انترفيو الأحلام

سلمى كانت واقفة قدامه.
حطت المفتاح.
لفته.
الصندوق اتفتح.
جواه ملف بني.
وصورة عائلية صغيرة لسلمى وإخواتها وهما أطفال.
سلمى أخدت الصورة.
على ضهرها مكتوب:
«دول السبب إني مستحمل.»
انهارت في العياط.
عمر حضنها.
وبعد ما هديت، فتحت الملف.
جواه المستند الأصلي اللي يثبت إن التحويل اللي ظهر في حساب والدها دخل حسابه لساعات فقط، ثم خرج في نفس اليوم لحساب شركة مرتبطة بفؤاد.
يعني الحساب استخدم كمرحلة وسيطة من غير علمه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت تسجيلًا صوتيًا محفوظًا على شريط صغير ومعاه نسخة مكتوبة.
كان تسجيل اجتماع.
صوت فؤاد واضح:
«نحط التحويل على حساب محمود، وبعدها نقول إنه هو اللي عملها.»
ثم صوت والد عمر:
«الراجل عنده عيال.»
فؤاد:
«وأنت عندك شركة فيها آلاف العيال.»
صمت.
ثم صوت والد عمر:
«اعمل اللي لازم يتعمل.»
عمر قفل عينيه.
الجملة كانت كفاية.
أبوه وافق.
سلمى بصتله.
— عمر…
قال:
— كملي.
— مش لازم تسمع الباقي دلوقتي.
فتح عينيه.
— لازم.
استمر التسجيل.
وفي النهاية ظهر صوت ثالث.
نادية.
والدة عمر.
كانت بتقول:
«أنا مش هسمح لكم تعملوا كده.»
ثم فؤاد:
«لو اتكلمتي، جوزك يدخل السجن والشركة تقفل.»
نادية:
«محمود بريء.»
والد عمر قال:
«نادية، اخرجي بره.»
التسجيل انتهى.
عمر فهم.
أمه ما شاركتش.
لكنها سكتت بعد كده.
وده كان ذنبها.
تم تسليم الأدلة للجهات القانونية المختصة.
وبدأت إجراءات رسمية لإعادة الاعتبار لوالد سلمى وتصحيح السجلات القديمة.
لكن سلمى طلبت حاجة واحدة من عمر.
— مش عايزة الموضوع يتحول لفضيحة نتشفى فيها.
قال:
— وأنا مش هعمل كده.
— أنا عايزة اسم أبويا يتنضف.
— وهيحصل.
وبالفعل…
بعد انتهاء المراجعات والإجراءات، صدر قرار داخلي رسمي من الشركة يقر بأن الاتهام القديم الموجه لمحمود عبد الرحمن كان مبنيًا على بيانات مالية مزورة، وأنه كان الشخص الذي حاول كشف المخالفات وليس المسؤول عنها.
واتعلقت صورته في قاعة المراجعة الداخلية.
وتحتها:
«محمود عبد الرحمن — الموظف الذي اختار الحقيقة حين كان الصمت أسهل.»
لما سلمى شافت الصورة…
وقفت قدامها فترة طويلة.
عمر وقف بعيد.
سابها لوحدها.
وبعدين سمعها بتهمس:
— رجعتلك اسمك يا بابا.
لكن كان باقي حساب أخير.
نادية طلبت تقابل سلمى.
لوحدهم.
قعدت قدامها وقالت:
— أنا مش هطلب منك تسامحيني.
سلمى سكتت.
— كان قدامي عشرين سنة أتكلم… وماعملتش.
قالت سلمى:
— ليه؟
— في الأول خفت على جوزي.
دموع نادية نزلت.
— بعدين مات، فقلت خلاص… الكلام مش هيرجع حاجة.
سلمى ردت:
— كان هيرجع اسم أبويا.
نادية هزت رأسها.
— عارفة.
وسكتت.
— ولما إنتِ دخلتي الشركة وعرفت إنك بنته… خفت أكتر.
— مني؟
— من عمر.
سلمى استغربت.
— ليه؟
— لأنه كان بيحب أبوه جدًا. خفت الحقيقة تكسره.
سلمى قالت:
— الحقيقة وجعته فعلًا.
ثم أكملت:
— لكن السكوت وجع ناس أكتر.
نادية بدأت تبكي.
— عندك حق.
سلمى ماقالتش «سامحتك».
لأن بعض الجروح مش بتتقفل بكلمة.
لكنها قالت:
— أنا مش عايزة عمر يدفع تمن حاجة أبوه عملها.
نادية رفعت رأسها.
سلمى أكملت:
— وأنا مش همنعه عنك.
انهارت نادية في البكاء.
بعد ست شهور…
الشركة كانت مختلفة.
عمر أسس إدارة مستقلة للنزاهة والمراجعة، ماحدش من عيلة المنشاوي له سلطة مباشرة عليها.
أما سلمى…
فرفضت ترأسها.
لما عمر سألها ليه، قالت:
— علشان لو مسكتها، الناس هتقول اتعملت عشاني.
ضحك:
— ولسه فارق معاكي كلام الناس؟
قالت:
— لأ. بس فارق معايا النظام يبقى صح حتى بعد ما إحنا نمشي.
