بعد الطلاق

— هذا سيكون أفضل بكثير مما تخيلت.
— تصرف بأدب.
— سأحاول.
دخلنا.
كانت القاعة الرئيسية ممتلئة.
جنرالات.
عقداء.
مستشارو استخبارات.
ثم رأيت خالد.
كان يتحدث مع ضابطين آخرين.
استدار نحونا.
تقاطعت أعيننا.
وللحظة، لم يتصرف.
ثم عقد حاجبيه.
عرفني.
تقدم نحوي بسرعة.
— سلمى.
خفتت الأحاديث القريبة.
تقدم مازن خطوة إلى الأمام، لكنني رفعت يدي.
توقف.
نظر خالد إليّ من رأسي حتى قدمي.
تحولت ملامحه من الارتباك إلى الانزعاج.
— ماذا تفعلين هنا؟
— أعمل.
— تعملين؟
نظر إلى زِيّي العسكري.
— هل هذه مزحة؟
عادت ندى في تلك اللحظة.
— خالد، ماذا يحدث؟
أشار إلى زِيّي.
— زوجتي.
بدت لي الكلمة غريبة.
الآن فقط تذكر أنني زوجته.
نظرت ندى إليّ.
— سلمى…
خفض خالد صوته.
— لا أعرف من أين حصلتِ على هذا الزي، لكن هذا اجتماع عسكري مغلق. قد تتعرضين لمشاكل خطيرة.
سعل مازن حتى يخفي ضحكته.
وقبل أن أتمكن من الرد، انفتحت أبواب القاعة.
أعلن أحد الضباط:
— القائدة الشبح حاضرة!
وقف جميع الضباط في القاعة.
استدار خالد نحو الباب.
انتظر.
وكذلك ندى.
لم يدخل أحد.
ساد الارتباك لثوانٍ.
ثم تحرك مازن إلى الجانب.
وأصبحت مرئية للجميع.
نظر إليّ الضابط، ثم صاح:
— أهلًا بعودتك، أيتها القائدة الشبح!
ساد صمت مطبق.
نزعت نظارتي.
شحبت ندى.
أما خالد فلم يتحرك.
أعتقد أنه توقف حتى عن التنفس.
تقدمت إلى وسط القاعة.
واحدًا تلو الآخر، رفع الضباط أيديهم لأداء التحية العسكرية.
حتى قائد المنطقة.
حتى مازن.
وحتى ندى.
أما خالد، فكان الأخير.
بدا عاجزًا عن فهم ما يحدث.
وأخيرًا رفع يده.
رددت التحية.
باحتراف.
ببرود.
تمامًا كما كنت سأفعل مع أي لواء آخر.
— يمكنكم الجلوس.
ظلت ندى تحدق بي.
— أنتِ…
لم تكمل.
أما خالد فقال:
— الشبح؟
نطق اسمي الحركي بصوت خافت.
— نعم، أيها اللواء خالد.
رأيته يتلقى الصدمة.
لم يكن السبب هو رتبتي.
بل كلماتي.
أيها اللواء خالد.
خلال خمس سنوات، كنت أناديه خالد.
حبيبي.
زوجي.
أما الآن، فلم يكن بالنسبة لي سوى ضابط آخر.
بدأ الاجتماع.
عرضت على الشاشة تحركات منظمة سيربيروس.
وخلال أربعين دقيقة، شرحت كيف دخلت ثلاث فرق اغتيال إلى أراضي البلاد، وكيف يُرجح وجود تسريب داخل القيادة العسكرية.
لم يبعد خالد عينيه عني.
وكذلك ندى.
عندما انتهيت، سأل قائد المنطقة:
— أيتها القائدة الشبح، ما احتمال وقوع هجوم مباشر على اللواء خالد؟
— أكثر من ثمانين بالمئة خلال الساعات الاثنتين والسبعين القادمة.
تمتم عدد من الحاضرين.
تحدث خالد أخيرًا.
— منذ متى يحقق الصقر الأسود في هذا الأمر؟
— منذ أحد عشر يومًا.
تغيرت ملامحه.
أحد عشر يومًا.
بالضبط منذ اليوم الذي سمعت فيه حديثه عني.
— وهل تقودين العملية بنفسك؟
كنت أعرف ما الذي يسأل عنه حقًا.
لماذا؟
نظرت إليه.
— نعم.
— هل يمكنني معرفة السبب؟
انتظر الجميع.
أجبت:
— لأن مسؤوليتي هي حماية الضباط الاستراتيجيين في هذا البلد.
هذا كل شيء.
خفض خالد عينيه.
ربما كان ينتظر إجابة أخرى.
ربما كان يريد أن يسمع أنني ما زلت أحبه.
لكن تلك المرأة اختفت.
بعد انتهاء الاجتماع، لحق بي في الممر.
— سلمى.
واصلت المشي.
— أيتها القائدة الشبح.
توقفت.
اقترب خالد.
بدا مختلفًا.
لأول مرة منذ أن عرفته، لم يكن يعرف ماذا يقول.
— نحتاج إلى التحدث.
— لدي عملية أستعد لها.
— خمس دقائق.
— دقيقتان.
نظر إلى زِيّي مرة أخرى.
— منذ متى؟
— منذ متى ماذا؟
— كل هذا.
— منذ وقت طويل قبل أن أعرفك.
— هذا مستحيل.
— بل ممكن.
— قلتِ لي إنك تعملين محللة مدنية.
— كان ذلك جزءًا من غطائي.
مرر يده في شعره.
— لماذا لم تخبريني؟
ضحكت.
— هل تريد حقًا أن تعرف؟
— نعم.
اقتربت منه.
— عندما التقينا، قلت إنك تعبت من العيش وسط الجنود. قلت إنك تحلم بالعودة إلى منزل هادئ، حيث ينتظرك شخص تحبه.
تذكر تلك الكلمات.
رأيت ذلك في عينيه.
— كنت أحبك — تابعت. — وظننت أنني أستطيع أن أمنحك تلك الحياة.
— لكنك تخليتِ عن كل شيء.
— نعم.
— من أجلي.
— نعم.
فقد وجهه لونه.
بدأ الآن يفهم.
لم يكن قد تزوج امرأة بلا طموح.
لقد تزوج امرأة ضحت بطموحها من أجله.
— سلمى…
— انتهت دقيقتاك.
حاول الإمساك بذراعي.
ظهر مازن في الحال.
رآه خالد وسحب يده.
— قائدتي — قال مازن — لدينا تحرك.
تغير انتباهي فورًا.
— أين؟
— القطاع الشمالي.
غادرت دون أن ألتفت.
وقع الهجوم الأول في تلك الليلة.
تعرض موكب كان من المفترض أن ينقل خالد لانفجار على طريق فرعي.
تحطمت السيارة بالكامل.
لكن خالد لم يكن بداخلها.
كنت قد غيرت مساره بأوامري قبل عشرين دقيقة.
لقد ابتلعت سيربيروس الطُعم.
عثرنا على المراقب على بعد كيلومترين إلى الغرب.
وعندما استجوبناه، اكتشفنا أمرًا أسوأ.
كانت هناك فرقة رابعة.
داخل القاعدة نفسها.
ألقى مازن عدة صور فوق الطاولة.
— شخص ما يزودهم بالمعلومات من هنا.
— أريد جميع سجلات الدخول والخروج الأمني خلال آخر ثمانٍ وأربعين ساعة.
بدأ أحد المحللين العمل.
وبعد عشر دقائق ظهر اسم.
العقيد سامر محمود.
المساعد المباشر للواء فؤاد شاهين.
— وجدنا الرابط — قلت.
نظر مازن إلى الشاشة.
— هل نعتقله؟
— لا.
— مرة أخرى لا؟
— إذا اعتقلناه، سيعرف فؤاد أننا اقتربنا منه.
— إذن…
— سنستخدمه.
رتبت لعملية وهمية.
جعلنا تقريرًا مزيفًا ينتشر، يفيد بأن خالد سينقل عند الفجر إلى ملجأ في الجنوب.
لم يتلقَّ المعلومات سوى ستة أشخاص.
وكان سامر من بينهم.
وبعد ساعتين، اعترضنا اتصالًا لمنظمة سيربيروس.
سيتم الهجوم في الجنوب.
كان الخائن في أيدينا.
لكن شيئًا سار بشكل خاطئ.
بل أسوأ بكثير مما توقعنا.
لم يكن الهدف الحقيقي هو الموكب.
بل ندى.
اختطفتها سيربيروس داخل القاعدة.
دخل خالد إلى غرفة العمليات كالعاصفة.
— أين هي؟
— ما زلنا نحدد موقعها.
— إذن حددوه!
ساد الصمت.
نهضت.
— أيها اللواء خالد.
— إنها ندى.
— أعرف.
— إنهم يحتجزونها.
— أعرف ذلك أيضًا.
ضرب الطاولة بقبضته.
— إذن افعلي شيئًا!
تقدم مازن بغضب.
أوقفته بإشارة من يدي.
نظرت إلى خالد.
— لا ترفع صوتك عليّ مرة أخرى داخل مركز عملياتي.
كانت نبرتي منخفضة.
وكان ذلك أكثر تأثيرًا من الصراخ.
تنفس خالد بعمق.
— آسف.
ربما كانت تلك أول مرة يعتذر لي أمام الآخرين.
— سنعثر على ندى.
— كيف يمكنك أن تكوني هادئة هكذا؟
— لأن الذعر لن يعيدها.
في تلك اللحظة ظهرت إشارة.
مصنع معدني قديم.
على بعد سبعة وعشرين كيلومترًا إلى الشمال.
عندها فهمت الخطة كاملة.
ندى لم تكن الهدف.
كانت الطُعم.
من أجل خالد.
— أخلوا المنطقة حول اللواء خالد — أمرت.
رفض خالد.
— مستحيل.
— هذا ليس طلبًا.
— ندى هناك.
— ولهذا السبب تحديدًا.
— سأذهب معك.
— لا.
— أنا قائد هذه المنطقة.
— وأنا صاحبة السلطة العملياتية على هذه المهمة.
تبادلنا النظرات.
انتهى زواج دام خمس سنوات.
والآن أصبحنا ضابطين يقيس كل منهما قوة الآخر.
— سلمى…
— لا تستخدم اسمي لمحاولة تغيير أمر عسكري.
آلمته الجملة.
لكنه أطاع.
أو هكذا ظننت.
دخلنا المصنع عند الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة فجرًا.
اثنا عشر عنصرًا من القوات الخاصة.
من دون أضواء.
من دون شارات.
تقدمنا عبر ثلاثة مداخل مختلفة.
وجدنا حارسين في الطابق الأول.
وأربعة في الثاني.
كان الأمر سهلًا أكثر مما ينبغي.
— فخ — همست.
أومأ مازن.
وفجأة سمعنا إطلاق نار في الخارج.
خالد.
لقد تجاهل أوامري.
— ذلك الأحمق…
كاد مازن يضحك.
— الآن بدأ يفهم لماذا لم ينجح زواجكما.
— مازن.
— توقيت سيئ.
— جدًا.
تحركت سيربيروس.
استيقظ المبنى كله.
أضواء.
صفارات إنذار.
طلقات نارية.
وصلنا إلى الطابق العلوي.
كانت ندى مقيدة إلى كرسي.
أمامها رجل .
وخلفه…
فؤاد شاهين.




