انترفيو الأحلام

سلمى همست:
— إنتِ كنتِ هناك.
نادية بدأت ترتعش.
عمر قال:
— ماما… إيه اللي حصل الليلة دي؟
نادية دموعها نزلت.
— أنا حاولت أنقذه.
سلمى:
— من مين؟
نادية بصت للباب كأنها خايفة حد يسمع.
وبعدين قالت جملة خلت عمر نفسه يتجمد:
— من أبوك.
سكت الجميع.
عمر قال:
— أبويا هو اللي لفّق التهمة؟
نادية هزت رأسها ببطء.
— لأ.
مسحت دموعها.
— الحقيقة أسوأ من كده.
قربت من سلمى وقالت:
— أبوكي ماخرجش من الشركة الليلة دي وهو مطرود وبس.
سلمى قلبها دق بعنف.
— أمال إيه اللي حصل؟
نادية ردت:
— خرج وهو شايل مستند كان ممكن يدخل أبو عمر وفؤاد السجن.
— والمستند فين؟
بصت نادية ناحية الجواب المقطوع.
وقالت:
— والدك خبّاه في مكان محدش فكر يدور فيه طول السنين دي.
سلمى سألت بسرعة:
— فين؟
نادية بصت لها مباشرة.
— في الجاكيت.
سلمى ضحكت بعدم فهم.
— جاكيت إيه؟
قالت نادية:
— الجاكيت القديم اللي أمك صلحتهولك ليلة الإنترفيو.
وش سلمى فقد لونه.
لأن الجاكيت اللي سخروا منه يوم دخولها الشركة…
ماكانش في الأصل بتاعها.
كان جاكيت والدها.
وأمها عدّلته على مقاسها بعد وفاته.
وفجأة فهمت سلمى ليه أمها، يوم الإنترفيو، رفضت تمامًا إنها ترميه رغم إنه قديم.
همست:
— الجاكيت في البيت.
عمر قال:
— نروح دلوقتي.
لكن قبل ما يتحركوا…
موبايل سلمى رن.
أمها.
ردت بسرعة:
— أيوه يا ماما؟
لكن اللي سمعته ماكانش صوت أمها الهادي المعتاد.
كانت بتصرخ:
— سلمى! إلحقيني!
وقبل ما سلمى تسأل…
سمعت صوت تكسير.
وبعدين أمها قالت:
— فيه حد دخل البيت وبيفتش في حاجتك!
سلمى صرخت:
— ماما اقفلي على نفسك!
لكن الخط اتقطع.
بصت لعمر.
قالت كلمة واحدة:
— الجاكيت.
لأن بعد أكتر من عشرين سنة…
فيه شخص عرف أخيرًا إن الدليل لسه موجود.
والظاهر إنه مستعد يعمل أي حاجة علشان يوصل له قبلهم.
يتبع…
عمر ما استناش ثانية.
مسك مفاتيح عربيته وقال:
— يلا.
سلمى كانت ماشية وراه وإيديها بتترعش وهي بتحاول تتصل بأمها.
مرة.
اتنين.
تلاتة.
مفيش رد.
قالت وهي بتجري ناحية العربية:
— مش بترد يا عمر!
— هنكون عندها.
— لو حصل لها حاجة بسببي…
وقف لحظة وبصلها.
— مفيش حاجة هتحصل لها.
ركبوا العربية، وحسام ركب وراهم بعربيته.
طول الطريق، سلمى كانت بتحاول تتصل.
وفجأة…
التليفون رن.
رقم أمها.
ردت بسرعة:
— ماما؟!
جالها صوت ضعيف:
— أنا كويسة يا بنتي.
سلمى حطت إيدها على قلبها.
— إنتِ فين؟!
— عند الجيران.
— حصل إيه؟
— واحد دخل البيت من الشباك اللي ورا. سمعت صوت تكسير، فقفلت باب الأوضة واتصلت بيكي. ولما سمعني بتكلم هرب.
سلمى سألت بسرعة:
— أخد حاجة؟
الأم سكتت.
— مش عارفة.
سلمى بصت لعمر.
— ماما، الجاكيت القديم بتاع بابا فين؟
سكتت أمها ثواني.
— بتسألي عليه ليه؟
سلمى حسّت إن نبرة أمها اتغيرت.
— ماما… إنتِ عارفة إن فيه حاجة جواه؟
الصمت طال.
ثم جاء صوت أمها:
— مين قالك؟
سلمى اتجمدت.
عمر سمع السؤال.
بصلها.
قالت سلمى:
— يعني إنتِ عارفة؟
الأم ردت بصوت مرتعش:
— تعالي يا سلمى.
وصلوا بعد أقل من نص ساعة.
باب البيت كان مكسور.
الأدراج مفتوحة.
الهدوم مرمية.
سلمى دخلت وهي بتنادي:
— ماما!
أمها خرجت من شقة الجيران وجريت عليها.
حضنتها سلمى.
— إنتِ كويسة؟
— الحمد لله.
عمر بدأ يبص حواليه.
الغريب إن التلفزيون مكانه.
فلوس بسيطة كانت في درج المطبخ مكانها.
حتى دهب الأم ماحدش قرب منه.
قال حسام:
— اللي دخل ماكانش جاي يسرق.
سلمى ردت:
— كان بيدور على حاجة.
بصت لأمها.
— الجاكيت.
الأم أخدتها ناحية أوضتها.
فتحت الدولاب.
طلعت شنطة قماش قديمة من فوق.
فتحتها.
لكن…
الجاكيت مش موجود.
سلمى شهقت:
— أخده؟
أمها هزت رأسها.
— لأ.
راحت ناحية ماكينة الخياطة.
فتحت الجزء الخشبي السفلي.
وطلعت منه الجاكيت.
سلمى بصتلها.
— إنتِ خبّيتيه؟
قالت:
— من ساعة ما شوفت واحد غريب واقف آخر الشارع من يومين، قلبي ماطمنش.
عمر قرب.
— طنط… حضرتك كنتِ عارفة إن فيه مستند جوه الجاكيت؟
الأم قعدت.
— أبو سلمى قبل ما يموت بأسبوع طلب مني حاجة غريبة.
بصت لسلمى.
— قال لي: «لو حصل لي حاجة، ماترميش الجاكيت ده أبدًا.»
سلمى عينيها دمعت.
— ليه ماقولتيليش؟
— ماعرفتش إن جواه حاجة.
— بس لما سألتك دلوقتي قلتي مين قالك.
الأم مسحت دموعها.
— لأن أبوكي قال جملة تانية.
— إيه؟
— قال: «لو في يوم سلمى سألتك عن الجاكيت من نفسها… اديهولها.»
سلمى ماقدرتش تمنع دموعها.
أخدت الجاكيت.
قلبته.
فتشت الجيوب.
مفيش حاجة.
عمر قال:
— البطانة.
سلمى افتكرت الغرز.
الغرز اللي أمها عملتها ليلة الإنترفيو.
قالت:
— ماما… إنتِ لما صلحتيه، لاحظتي حاجة؟
كم الغلق.
محدش اتكلم.
فتحته.
جواه فلاشة قديمة جدًا.
ومفتاح صغير.
وورقة مطوية.
فتحت سلمى الورقة.
خط أبوها.
«يا سلمى…
لو إنتِ اللي لقيتي ده، يبقى حصل اللي كنت خايف منه، أو يمكن حصل اللي كنت بتمناه.
يمكن الحقيقة أخيرًا لقت حد أقوى مني يكملها.»
سلمى بدأت تبكي.
عمر حط إيده على كتفها.
كملت القراءة:
«أنا ما سرقتش شركة المنشاوي.
أنا اكتشفت سرقة وحاولت أوقفها.
والأدلة اللي معايا مش كفاية لوحدها، علشان كده احتفظت بنسخة من الملفات الأصلية.
المفتاح بيفتح صندوق أمانات باسمي.
لكن أهم حاجة…
ما تنتقميش.
رجعي اسمي بس.
أنا مش عايز أكتر من كده.»
سلمى ضمت الورقة لصدرها.
وقالت وسط دموعها:
— حتى وهو مظلوم كان خايف إني أنتقم.
أمها حضنتها.
عمر قال:
— هنرجع اسمه.
بصتله.
قال:
— مهما كانت الحقيقة هتوصل لمين.
الفلاشة كانت قديمة، لكن الملفات لسه قابلة للقراءة.
حسام نقل نسخة منها على جهاز منفصل.
وكانت الصدمة.
والد سلمى احتفظ بكشوف الحسابات الأصلية قبل تعديلها.
مراسلات داخلية.
تواريخ تحويلات.
وأسماء.
فؤاد كان موجود.
لكن مكنش وحده.
والد عمر نفسه كان عارف إن الشركة في أزمة مالية، وسمح بتحويل أموال بشكل غير قانوني مؤقتًا علشان يغطي خسائر استثمارات سرية.
لكن لما الموضوع اتكشف…
فؤاد رفض يتحمل المسؤولية.
والحل كان شخص واحد.
محاسب بسيط.
مالوش ظهر قوي.
والد سلمى.
عمر فضل ساكت قدام الشاشة.
قالت سلمى:
— أبوك كان عارف.
عمر ما حاولش يدافع عنه.
— أيوه.
— ووافق إن أبويا يشيل التهمة.
— واضح.
سلمى بصتله.
كانت منتظرة يمكن يقول «كان مضطر».
أو «الشركة كانت هتقع».
لكنه قال:
— واللي عمله كان ظلم.
سلمى سكتت.
عمر كمل:
— أنا بحب أبويا، وعمري ما هنكر ده. لكن حبي ليه مش معناه إني أقول إن الغلط صح.
الجملة دي خففت حاجة جواها.
حسام قال:
— لسه عندنا المفتاح.
في اليوم التالي، وبعد الإجراءات القانونية اللازمة، وصلوا لصندوق الأمانات.




