك تكلم رانيا؟

— لأ.

— حد أجبرك تقابلها؟

— لأ.

— حد أجبرك تسكت وإنت شايف عفشي بيتشال؟

وطى راسه.

— لأ.

قلت:

— يبقى ماتحطش غلطك كله على أمك. هي عملت اللي عملته… وإنت سمحت لها.

نوال قالت:

— وأنا عملت ده كله علشان ابني!

بصيتلها.

— لأ. إنتِ عملتيه علشان ماقدرتيش تستحملي إن ابنك يبقى عنده بيت إنتِ مش صاحبته.

شهقت بغضب.

قلت:

— كنتِ بتحبي قاعدة “بيتي وقوانيني”. لكن أول ما دخلتي بيتي، قررتي إن قوانينك تمشي فيه برضه.

قالت:

— الشقة أصلًا بتاعتي!

قلت:

— ودي كانت غلطتي الوحيدة. إني عشت سنين في مكان افتكرته بيتنا، بينما إنتِ شايفاه ورقة ضغط.

أشرت للعمال.

— خدوا السفرة.

نوال .

— السفرة هتطلع؟

قلت:

— آه. فاتورتها باسمي.

— والصالون؟

— باسمي.

— الأجهزة؟

— اللي دفعت تمنه هاخده، واللي يخص أحمد هيفضل.

كل ما قطعة كانت بتطلع من الباب، وش نوال كان بيتغير.

يمكن لأنها لأول مرة فهمت إن خروج سارة من الشقة مش معناه إن سارة هتسيب حياتها كلها وراها.

بعد حوالي ساعتين، المكان بقى شبه فاضي.

وقفت في الصالة.

مكان الزرع اللي رمته نوال كان فاضي.

بصيتله ثواني.

أحمد قرب.

— ممكن فرصة أخيرة؟

قلت:

— فرصة لإيه؟

— أصلح اللي حصل.

— لو أمك ماجتش تقعد عندنا، كنت هتقولي على رانيا؟

سكت.

— لو أنا ما رجعتش بدري وشوفت عربية النقل، كنت هتقولي إن عفشي بيتشال؟

سكت.

— لو الرسالة ما ظهرتش على موبايلك، كنت هتعترف؟

سكت.

ابتسمت بحزن.

— أهو ده ردك.

طلعت مفتاح الشقة من شنطتي.

حطيته فوق الترابيزة الصغيرة الوحيدة اللي كانت لسه موجودة.

نوال قالت:

— كويس إنك عرفتي أخيرًا إن ده مش بيتك.

بصيتلها.

— عندك حق في حاجة واحدة.

ابتسمت.

— المكان اللي ممكن حد يطردني منه لما يحب… عمره ما كان بيتي فعلًا.

ومشيت.

الشهور اللي بعدها ماكنتش سهلة.

بدأت الإجراءات الرسمية لإنهاء علاقتي بأحمد وتسوية الحقوق المالية، وكل طرف قدم مستنداته بالطريق القانوني.

الورقة القديمة والإيصالات والتحويلات اللي احتفظت بيها ما خلتنيش مالكة للشقة، لكنها أثبتت إن اللي دفعته ماكانش مجرد كلام يتنسى.

والأهم إني ماوقعتش على أي تنازل تحت ضغط.

رانيا قطعت علاقتها بأحمد.

مش عشاني.

لكن لأنها اكتشفت إن بداية حياتها معاه كانت مبنية على كذبة.

أما نوال…

رجعت شقتها.

الشقة اللي اكتشفت إنها فعلًا ماكانش فيها أي تشطيب.

ولا سباك.

ولا نجار.

ولا حتى علبة دهان مفتوحة.

كل الحكاية كانت خطة علشان تدخل بيتنا من جوه.

وبعد حوالي ست شهور، حصل شيء ماكنتش متوقعاه.

أحمد طلب يقابلني للمرة الأخيرة.

وافقت في مكان عام.

كان شكله مختلف.

أهدى.

وأكبر كأنه كبر سنين في كام شهر.

قال:

— أنا ورانيا ماكملناش.

قلت:

— عرفت.

— وأمي زعلانة مني.

ما علقتش.

قال:

— بعد ما إنتِ مشيتي، بدأت أفهم حاجات كتير.

سكت شوية.

— أمي طول عمرها بتتحكم فيا، وأنا كنت بسمي ده خوف وحب. ولما إنتِ حطيتي حدود، بدل ما أحترمها، خليتها تقنعني إنك بتبعديني عنها.

قلت:

— وأنا مشيت مش علشان أمك.

رفع عينه.

— عارف.

— مشيت علشان إنت.

دمعت عينه.

— عارف.

قال:

— لو الزمن رجع…

قاطعته.

— مش بيرجع.

سكت.

وبعدين سألني:

— سامحتيني؟

فكرت شوية.

وقلت:

— أنا بطلت أصحى كل يوم غضبانة منك. لو ده اسمه مسامحة، يبقى يمكن.

ابتسم ابتسامة حزينة.

— وفي أمل؟

هزيت راسي.

— المسامحة مش معناها الرجوع.

سكت.

— أتمنالك الخير يا أحمد.

وقمت.

المرة دي…

هو ما حاولش يمنعني.

بعد سنة تقريبًا، كنت قاعدة في الجديدة.

أصغر من القديمة بكتير.

مش فخمة.

ومافيهاش سفرة كبيرة ولا صالون ضخم.

لكن عقدها كان واضح، وكل حاجة فيها اخترتها بإيدي.

وفي ركن الصالة كان فيه ثلاث زرعات جداد.

وفي النص…

حطيت نفس نوع الزرعة اللي نوال رمتها.

وأنا بسقيها، افتكرت اليوم اللي وقفت فيه قدام عربية النقل وافتكرت إن أسوأ حاجة ممكن تحصل إنهم ياخدوا عفشي.

لكن الحقيقة؟

العفش كان أهون حاجة.

اللي كان بيتشال يومها قدام عيني كان الوهم اللي عشت فيه سبع سنين.

وهم إن السكوت يحافظ على البيوت.

وإن الحدود قلة احترام.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى