قصص و روايات

جنازة عيلة طليقي

نهى قالت: — وأنتِ اللي دفعتي للدكتور!

الصالة كلها سكتت. أنا حسيت الدنيا بتلف بيا.

قلت: — دفعتيله علشان يعمل إيه؟

حماتي بدأت تعيط. — كنت عايزة أتأكد إن أي حمل يحصل يكون من كريم.

بصيتلها بعدم فهم. — يعني إيه؟

قالت: — كنت خايفة تكوني فعلًا كنتِ على علاقة بحد. فرتبت إن كل الإجراءات الطبية اللي تخص الحمل تتم تحت رقابة العيلة.

قلت: — من غير علمي؟ — أيوه. — ومن غير علم كريم؟ — أيوه.

كريم كان وشه مولع. — إنتِ اتحكمتي في حياتنا كأننا عرائس!

قالت: — أنا عارفة. — لا، إنتِ مش عارفة!

قرب منها. — عشر سنين يا ماما! وأشار للأطفال. — عشر سنين ما شفتش ولادي!

حماتي انهارت. — أنا كنت جبانة.

قلت: — والباقيين اتولدوا إزاي؟

حماتي رفعت عينها وقالت: — بعد آدم… حصلت مضاعفات.

أنا افتكرت الفترة دي. بعد ولادة آدم، كنت تعبانة جدًا. وقعدت شهور أروح وأيجي على دكاترة.

حماتي قالت: — العيادة احتفظت بعينات وأجنة محفوظة من إجراءات حصلت من غير ما تكوني فاهمة كل تفاصيلها.

قلت بصوت مخنوق: — وأنا كنت بوقع على أوراق قالولي إنها متابعة علاج.

هزت راسها. — أيوه.

كريم قال: — ومين سمح باستخدامهم بعد كده؟

حماتي سكتت.

قلت: — إنتِ.

بدأت تعيط. — كنت عايزة أحافظ على نسل ابني.

بصيتلها بصدمة. — تحافظي على نسل ابنك؟!

قربت منها. — طب وابنك نفسه؟ ماكانش من حقه يعرف؟

سكتت.

قلت: — وأنا؟ ماكانش من حقي أعرف جسمي بيتعمل فيه إيه؟

نهى قالت: — أنا قلتلك من الأول إن الموضوع هيتعقد!

حماتي صرخت فيها: — وإنتِ كنتِ عايزة إيه؟ كنتِ عايزة مريم تختفي علشان تتجوزي كريم!

نهى ردت: — وأنتِ ساعدتيني!

كريم بص لنهى. — يعني فعلًا كل ده علشاني؟

ضحكت وهي بتعيط. — أنا حبيتك من زمان.

قال: — ده مش حب.

سكتت. — اللي يحب حد ما يدمرش حياته.

نهى بصت للأرض.

حماتي قالت: — بعد ولادة التوأم، أنا خفت.

قلت: — خفتي من إيه؟ — خفت الحقيقة تظهر. — فعشان كده؟ — كنت بدفع مصاريف العيادة من بعيد.

اتسعت عيني. — إنتِ كنتِ عارفة مكاني؟

سكتت.

قلت: — إنتِ كنتِ عارفة أنا عايشة فين طول العشر سنين؟

هزت راسها.

كريم مسك راسه بإيده. أنا حسيت بحاجة جوايا اتكسرت.

قلت: — يعني كنتوا عارفين إني برَبّي ولادي لوحدي؟

قالت: — كنت ببعت مساعدات من خلال ناس.

ضحكت. — وأنا كنت فاكرة إن دي جمعيات خيرية!

نزلت عينيها.

قلت: — يا سلام.

لفيت ناحية كريم. — شايف؟

قال بصوت مبحوح: — أنا ما كنتش أعرف حاجة.

بصيتله. — عارفة. ولأول مرة قلتها من غير لوم. لأن الحقيقة بقت أوضح. هو غلط. لكن في ناس بنت حوالين غلطته سور من الكذب.

عم حسين تدخل. — فيه حاجة لازم تعرفوها.

بصينا له.

قال: — الحاج عبد الرحمن قبل ما يموت عدّل وصيته.

نهى رفعت راسها فجأة. حماتي اتجمدت.

كريم قال: — عدلها إزاي؟

عم حسين فتح ملف. — كتب إن أي أحفاد يثبت نسبهم لكريم، ليهم نصيبهم الشرعي والقانوني في تركته.

بصيتله بسرعة. قلت: — أنا جاية علشان ميراث.

قال: — عارف. — ومش هاخد حاجة مش حق ولادي. — وده حقهم.

كريم بص للأطفال. وبعدين قال: — هنعمل تحليل نسب.

بصيتله.

قال: — مش علشان أشك فيكي. سكت. — علشان أقفل باب الشك للأبد.

قلت: — موافقة.

نهى فجأة قالت: — ولو طلعوا مش ولادك؟

كريم بص لها ببرود. — ساعتها برضه مش هرجعلك.

وشها وقع.

وقال: — لأن اللي عملتيه لوحده كفاية إني ما أشوفش وشك تاني.

الفصل الخامس: الحقيقة اللي أثبتها التحليل

بعد أسبوعين… النتيجة وصلت. كنت قاعدة في مكتب عم حسين. كريم قدامي. وأمه قاعدة بعيد. نهى ما كانتش موجودة. من بعد يوم الجنازة، كريم منعها من دخول بيت العيلة. والمحامي بدأ إجراءات قانونية في موضوع التزوير والتلاعب بالملفات.

عم حسين فتح النتيجة. بص فيها. وبعدين رفع عينه. قال: — النتيجة مؤكدة.

كريم ما تنفسش. وأنا حسيت إني نسيت إزاي أتنفس.

قال: — الأطفال الخمسة أبناء كريم الشاذلي بيولوجيًا.

كريم نزل راسه. وغطى وشه بإيده. ماقالش حاجة.

بعد ثواني، سمعت صوته. كان بيعيط. أول مرة أشوفه يعيط.

قال: — خمسة. رفع عينه. — عندي خمسة ولاد… وأنا ضيعت عشر سنين.

قلت: — ما تقولش ضيعتهم كلهم.

بصلي. — آدم عنده عشر سنين.

قلت: — ولسه قدامك عمر طويل تعرفهم.

سكت.

قال: — لو سمحتيلي.

ما رديتش بسرعة.

قال: — أنا مش بطلب منك ترجعيلي.

حسيت إن الجملة لمست حاجة جوايا.

كمل: — ولا بطلب تسامحيني دلوقتي.

— أمال عايز إيه؟ — فرصة أبقى أبوهم.

بصيتله. — مش بالكلام. — عارف. — مش بالهدايا. — عارف. — ولا بالفلوس. — عارف.

قلت: — الأبوة حضور.

هز راسه. — وأنا مستعد أبدأ من الصفر.

دخل آدم المكتب فجأة. كان واقف برا مع إخواته.

قال: — هو إحنا هنشوفك تاني؟

كريم وقف. بصله. — لو إيت عايز.

آدم قال: — أنا عايز أعرفك.

كريم عينه دمعت. قال: — وأنا نفسي أعرفك من يوم ما شوفتك.

آدم قرب. ما حضنش كريم. بس مد إيده.

كريم بص لإيده. وبعدين صافحه. كان مصافحة بسيطة. لكن بالنسبالي كانت بداية حاجة كبيرة.

الفصل السادس: نهى رجعت لآخر مرة

بعد شهر تقريبًا… كنت في بيتي لما الجرس رن. فتحت. ولقيت نهى. وشها كان مرهق.

قالت: — محتاجة أكلمك.

قلت: — مالناش كلام.

قالت: — خمس دقايق.

كنت هقفل الباب. لكن قالت: — أنا جاية أعتذر.

ضحكت. — الاعتذار ما يرجعش عشر سنين.

— عارفة.

سكتت. وبعدين قالت: — أنا كنت بغير منك.

ما رديتش. — من أول ما كريم اختارك.

قلت: — وده يخليكي تدمري بيت؟

— لأ. دموعها نزلت. — بس وقتها كنت بقنع نفسي إني بسترد حاجة كانت المفروض تبقى ليا.

قلت: — كريم عمره ما كان حاجة تتملك.

نزلت عينها.

قالت: — أنا خسرت كل حاجة.

قلت: — لأنك اخترتي كده.

قالت: — أخويا اعترف.

سكت. — وهو مستعد يشهد بكل حاجة.

قلت: — كويس.

رفعت عينها. — إنتِ هتسامحيني؟

بصيتلها وقت طويل.

قلت: — أنا مش هعيش باقي عمري شايلة كره ليكي.

عينيها اتعلقت بيا.

قلت: — بس ده مش معناه إنك ترجعي حياتي.

سكتت. — أنا مسامحاكي علشان نفسي، مش علشانك.

انهارت في العياط. قفلت الباب بهدوء. ولأول مرة… ما حسيتش إني خسرت حاجة. حسيت إن قفلت باب قديم.

الفصل السابع: كريم حاول يرجع

الشهور عدت. كريم ما ضغطش عليا. كان بياخد الأولاد مرة كل أسبوع. وبعدين مرتين. كان يحضر مباريات آدم. ويروح حفلات المدرسة. ويقعد مع يوسف في واجباته. ويلعب كورة مع عمر. ويشتري كتب لليان. ويتفرج على رسم سلمى كأنه أهم لوحة في الدنيا.

مرة آدم رجع البيت وقاللي: — بابا اتغير.

قلت: — إنت ما تعرفش هو كان عامل إزاي زمان.

قال: — بس أنا عارف هو عامل إزاي دلوقتي.

الجملة فضلت في دماغي.

بعد حوالي سنة… كريم طلب يقابلني لوحدنا. قعدنا في كافيه هادي.

قال: — أنا عارف إني ما استحقش أطلب.

قلت: — تطلب إيه؟

سكت شوية. — فرصة.

بصيتله. — فرصة لإيه؟ — لينا.

قلبي اتحرك. لكن عقلي وقف قدامه.

قلت: — كريم… إحنا ما بقيناش نفس الناس.

— عارف. — وأنا مش البنت اللي كنت متجوزها. — وده أحسن.

ابتسمت غصب عني.

قال: — مريم… أنا مش عايز أرجع الماضي.

سكت. — عايز أبني حاجة جديدة.

قلت: — والثقة؟

قال: — تتبني. — والوجع؟ — مش هطلب منك تنسيه. — وأمك؟

قال: — ساكنة لوحدها دلوقتي. وأنا محدد حدود واضحة جدًا.

— ونهى؟ — خرجت من حياتنا تمامًا.

سكتنا.

قال: — أنا مش مستني رد.

قلت: — وأنا مش هديك رد دلوقتي.

ابتسم. — أول مرة أتعلم أصبر.

قلت: — اتأخرت عشر سنين.

قال: — بس اتعلمت.

الفصل الثامن والأخير: البيت اللي رجع يتبني من جديد

مرت سنة تانية. السنة دي كانت مختلفة. مافيهاش وعود كبيرة. ولا كلام رومانسي كتير. كان فيها أفعال. كريم أثبت إنه أب. وبعدين بدأ يثبت إنه ممكن يبقى شريك حياة مختلف.

اعتذرلي أكتر من مرة. بس أهم اعتذار ما كانش بالكلام. كان يوم وقف قدام ولاده وقال: — أنا غلطت في حق أمكم.

آدم سأله: — إنت ما صدقتهاش؟

قال: — أيوه. — ليه؟

كريم سكت. وبعدين قال: — لأني كنت ضعيف وسمحت للشك يهزني.

بصلي. — وده أكبر غلط عملته في حياتي.

ما حاولش يبرر. وده فرق معايا.

بعدها بشهور، اتفقنا نبدأ من جديد. مش رجوع لنفس الجواز القديم. लेकिन زواج جديد. بعقد جديد. وشروط واضحة. واحترام. واتفاق إن أي مشكلة بيننا ما يخرجش حكمها من بيتنا.

يوم كتب الكتاب… ما عملناش فرح ضخم. كان يوم بسيط. في بيت أبويا. ولادي الخمسة حوالينا. حماتي حضرت. وقفت قدامي وقالت: — سامحيني يا مريم.

قلت: — ربنا يسامحنا كلنا.

ما رجعتش علاقتنا زي زمان. بقت علاقة فيها حدود. وده كان كفاية.

بعد كتب الكتاب، آدم قرب من كريم. وقال: — كده ماما بقت مراتك تاني؟

ضحك كريم. — أيوه.

سلمى قالت: — يعني مش هتمشوا من بعض تاني؟

بص كريملي. وبعدين قال: — المشاكل ممكن تحصل يا حبيبتي. وقعد قدامها. — بس المرة دي هنتكلم قبل ما نحكم على بعض.

بصيتله. وكانت دي الجملة اللي استنيتها من عشر سنين. مش “بحبك”. ولا “سامحيني”. الجملة الأهم كانت: “هسمعك.”

بعد كام شهر… رحنا كلنا نزور قبر

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى