روايات وقصص

درجة اولي

— الرحلة دي كانت المفروض ذكرى جوازكم، لكن بما إن بابا قرر يقضي أول ست ساعات منها لوحده في الدرجة الأولى… إحنا قررنا إنك تقضي أسبوع كامل وإنتِ متقدّرة.

جوزي قال بغضب:

— والفلوس دي جبتوها منين؟!

ابني رد:

— جمعناها إحنا الخمسة.

وبعدين قرب مني وقال:

— 25 سنة وإنتِ بتدفعي من وقتك وراحتك وعمرك علشاننا. مرة واحدة إحنا اللي هندفع علشانك.

ماقدرتش أتمالك نفسي.

حضنت أولادي وأنا بعيط.

أما جوزي، فوقف ساكت.

وبعد ثواني قال:

— طب وأنا؟

بصيتله.

لأول مرة من سنين، ما حسيتش إني مضطرة أبرر أو أعتذر.

قلت بهدوء:

— إنت عندك كرسي الدرجة الأولى اللي اخترته لنفسك.

سكت تمامًا.

ابني ابتسم وقال:

— وماما كمان بقى عندها كرسي درجة أولى.

المضيفة أخدتني لمقعد واسع في المقدمة كان أولادي مجهزينه ليا.

وأنا بعدّي جنب جوزي، بصلي من غير ما يتكلم.

قعدت في مقعدي الجديد، ومسحت دموعي.

يمكن أنا فعلًا ما دخلتش مرتب للبيت لمدة 25 سنة…

لكن في اللحظة دي فهمت إن أولادي كانوا شايفين قيمة كل سنة قضيتها علشانهم.

والاحتفال الحقيقي بذكرى جوازي الخامسة والعشرين…

ماكانش الرحلة.

كان إني أخيرًا سمعت كلمة كنت محتاجاها من سنين:

— شكرًا يا ماما…

افتكرت إن الموضوع انتهى عند كده…

وإن أقصى حاجة حصلت إن أولادي ردّوا لي جزء صغير من كرامتي قدام أبوهم.

لكن بعد حوالي نص ساعة، جوزي ظهر قدام مقعدي.

وقف وهو متعصب وقال:

— قومي… عايز أتكلم معاكي.

بصيتله بهدوء.

— اتكلم هنا.

لف حواليه، ولما لاحظ إن فيه ناس ممكن تسمعه، وطّى صوته:

— إنتِ مبسوطة باللي ولادك عملوه؟ فضحوني قدام الطيارة كلها.

قلت:

— هما ما فضحوكش… هما بس عاملوني بالطريقة اللي كان المفروض تعاملني بيها.

ضغط على سنانه وقال:

— أنا دفعت تمن الرحلة دي كلها!

بصيتله وقلت:

— ودي مشكلتك من زمان… فاكر إن الفلوس هي الحاجة الوحيدة اللي بتتحسب.

سكت لحظة.

فكملت:

— عمرك حسبت تمن 25 سنة من عمري؟

ضحك بسخرية:

— هنبدأ بقى كلام التضحيات؟

قبل ما أرد، ظهر ابني وقال:

— لأ يا بابا… هنبدأ بكلام الحسابات.

جوزي لفله بعصبية.

— حسابات إيه؟

ابني طلع موبايله وفتحه.

— من أسبوعين، وإحنا بنجهز المفاجأة لماما، اكتشفنا حاجة بالصدفة.

حسيت جوزي اتجمد.

قلت:

— اكتشفتوا إيه؟

ابني بصلي وقال:

— ماما… فاكرة الحساب اللي جدو فتحه باسمك من سنين؟

عقدت حواجبي.

— حساب إيه؟

قال:

— الحساب اللي كان بيحط فيه جزء من فلوسه علشان يضمن مستقبلك.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

أنا فعلًا كنت فاكرة إن أبويا زمان قال إنه حاططلي مبلغ بسيط…

لكن بعد وفاته، جوزي قال إن الحساب اتقفل بسبب ديون قديمة وإن الفلوس راحت.

بصيت لجوزي.

— إنت قلتلي الفلوس راحت.

ما ردش.

ابني قال:

— الفلوس ما راحتش يا ماما.

حسيت ببرودة في جسمي.

— أمال راحت فين؟

جوزي صرخ:

— مش هنا مكان الكلام ده!

ابني رد:

— ليه؟ لأنك عارف الحقيقة؟

قمت من مقعدي.

— إيه الحقيقة؟

ابني أخد نفس وقال:

— بابا كان بيستخدم الحساب من سنين.

بصيت لجوزي وأنا مش مستوعبة.

— إزاي؟

قال بسرعة:

— كنت بدير الفلوس لمصلحتنا كلنا!

قلت:

— من غير ما أعرف؟

— إنتِ مكنتيش بتفهمي في الحاجات دي!

الجملة نزلت عليا كأنها صفعة.

لكن المرة دي…

ما سكتش.

قلت:

— الحساب باسمي؟

ما ردش.

كررت:

— الحساب كان باسمي ولا لأ؟

قال بضيق:

— كان باسمك… بس أنا جوزك.

ابني قال:

— وعلشان كده، أول ما نوصل، ماما هتتكلم مع البنك بنفسها وتراجع كل حاجة رسميًا.

وش جوزي اتغير.

— إنت بتحرض أمك عليا؟

قلت فورًا:

— محدش بيحرضني.

بصيتله في عينه.

— أنا بس لأول مرة هعرف فلوسي راحت فين.

رجع لمقعده وهو متعصب.

وباقي الرحلة…

ما اتكلمناش.

ولما الطيارة نزلت، كنت متوقعة إنه يستناني.

لكنه أخد شنطته وخرج لوحده.

وأنا؟

أولادي كانوا مستنييني.

قضيت معاهم يومين، وبعدها اتصلت بالبنك واستعنت بمتخصص علشان أفهم الأوراق والحسابات بشكل صحيح.

والحقيقة كانت مؤلمة.

اتضح إن جزءًا من الفلوس كان موجودًا فعلًا، وإن جوزي كان بيتصرف في أمور مالية مرتبطة بيا من غير ما يشرحلي الصورة كاملة.

ساعتها فهمت إن المشكلة ما كانتش تذكرة طيارة.

المشكلة كانت 25 سنة كنت بسيب فيها كل القرارات الكبيرة له…

لأني صدقت إنه «أفهم مني».

رجعت البيت بعد الرحلة بأسبوع.

لقيته مستنيني في الصالة.

قال:

— خلصتي تمثيلية الاستقلال؟

حطيت شنطتي بهدوء.

— لأ… أنا لسه ببدأ.

طلعته على كل الأوراق اللي جمعتها.

ولأول مرة…

ما كانش عنده رد جاهز.

قال بعد صمت:

— يعني عايزة تطلقي بعد 25 سنة علشان كرسي طيارة؟

هزيت راسي.

— لسه مش فاهم.

قربت منه وقلت:

— الكرسي ما أنهى جوازناش.

— أمال إيه؟

قلت:

— الكرسي ورّاني جوازنا عامل إزاي.

إنت شايف إنك تستحق الأحسن لأنك جبت فلوس…

وأنا المفروض أرضى بأي حاجة لأن شغلي ماكانش له مرتب.

سكت.

قلت:

— بس الخمس أطفال اللي ربيتهم كانوا شغل.

والبيت اللي حافظت عليه كان شغل.

وكل مرة ضحيت فيها علشان أنت تسافر أو تشتغل أو تتقدم… كانت شغل.

دموعه ظهرت لأول مرة.

قال:

— يعني خلاص؟

قلت:

— اللي خلاص فعلًا هو إني أعيش كأني أقل منك.

وبعد شهور من التفكير والإجراءات والاستشارات، اتخذت قراري بإنهاء الجواز.

ماكانش قرار انتقام.

ولا كان علشان أولادي ضغطوا عليا.

كان قراري أنا.

أما الرحلة اللي أولادي حجزوها ليا…

فسافرتها.

لوحدي.

وفي أول صباح، قعدت قدام البحر ومعايا فنجان قهوة، وبصيت للشمس وهي طالعة.

تليفوني رن.

كان ابني.

قال:

— مبسوطة يا ماما؟

ابتسمت.

— جدًا.

ضحك وقال:

— ناقصك حاجة؟

بصيت للكرسي الفاضي جنبي.

زمان، كنت هقول إن الكرسي الفاضي معناه إني لوحدي.

لكن المرة دي قلت:

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى