بنت جوزي

أما أنا، فاحتفظت بشيء واحد فقط.
السلسلة.
قالت لي:
“دي هديتك الأولى.”
قلت لها:
“لا… دي أول حاجة رجعتلي بعد 13 سنة.”
ضحكت.
وقالت:
“لأ.”
ثم وضعتها حول رقبتي.
“دي أول هدية أنا قبلتها منك.”
ومن يومها، بقى عندنا تقليد جديد.
كل عيد ميلاد، هي اللي بتبعت لي هدية.
وفي أول عيد ميلاد ليا بعدها، وصلتني علبة صغيرة.
فتحتها.
لقيت ورقة مكتوب عليها:
“إلى أمي التي احتاجت 13 سنة عشان تعرف إنها كانت أمي طول الوقت.”
وتحتها:
“المرة دي… ممنوع ترجعي الهدية.”
ضحكت وبكيت في نفس الوقت.
وضممتها إلى صدري.
لأنني فهمت أخيرًا أن بعض الناس لا يرفضون الحب لأنهم لا يحتاجونه…
بل لأنهم يخافون من مقدار احتياجهم إليه.
وأحيانًا، الصبر لا يغيّر الشخص الآخر…
لكنه يمنحه المساحة الكافية حتى يكتشف بنفسه الحقيقة التي لم يكن مستعدًا لسماعها.
أما أغرب شيء في القصة كلها؟
فهو أنني ظللت 12 سنة أعتقد أن كل هدية أرسلها كانت تعود إليّ لأنها لم تكن تريدني.
لكن الحقيقة…
أنها كانت تحتفظ بكل هدية في قلبها قبل أن تعيدها بيديها.
وفي السنة الثالثة عشرة، عندما توقفت أنا عن إرسال الهدايا…
هي أخيرًا أرسلت لي أعظم هدية ممكنة:
ابنتي.يمكن دلوقتي بابا أخيرًا يقولك بنفسه ليه أنا سبت البيت. الموضوع عمره ما كان بسببك… بصي جوه، وهتفهمي كل حاجة.
فضلت واقفة ماسكة الورقة، وأنا مش قادرة أرفع عيني عن آخر جملة.
بصيت لجوزي.
كان واقف جنبي، لكن ملامحه اتغيرت تمامًا.
سألته بصوت مرتعش:
“إنت عارف حاجة عن الكلام ده؟”
هز راسه بسرعة.
“والله ما أعرف.”
حطيت الورقة على الترابيزة، وبدأنا نفتش جوه الكرتونة.
كانت مليانة حاجات غريبة.
أول حاجة طلعت كانت علبة صغيرة، ولما فتحتها، لقيت السلسلة اللي كنت بعتها لها وهي عندها 18 سنة.
نفس السلسلة.
لسه في علبتها.
وتحتها كانت الشنطة الجلد اللي بعتها لها وهي عندها 21 سنة.
وبجانبها كتاب الطبخ اللي اخترته لها لما كملت 25.
وبعدها بدأت أطلع هدايا تانية…
هدية وراء هدية.
كل الهدايا اللي كنت ببعتها لها على مدار 12 سنة.
كلها كانت موجودة.
جوزي بص لي، وقال:
“بس إزاي؟”
أنا ما رديتش.
كنت بحاول أفهم.
لو هي كانت بترجع الهدايا… إزاي الهدايا دي كلها موجودة عندها؟
رفعت آخر طبقة من الكرتونة.
كان تحتها صندوق خشبي صغير.
فتحته.
جواه عشرات الأظرف.
كل ظرف عليه تاريخ.
عيد ميلادها الـ18.
الـ19.
الـ20.
الـ21…
لحد عيد ميلادها الـ29.
فتحت أول ظرف.
لقيت جواب مكتوب بخط إيدها.
“إلى المرأة اللي حاولت أكرهها…”
وقفت.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كملت القراءة.
“أنا عارفة إنك غالبًا مش هتفهمي ليه كل الهدايا رجعتلك. وعارفة إنك يمكن افتكرتي إني بكرهك. الحقيقة إني كنت بحاول أكرهك فعلًا… بس ما قدرتش.”
نزلت الدموع من عيني من غير ما أحس.
جوزي قرب مني.
“كملي.”
قريت.
“بعد وفاة أمي، كنت غاضبة من الدنيا كلها. لكن غضبي الأكبر كان من بابا. كنت شايفة إنه نسي أمي بسرعة، وإنه لما اتجوزك كان بيحاول يمسحها من حياته.”
