عام

ورقة العرافة الغامضة ل زهرة الربيع

وفي أحد الأيام، جاءني وقال

يا أبي، عندي مفاجأة.

ابتسمت وقلت

لسه عندك مفاجآت بعد العمر ده كله؟

ضحك وقال

دي أكبر مفاجأة.

أخذني إلى مبنى جديد في طرف الحي.

كان مبنى جميلًا وواسعًا لم أره من قبل.

فوجئت بلافتة كبيرة معلقة على المدخل.

اقتربت ببطء.

وعندما قرأت الاسم، توقفت مكاني.

كان مكتوبًا

مركز فاتن الثقافي للتعليم والقراءة.

شعرت أن الكلمات اختفت من حولي.

نظرت إلى يونس.

وجدته يبتسم فقط.

قال

أمي كانت بتحب العلم والكتب.

 

وأنت علمتني إن الذكرى الحقيقية مش صورة على الحيط ولا اسم مكتوب على ورقة. الذكرى الحقيقية هي حاجة تنفع الناس. علشان كده جمعت تبرعات، واشتغلت سنين، ومع ناس كتير قدرنا نعمل المكان ده.

لم أستطع الرد.

ظللت أنظر إلى الاسم طويلًا.

فاتن.

بعد كل هذه السنوات، ما زال اسمها يصنع أثرًا جديدًا.

دخلنا المبنى.

كانت فيه قاعات للقراءة.

وقاعات لتعليم الأطفال.

وأماكن مخصصة للأنشطة الثقافية.

وركن كامل للقصص والذكريات.

وفي منتصف القاعة الرئيسية كان هناك صندوق زجاجي صغير.

اقتربت منه.

وجدت بداخله الورقة القديمة.

نفس الورقة.

الورقة التي أعطتها لي السيدة الغامضة في الأتوبيس.

نظرت إلى يونس باستغراب.

قال

دي لازم الناس تشوفها.

سألته

ليه؟

قال

علشان يعرفوا إن حياتنا كلها اتغيرت بسبب موقف صغير.

مرت السنوات التالية بسرعة أكبر مما توقعت.

كبر المركز.

وأصبح معروفًا في مناطق كثيرة.

وصار الناس يأتون إليه من أماكن بعيدة.

ليس فقط من أجل الكتب.

بل من أجل الحكايات.

من أجل الأمل.

من أجل الشعور بأن الخير ما زال موجودًا.

وفي إحدى الأمسيات، بينما كنت أجلس في مكتبي الصغير داخل المركز، دخلت فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات.

كانت تحمل ورقة مطوية.

اقتربت بخجل وقالت

حضرتك الأستاذ كريم؟

ابتسمت وقلت

أيوه.

مدت يدها بالورقة وقالت

دي لحضرتك.

أخذت الورقة.

فتحتها.

وجدت بداخلها كلمات بسيطة جدًا.

كانت تقول

أنا كنت بكره القراءة. لكن لما جيت هنا حبيت الكتب. ولما كبرت هبقى معلمة علشان أساعد أطفال تانيين. شكرًا.

وقفت أنظر إلى الورقة طويلًا.

ثم ابتسمت.

لأنني تذكرت شيئًا فورًا.

تذكرت نفسي وأنا أفتح الورقة الأولى في العيادة قبل سنوات طويلة.

ورقة صغيرة.

وكلمات قليلة.

لكن أثرها كان هائلًا.

في تلك اللحظة أدركت أن الحكاية تعيد نفسها بطريقة مختلفة.

كل كلمة طيبة تزرع بذرة.

وكل بذرة قد تصبح يومًا شجرة كبيرة.

وفي ليلة هادئة بعد ذلك بسنوات، كنت جالسًا

 

وحدي داخل المركز بعد انصراف الجميع.

تجولت بين الأرفف ببطء.

مررت على الصور.

وعلى الرسائل.

وعلى دفاتر الذكريات.

وعلى الصندوق الزجاجي الذي يحفظ الورقة القديمة.

ثم جلست أمامه.

لأول

 

 

متابعة القراءة

 

3

ورقة العرافة الغامضة ل زهرة الربيع

 

 

مرة منذ سنوات طويلة جدًا، تحدثت بصوت مسموع وكأنني أحدث فاتن نفسها.

قلت

شوفي يا فاتن… الرسائل وصلت.