فتم اختيار مدير مستقل.
وسلمى كملت شغلها.
وفي ذكرى وفاة والدها…
راحت المقابر مع أمها وعمر.
قعدت قدام قبره.
وحطت نسخة صغيرة من قرار رد الاعتبار جنب الورد.
قالت:
— عارف يا بابا؟
ابتسمت وسط دموعها.
— الجاكيت بتاعك عمل مشاكل كتير.
أمها ضحكت وهي بتعيط.
سلمى كملت:
— بس أنا احتفظت بيه.
عمر وقف بعيد شوية احترامًا للحظة.
قالت:
— والراجل اللي أبوه ظلمك…
صوتها اهتز.
— هو اللي وقف جنبي علشان يرجعلك حقك.
وبعدين قامت.
مسحت دموعها.
ومشت ناحية عمر.
مسك إيدها.
قال:
— كويسة؟
— أيوه.
مشوا سوا.
وبعد سنة…
كانت سلمى واقفة قدام المراية في بيتها.
وبطنها بدأت تظهر عليها علامات الحمل.
عمر دخل شايل علبة.
قال:
— عندي هدية.
— لو هدوم للبيبي للمرة العشرين هرجعها.
ضحك.
— لأ.
فتح العلبة.
كان فيها الجاكيت القديم.
لكن متصلح بعناية.
البطانة اتقفلت.
والغرز القديمة بتاعة أمها اتساب جزء منها زي ما هو.
سلمى لمسته.
— إنت عملت فيه إيه؟
— خليت حد متخصص يحافظ عليه من غير ما يغير شكله.
بصتله.
— ليه؟
قال:
— علشان ابننا أو بنتنا يشوفوه يومًا.
ابتسمت.
— ونقول له إيه؟
عمر قرب منها.
— نقوله إن جده ماكانش غني.
— ولا كان صاحب شركة.
— ولا كان عنده ناس تدافع عنه.
سلمى كملت:
— بس كان عنده حق.
عمر هز رأسه.
— وبنته كملت اللي بدأه.
سلمى حطت الجاكيت على صدرها.
وبعدين ضحكت.
— على فكرة…
— إيه؟
— لسه فاكرة أول مرة شوفتك.
— وأنا فاكر.
قلدت نبرة الست اللي عملت معاها الإنترفيو:
— «إنتِ بجد جاية كده على إنترفيو شغل؟»
عمر ضحك.
— وأنا من عند الباب قلت: مين البنت اللي قلبت الشركة في عشر دقايق؟
قالت بمكر:
— لأ، إنت وقعت في حبي من أول لحظة.
— دي إشاعة.
ضربته بخفة في كتفه.
— كداب.
ضحك ومسك إيدها.
ثم قال:
— الحقيقة؟
— قول.
— أول حاجة شدتني ليكي ماكانتش شكلك.
— أمال؟
— إنهم كانوا بيحاولوا يكسفوكي من الجاكيت… وإنتِ رغم إنك كنتِ موجوعة، ماطلبتيش منهم شفقة.
سلمى ابتسمت.
قال:
— وبعدين اكتشفت إن الجاكيت نفسه كان شايل الحقيقة اللي غيرت حياتنا كلها.
سلمى بصت للغرز القديمة.
نفس الغرز اللي ضحكوا عليها.
نفس الغرز اللي كانت أمها عملتها تحت نور المطبخ ليلة الإنترفيو.
قالت:
— غريبة الدنيا.
— ليه؟
— هما شافوا الغرز وقالوا فقر.
وسكتت لحظة.
— ومحدش عرف إنها كانت مخبية وراها كرامة راجل مظلوم من عشرين سنة.
عمر حط إيده على بطنها.
— عارفة أنا نفسي أعلم ابننا إيه؟
— إيه؟
— إنه عمره ما يحكم على حد من هدومه.
ابتسمت.
— وأنا هعلمه حاجة أهم.
— إيه؟
بصتله.
— لو شاف ظلم… مايسكتش حتى لو اللي ظالمه شخص بيحبه.
عمر فهم قصدها.
هز رأسه.
— اتفقنا.
بعد سنوات…
دخلت بنت صغيرة مكتب سلمى في الشركة.
كان عندها حوالي سبع سنين.
وفي إيدها جاكيت قديم أكبر من مقاسها بكتير.
عمر دخل وراها وهو بيضحك:
— بنتك مصممة تلبسه.
سلمى قالت:
— سيبيه.
البنت سألت:
— ماما، هو ده فعلًا جاكيت جدو؟
سلمى ركعت قدامها.
— أيوه.
— وهو كان مخبي جواه سر؟
— أيوه.
البنت فتحت عينيها بحماس.
— كنز؟
سلمى بصت لعمر.
ثم رجعت بصت لبنتها.
— أغلى من الكنز.
— إيه؟
سلمى لمست الغرز القديمة بإصبعها.
— الحقيقة.
البنت قالت:
— والحقيقة غالية؟
رد عمر من وراها:
— جدًا.
سلمى ابتسمت.
— ساعات بتكلف صاحبها كتير.
البنت سألت:
— وجدو خسر؟
سلمى سكتت لحظة.