سكت لحظة.
لأن الكلام ده كان بالضبط اللي كنت خايفة منه طول السنين.
“كنت صغيرة ومش فاهمة إن الإنسان ممكن يحب شخصًا جديدًا من غير ما يمسح الشخص اللي مات. كنت فاكرة إن وجودك معناه إن أمي خلاص انتهت.”
قلبت الصفحة.
“في أول مرة حاولتي تقربي مني، أنا كنت مستعدة أرفضك قبل ما تتكلمي. كل كلمة طيبة منك كنت بعتبرها تمثيل. كل أكلة كنت بتطبخيها لي كنت شايفاها محاولة تاخدي مكان أمي. وكل مرة كنتي تقوليلي إنك موجودة لو احتجت حاجة، كنت بحس إنك بتفرضي نفسك عليّ.”
حطيت إيدي على بقي.
افتكرت كل مرة كنت أحاول فيها أتكلم معاها وتقوم من قدامي.
كل مرة كنت أطبخلها حاجة وألاقيها ما لمستهاش.
كل مرة كنت أشتري لها حاجة صغيرة وأرجع بيها وأنا مخنوقة.
لكن الرسالة كانت لسه ما خلصتش.
“وبعدين حصلت حاجة ما عرفهاش بابا.”
جوزي شد نفسًا طويلًا.
بصيت له.
“إيه اللي حصل؟”
هز راسه.
“ما أعرفش.”
رجعت للرسالة.
“قبل ما أسافر للدراسة بأسبوع، سمعت بابا بيتكلم مع واحد من أقاربه. كان بيقول إنه عايز يبيع بيت أمي القديم، وإنه مش شايف سبب يخليه يحتفظ بيه.”
اتسمرت مكاني.
بيت أمها.
البيت اللي كان جوزي دايمًا بيتجنب الكلام عنه.
كملت:
“بالنسبة لبابا، البيت كان مجرد عقار قديم. لكن بالنسبة لي كان آخر مكان ريحته أمي لسه موجودة فيه.”
“في اليوم اللي سمعت فيه الكلام ده، دخلت في خناقة مع بابا. قلت له إنه باع أمي زي ما باع كل ذكرياتي معاها. هو غضب، وأنا قلت له كلامًا قاسيًا.”
“وبعدها… سمعتك بتتكلمي معاه.”
وقفت عن القراءة.
رفعت عيني لجوزي.
“أنا؟”
بدأ يقرأ الرسالة من فوق كتفي.
“أيوه.”
كملت:
“سمعتك بتقولي له: لو البيت ده له قيمة عندها، ما تبيعوش. حتى لو هنعيش في مكان أصغر. هي خسرت أمها، ما ينفعش نخليها تخسر آخر حاجة بتفكرها بيها.”
جوزي شهق.
“أنا قلت كده؟”
بصيت له.
“إنت قلت كده فعلًا؟”
حط إيده على جبهته.
وبعد ثواني قال:
“أيوه… دلوقتي افتكرت.”
أنا ما قدرتش أتكلم.
الرسالة كملت:
“في اللحظة دي، لأول مرة بدأت أشك إني ظلمتك.”
“لكن بدل ما أرجع وأعتذر، عملت أسهل حاجة بالنسبة لبنت عندها 17 سنة… هربت.”
“سافرت، وقررت إني مش هرجع.”
ثم وجدت جملة جعلتني أبكي أكثر:
“لكن بعد أول عيد ميلاد بعيد عن البيت، وصلتني هديتك.”
“فتحتها.”
وقفت.
أنا وجوزي بصينا لبعض.
“إنتِ قلتي إنها ما كانتش بتفتح الهدايا.”
قالها جوزي.
قلت:
“هي بتقول إنها فتحتها.”
رجعت للرسالة.
“كانت أول مرة حد يفتكر عيد ميلادي من غير أمي.”
“مسكت السلسلة وقعدت أبكي.”
“كنت عايزة أكلمك.”
“لكن خوفي من الاعتراف إني غلطانة كان أكبر من رغبتي في الكلام.”
“فقفلت العلبة.”
“وبعتّها لك.”
توقفت.
ثم قرأت السطر التالي:
“كنت عايزة أرجعها عشان أقنع نفسي إني لسه بكرهك.”
دموعي نزلت أكتر.
“لكن الحقيقة إني احتفظت بصورة للسلسلة قبل ما أبعتها.”
فتحت الظرف الثاني.
كان فيه صورة صغيرة.