ابتسمت وأنا أنظر حولي.

وصلت ليونس… ووصلت للناس… ووصلت لكل طفل دخل المكان ده.

ساد الصمت.

لكن ذلك الصمت كان مريحًا بشكل غريب.

وفي تلك اللحظة فهمت الحقيقة التي استغرقت مني عمرًا كاملًا لأفهمها.

لم تكن معجزة الورقة أنها كشفت سرًا.

ولم يكن السر الحقيقي تحت الكنبة.

ولم تكن أهمية الرسائل في الكلمات المكتوبة فيها.

السر الحقيقي كان أن الإنسان لا يرحل بأثر خطواته فقط.

بل بأثر قلبه.

فالبيوت القديمة قد تختفي.

والأثاث يتهالك.

والأوراق تصفر مع الزمن.

لكن المعروف الصادق يظل حيًا.

ينتقل من شخص إلى شخص.

ومن جيل إلى جيل.

مثل نور صغير لا ينطفئ.

وفي صباح اليوم التالي، جاء يونس كعادته مبكرًا.

وجدني جالسًا أبتسم.

فسألني

بتفكر في إيه؟

نظرت إليه طويلًا.

ثم قلت

فاكر يوم الأتوبيس؟

ابتسم وقال

مستحيل أنساه.

قلت

أنا دلوقتي فهمت الحكاية كلها.

سألني

إيه هي؟

قلت

إن ربنا ساعات بيغير حياة كاملة بسبب موقف بسيط جدًا… كلمة… مساعدة… ابتسامة… أو حتى اتنين جنيه.

ضحك يونس.

ثم نظر إلى الصندوق الزجاجي.

وقال

وأجمل حاجة إن الخير عمره ما بيقف عند شخص واحد.

هززت رأسي موافقًا.

ونظرت من النافذة إلى الأطفال الداخلين للمركز.

وإلى الشباب الذين يحملون الكتب.

وإلى كبار السن الجالسين يقرؤون في هدوء.

وعندها فقط شعرت أن الدائرة اكتملت.

فالطفل الذي كنت أحمله مذعورًا بين ذراعي في طريقه إلى المستشفى، أصبح رجلًا يصنع الأمل للآخرين.

والرسالة التي بدأت بجملة غامضة، تحولت إلى آلاف الرسائل في قلوب الناس.

والورقة الصغيرة التي كادت تضيع تحت الكنبة، أصبحت سببًا في بناء مكان يضيء حياة أجيال كاملة.

وهكذا انتهت الحكاية.

 

 

..

أو ربما لم تنتهِ أبدًا.

لأن بعض القصص لا تُقاس بعدد صفحاتها.

بل بعدد القلوب التي تلمسها.

وبعض الأعمال الصغيرة لا تنتهي لحظة القيام بها.

بل تبدأ في تلك اللحظة.

ثم تستمر في السفر عبر الزمن، من يد إلى يد، ومن روح إلى روح، حتى بعد أن يرحل أصحابها بسنوات طويلة.

ولهذا، كلما سأل أحد عن سر ذلك المركز الكبير، أو عن سر الورقة القديمة المحفوظة داخل الصندوق الزجاجي، كانت الإجابة دائمًا واحدة

كل ما تراه هنا بدأ بإنسان قرر أن يساعد إنسانًا آخر دون أن ينتظر شيئًا في المقابل.

وتلك كانت أعظم خاتمة…

لأجمل بداية لم يتوقعها أحد….

مرت سنوات أخرى، وأصبح مركز فاتن الثقافي علامة يعرفها الجميع. لم يعد مجرد مبنى مليئًا بالكتب، بل صار بيتًا للمعرفة والذكريات والأمل. كل يوم كان يدخل إليه أشخاص جدد، وكل واحد منهم يترك وراءه قصة صغيرة تضيف صفحة جديدة إلى الحكاية الكبيرة التي بدأت منذ ذلك اليوم البعيد في الأتوبيس.

أما أنا، فقد أصبحت أقضي معظم وقتي في الجلوس داخل الحديقة الصغيرة الملحقة بالمركز. كنت أحب مراقبة الأطفال وهم يركضون بين الممرات، والشباب وهم يحملون الكتب، وكبار السن وهم يتبادلون الأحاديث الهادئة تحت الأشجار. كان منظرًا يملأ القلب بالطمأنينة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى