جنازة عيلة طليقي

كريم بصله. آدم كمل: — وقالت إننا مش من حقنا نكره حد ما يعرفش الحقيقة.
ماقدرتش أمنع دموعي المرة دي. لفيت وشي. كريم فضل يبص على ابنه، وصدره بيعلى ويوطى.
وفجأة قربت سلمى الصغيرة مني، وشدت في هدومي. — ماما…
نزلت لمستواها. — نعم يا حبيبتي؟
بصت ناحية كريم. — هو ده بابا اللي جدو كان بيورينا صورته؟
كريم سمعها. وشه اتغير تمامًا. لف ناحيتي. — جدو؟
ما رديتش. قال: — أبويا كان يعرف؟ — لأ. — أمال هي بتقول جدو كان بيوريهم صورتي؟
سكت.
هنا آدم قال: — مش جدك. وبص لأمه. — جدو حمدي.
كريم رمش باستراب. قلت: — أبويا.
هز راسه ببطء.
لكن قبل ما يتكلم، جه واحد من رجال العيلة بسرعة. — أستاذ كريم… لازم نتحرك، الدفن هيبدأ.
كريم بص ناحية النعش. وبعدين بصلي. قال: — بعد الدفن… مش هتمشي.
قلت فورًا: — أنا مش مدينة لك بحاجة. — مريم… — عشر سنين يا كريم.
صوتي اتغير لأول مرة. — عشر سنين وأنا بشيل كل حاجة لوحدي.
نقلت بصري
بعد الدفن، الناس بدأت تمشي واحدة ورا التانية. صوت العياط خف. والسماء فضلت مكفهرة كأن اليوم نفسه رافض يخلص.
كنت واقفة ناحية طرف المقابر، ماسكة إيد سلمى، وآدم ويوسف وعمر وليان واقفين حواليا. كنت مستنية كريم يخلص مع الناس علشان أمشي. ماكانش عندي أي رغبة أدخل بيت الشاذلي تاني. البيت ده خرجت منه مكسورة. وآخر حاجة كنت محتاجاها إني أرجع أدخله برجلي.
لكن كريم جه ناحيتي. وقف قدامي وقال: — لازم تيجي.
قلت: — قلتلك أنا مش جاية أفتح دفاتر قديمة. — الظرف كان وصية أبويا.
سكت. قال: — وكان مصمم إننا نفتحه إحنا الاتنين.
بصيت لأولادي. — وولادي؟
رد بسرعة: — يدخلوا معانا.
نهى كانت واقفة بعيد، بتراقبنا. وأول ما سمعت الكلام قربت. — وأنا كمان هدخل.
كريم بص لها. — لأ.
قالتها بعصبية: — يعني إيه لأ؟ — يعني الموضوع مش يخصك.
ضحكت بمرارة. — مش يخصني؟ أنا عشت في البيت ده أكتر من عشر سنين!
قلت بهدوء: — بس الظرف مكتوب عليه اسمي أنا.
نهى بصتلي بقرف. — إنتِ فاكرة نفسك رجعتي صاحبة البيت؟
كريم صرخ: — نهى!
سكتت. قال: — روحي. — كريم… — روحي دلوقتي.
اتجمدت كام ثانية. وبعدين بصتلي نظرة كأنها بتوعدني بحاجة. ومشيت.
وأنا من غير ما أعرف ليه… حسيت إن الخوف في عينها أكبر بكتير من مجرد خوف من جواب قديم.
ركبنا العربية. وطول الطريق، محدش اتكلم.
أول ما العربية دخلت شارع بيت الشاذلي، قلبي بدأ يدق بسرعة. كل حاجة كانت أصغر مما فاكرة. البوابة. الشجر. حتى البيت. بس الذكريات كانت أكبر.
دخلنا الصالون الكبير. نفس السجادة. نفس السفرة. نفس الساعة الخشبية اللي كانت حماتي بتحبها. بس صور كتير اتغيرت.
في صورة كبيرة للحاج عبد الرحمن معلقة على الحيطة. وقفت قدامها. بصيتله. وهمست: — الله يرحمك.
كريم سمعني. لكنه ما قالش حاجة.
بعد دقايق، دخل عم حسين، محامي العيلة. راجل كبير في السن، كان بيشتغل مع الحاج عبد الرحمن من زمان. كان شايل شنطة جلد سودا. قعد وقال: — البقاء لله يا كريم. — ونعم بالله.
وبعدين بصلي. — إنتِ مريم؟
قلت: — أيوه.
قام وسلم عليا باحترام. — الحاج عبد الرحمن كان متأكد إنك هتيجي.
اتصدمت. — متأكد؟ — أيوه.
كريم بصله. — عرفت منين؟
عم حسين تنهد. — لأن أبوك هو اللي طلب مني أتصل بجهات كتير علشان أوصلكم.
قلبي اتقبض. قلت: — يوصلني أنا؟ — أيوه. — ليه؟
فتح شنطته. وطلع ظرف أبيض كبير. كان عليه اسمي واسم كريم. وبخط الحاج عبد الرحمن مكتوب: “إلى مريم وكريم… لا يُفتح إلا في وجودهما معًا.”
حسيت إني مش عارفة أمد إيدي. كريم أخده. لكن عم حسين قال: — قبل ما تفتحوه… لازم تعرفوا إن الظرف ده اتكتب قبل وفاة الحاج بيومين.
قال كريم: — فيه إيه؟ — اقراه.
فتح كريم الظرف. طلع منه ورق. وصورة. ومفتاح صغير.
أول حاجة وقعت من إيده كانت الصورة. آدم نزل بسرعة وجابها. بص فيها. وبعدين بصلي. — ماما… دي إنتِ؟
خدت الصورة. وكان نفسي الأرض تنشق وتبلعني. الصورة كانت ليا وأنا خارجة من بيت الشاذلي من عشر سنين. كنت باينة فيها حامل. بطني واضحة. والصورة متاخدة من بعيد.
كريم خطفها من إيدي. — دي إمتى؟
قلت: — بعد طلاقي بحوالي ست شهور.
بصلي. — كنتِ حامل بالشكل ده… وأنا ما كنتش أعرف؟
قلت: — حاولت أقولك.
عم حسين قال: — الصورة دي الحاج عبد الرحمن وصلها له شخص من شهرين.
كريم بصله. — شخص مين؟ — ده جزء من اللي في الورق.
كريم فتح أول ورقة. بدأ يقرا. لكن بعد أول كام سطر، وشه اتغير.
قلت: — فيها إيه؟
فضل ساكت. مديت إيدي. — هات.
اداني الورقة. وكان مكتوب فيها: “يا كريم… لو إنت بتقرا الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود. في حاجات كان لازم تعرفها من سنين. وأنا غلطت لأني صدقت كلام ناس قريبين مني من غير ما أتحقق. مريم ما خانتكش. والدليل اللي اتقدم لك وقتها كان مزور.”
نفسي اتقطع. وقريت الجملة تاني. “مريم ما خانتكش.”
إيدي بدأت ترتعش. بصيت لكريم. كان واقف كأنه مش سامع أي حاجة حوالينه.
قلت: — مزور؟
عم حسين هز راسه. — أيوه.
كريم مسك الورقة التانية. قرا بصوت عالي: “الصور اللي وصلك وقتها كانت متفبركة. والرسالة اللي قالوا إن مريم باعتتها للرجل اللي اتهموها بعلاقة معاه، خطها مش خط مريم.”
قفلت عيني. العشر سنين كلهم رجعوا مرة واحدة. صوت كريم وهو بيصرخ. حماتي وهي بتقول: “فضحتينا.” نهى وهي واقفة بعيد بتعيط تمثيل. وصور كنت بحلف إني ماشفتهاش في حياتي.
قلت: — كنت بقولك.
كريم بصلي. قلت بصوت مكسور: — كنت بحلفلك.
قرب خطوة. — مريم…
رجعت لورا. — لا.
سكت. — أوعى تقرب.
رجع مكانه. عم حسين قال: — لسه باقي.
قلت: — كمل.
كريم بص للورقة التالتة. وكان فيها اسم. قرأه. وسكت.
قلت: — مين؟
بصلي. — عماد منصور.
قلبي وقف. نهى منصور. أخوها.
قلت: — أخو نهى؟
عم حسين رد: — أيوه.
كريم قعد على الكرسي. — عماد هو اللي جابلي الصور وقتها.
بصلي. — قال إنه شافك مع الراجل بنفسه.
قلت: — وصدقت.
ما عرفش يرد. كملت: — صدقت أخو نهى وما صدقتش مراتك.
شد فكه. — كنت غبي. — لأ.
ضحكت من غير فرحة. — كنت عايز تصدق.
هز راسه. — لأ.
قلت: — أيوه. قربت منه. — لأنك كنت شاكك فيا من الأول. — مريم… — كنت محتاج أي دليل علشان تبرر الشك اللي جواك.
عم حسين حاول يهدّي الجو. — فيه حاجة أهم. طلع ورقة تانية. وقال: — الحاج عبد الرحمن اكتشف إن عماد أخد فلوس.
كريم رفع راسه. — فلوس من مين؟
عم حسين قال: — من نهى.
الصمت نزل على الصالة. حتى الأولاد بطلوا يتحركوا.
قلت: — إيه؟ — فيه تحويل مالي تم من حساب نهى لحساب عماد قبل الطلاق بتلات أسابيع.
كريم وقف. — أبويا جاب الكلام ده منين؟ — من مراجعة قديمة لحسابات شركة العيلة.
كريم بصلي. — ليه نهى كانت بتدفع لأخوها؟
قلت: — علشان يخرب بيتي.
لكني وقتها حسيت إن في حاجة أكبر.
قلت: — بس ليه الحاج عبد الرحمن بدأ يدور أصلًا؟
عم حسين سكت ثواني. وبعدين قال: — لأن حد بعتله جواب.
قلبي اتقبض. — جواب مين؟
فتح شنطته مرة تانية. طلع جواب قديم. الورق كان مصفر. قال: — جوابك إنتِ.
اتجمدت. قربت. — مستحيل. — ده نفس الجواب اللي بعتيه بعد الطلاق.
خدته. وأول ما شفت خطي… عرفته. كان هو. الجواب اللي كتبته وأنا حامل. الجواب اللي كنت بعيط وأنا بكتبه.
فتحت الورقة. “كريم… أنا مش طالبة منك ترجعني. لكن لازم تعرف إني حامل. والطفل ابنك. أنا مستعدة أعمل أي تحليل لما يتولد. بس أرجوك ما تحكمش عليه قبل ما ييجي الدنيا.”
دموعي نزلت. كريم كان بيقرا فوق كتفي. إيده اترعشت. قال: — الجواب ده ما وصلنيش.
بصيتله. — عارفة.
عم حسين قال: — لأنه ما كانش عند كريم أصلًا.
سألته: — كان فين؟ — في دولاب قديم في أوضة مكتب الحاج عبد الرحمن.
كريم قال: — إزاي؟
عم حسين قال: — حد خباه هناك.
قلت: — مين؟ — الحاج عبد الرحمن كان شاكك في نفس الشخص.
كريم شد الورقة في إيده. — نهى.
عم حسين ما ردش. لكن سكوته كان كفاية.
وفي اللحظة دي… اتفتح باب الصالة. ونهى دخلت. وشها كان أحمر.
قالت: — بتتكلموا عني ليه؟
كريم بص لها. ولأول مرة في حياتي شفت في عينه غضب يخوف. رفع الجواب قدام وشها. — تعرفي ده؟
نهى بصت للجواب. ثانية. اتنين. وبعدين قالت: — لأ.
كريم قرب منها. — بصي كويس. — قلت معرفوش.
قلت: — ده جوابي.




