منوعات

بنت جوزي

في اليوم اللي سمعت فيه الكلام ده، دخلت في خناقة مع بابا. قلت له إنه باع أمي زي ما باع كل ذكرياتي معاها. هو غضب، وأنا قلت له كلامًا قاسيًا.”

“وبعدها… سمعتك بتتكلمي معاه.”

وقفت عن القراءة.

رفعت عيني لجوزي.

“أنا؟”

بدأ يقرأ الرسالة من فوق كتفي.

“أيوه.”

كملت:

“سمعتك بتقولي له: لو البيت ده له قيمة عندها، ما تبيعوش. حتى لو هنعيش في مكان أصغر. هي خسرت أمها، ما ينفعش نخليها تخسر آخر حاجة بتفكرها بيها.”

جوزي شهق.

“أنا قلت كده؟”

بصيت له.

“إنت قلت كده فعلًا؟”

حط إيده على جبهته.

وبعد ثواني قال:

“أيوه… دلوقتي افتكرت.”

أنا ما قدرتش أتكلم.

الرسالة كملت:

“في اللحظة دي، لأول مرة بدأت أشك إني ظلمتك.”

“لكن بدل ما أرجع وأعتذر، عملت أسهل حاجة بالنسبة لبنت عندها 17 سنة… هربت.”

“سافرت، وقررت إني مش هرجع.”

ثم وجدت جملة جعلتني أبكي أكثر:

“لكن بعد أول عيد ميلاد بعيد عن البيت، وصلتني هديتك.”

“فتحتها.”

وقفت.

أنا وجوزي بصينا لبعض.

“إنتِ قلتي إنها ما كانتش بتفتح الهدايا.”

قالها جوزي.

قلت:

“هي بتقول إنها فتحتها.”

رجعت للرسالة.

“كانت أول مرة حد يفتكر عيد ميلادي من غير أمي.”

“مسكت السلسلة وقعدت أبكي.”

“كنت عايزة أكلمك.”

“لكن خوفي من الاعتراف إني غلطانة كان أكبر من رغبتي في الكلام.”

“فقفلت العلبة.”

“وبعتّها لك.”

توقفت.

ثم قرأت السطر التالي:

“كنت عايزة أرجعها عشان أقنع نفسي إني لسه بكرهك.”

دموعي نزلت أكتر.

“لكن الحقيقة إني احتفظت بصورة للسلسلة قبل ما أبعتها.”

فتحت الظرف الثاني.

كان فيه صورة صغيرة.

صورة للسلسلة على سرير فتاة.

وتحت الصورة جملة:

“دي أول هدية منك.”

فتحت الظرف الثالث.

كان فيه صورة للشنطة.

ثم الرابع.

صورة كتاب الطبخ.

كل هدية كنت أعتقد إنها رفضتها، كانت قد صورتها قبل إرجاعها.

ثم وجدت ورقة أخرى:

“أنا ما كنتش برجع الهدايا عشان ما أحبهاش.”

“كنت برجعها عشان كنت خايفة أحبك.”

جوزي جلس على الكرسي.

حط وشه بين إيديه.

وأنا فضلت واقفة.

مش عارفة أضحك ولا أعيط.

ثم وصلت للظرف الأخير.

كان مكتوبًا عليه:

“عيد ميلادي الـ30.”

فتحت الظرف.

“السنة دي استنيت هديتك.”

اتسعت عيناي.

“كنت عارفة إنك هتبعتي زي كل سنة.”

“كنت مستنية الطرد.”

“وكل يوم كنت ببص على باب شقتي.”

“لكن عيد ميلادي عدى.”

“والهديّة ما وصلتش.”

“في البداية زعلت.”

“وبعدين فهمت.”

“أخيرًا… أنتِ احترمتي رغبتي.”

“ولأول مرة، حسيت إنك مش بتحاولي تفرضي نفسك عليّ.”

“ساعتها عرفت إن الوقت جه إني أنا اللي أرجع.”

رفعت عيني عن الورقة.

جوزي كان بيبكي.

عمري ما شفته بيبكي بالطريقة دي.

سألته:

“ليه ما قلتليش الحقيقة عن البيت؟”

مسح عينيه.

“لأني افتكرت إنها كانت بتكرهك. وكل ما كنت أحاول أتكلم معاها عنك، كانت بتقفل الكلام. ولما كانت بترجع الهدايا، افتكرت إنها فعلًا مش عايزة أي حاجة منك.”

سكت قليلًا.

ثم قال:

“بس أنا غلطت.”

نظرت له.

“غلطت في إيه؟”

قال:

“أنا خليت غضب بنتي يكبر لوحده. كان لازم أقعد معاها وأفهمها. كان لازم أقول لها إن حبك مش معناه إني نسيت أمها.”

سكتنا.

ثم تذكرت الصندوق.

قلت:

“لسه فيه حاجة تحت.”

أخرجنا صندوقًا معدنيًا صغيرًا.

كان عليه اسمي.

فتحته.

جواه مفتاح قديم.

وتحته صورة لبيت قديم.

قلبت الصورة.

وجدت رسالة قصيرة:

“ده مفتاح بيت أمي.”

“البيت اللي كنتِ سبب إن بابا ما يبعوش.”

“أنا اشتريته من بابا من غير ما تعرفي.”

بصيت لجوزي.

“إنت بعتلها البيت؟”

هز راسه.

“لا… أنا ما بعتش حاجة.”

قرأت بقية الرسالة:

“من فلوسي أنا. بعد ما اشتغلت ونجحت، رجعت البيت واشتريته من بابا.”

“لكن مش عشان أعيش فيه.”

“اشتريته عشان أرجع لكِ حاجة أخدتيها مني من غير ما تعرفي.”

في آخر السطر كان مكتوب:

“البيت ده بقى باسمك.”

تجمدت.

قلت:

“باسمي أنا؟”

وفي اللحظة نفسها، رن جرس الباب.

جوزي قام بسرعة.

فتح الباب.

كانت هي.

ابنته.

بعد 13 سنة.

واقفة قدامنا.

كبرت.

ملامحها تغيرت.

لكن عينيها كانوا نفس العينين اللي كنت بشوفهم وهي بنت صغيرة.

وقفت عند الباب، وما قالتش حاجة.

أنا كمان ما قدرتش أتكلم.

ثم بصت لي وقالت:

“أنا آسفة.”

جملة بسيطة.

لكنها كانت أثقل من كل السنين اللي فاتت.

قربت منها.

وقلت:

“تعالي.”

وقفت مترددة.

ثم دخلت.

حضنتها.

وفي أول ثانيتين، جسمها كان متصلب.

وبعدين انهارت في حضني.

وبدأت تعيط.

وقالت:

“أنا كنت غبية.”

قلت لها:

“إحنا كلنا بنغلط.”

قالت:

“بس أنا أذيتك.”

رديت:

“وأنا كنت أتمنى أفهمك أكتر.”

رفعت وشها وقالت:

“كنت فاكرة إنك عايزة تاخدي مكان أمي.”

ابتسمت وسط دموعي.

“عمري ما كنت عايزة مكانها.”

“كنت بس عايزة مكان صغير في حياتك.”

انهارت في البكاء مرة تانية.

وجوزي وقف بعيد، بيبكي هو كمان.

بعد وقت طويل، جلسنا الثلاثة في الصالة.

وحكت لنا الحقيقة كاملة.

قالت إنها بعد سفرها كانت تزور قبر أمها كل عيد ميلاد.

وكانت تأخذ معها كل الهدايا التي أرسلتها لها.

تضعها أمام قبر أمها.

وتقول:

“هي بتحاول تكون أمي… وأنا مش عايزة.”

لكن بعد سنوات، بدأت تفهم.

إنني لم أحاول يومًا أن أكون أمها.

كنت فقط امرأة أحببت أباها، ووجدت فتاة صغيرة وحيدة، فحاولت أن أحبها هي أيضًا.

سألتها:

“طب ليه الصندوق كان تقيل بالشكل ده؟”

ضحكت وسط دموعها.

وقالت:

“عشان فيه كل حاجة.”

“كل إيه؟”

فتحت الصندوق مرة أخرى.

وجدت صورًا قديمة.

صور لي وأنا أطبخ.

صور لعيد ميلادها.

صور للهدايا.

حتى قصاصات صغيرة من ورق كنت أكتب عليها:

“كل سنة وإنتِ طيبة.”

كانت محتفظة بكل شيء.

كل شيء.

ثم أخرجت آخر ظرف.

وقالت:

“ده أهم واحد.”

فتحته.

كان فيه ورقة بيضاء تقريبًا.

مكتوب عليها سطر واحد:

“لو قبلتيني، أنا نفسي أناديكي ماما.”

لم أعرف ماذا أقول.

رفعت عيني إليها.

وقلت:

“قوليها.”

سكتت.

ثم قالت بصوت خافت:

“ماما.”

في اللحظة دي، حسيت إن 13 سنة كاملة اختفت.

حضنتها.

ولأول مرة، ما كنتش مرات أبوها.

ولا هي كانت بنت الرجل اللي اتجوزته.

بقينا عيلة.

بعد شهور، نقلنا كل حاجاتنا القديمة إلى بيت أمها.

مش عشان نعيش فيه.

لكن عشان نخليه مكانًا للذكريات.

وهي علقت في إحدى الغرف كل الهدايا التي كانت قد أرجعتها لي

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى