قصص و روايات

تركني اربي ٤ ابناء

تركني زوجي من أجل عشيقته، وأجبرني على تربية أولادنا الأربعة وحدي… لكن بعد 15 سنة، عائلتي جعلته يقف مذهولًا!
الجزء الأول
— أنا رايح أعيش معاها. وإنتِ خليكي مع الأولاد الأربعة واتعلمي تدبري أمورك لوحدك.
وضع زوجها حقيبته بجوار الباب، وكأنه يخبرها بأنه ذاهب في رحلة عمل عادية.
كان صباحًا ممطرًا، وكانت الزوجة قد انتهت للتو من وضع أربعة أكواب من الحليب على مائدة المطبخ، بينما كان أولادها الأربعة ما زالوا نائمين في الطابق العلوي.
قالت وهي تنظر إليه بصدمة:— إنت قلتلهم إنك ماشي؟
رد ببرود:— إنتِ بقى شوفي هتشرحي لهم إزاي.
عدل سترته، بينما كانت عشيقته تنتظره داخل السيارة أمام المنزل الذي اشتراه هو وزوجته منذ سنوات.
وقبل أن يخرج، التفت إليها وقال بثقة= هييجي يوم وتتصلّي بيا… لما تعرفي لوحدك تكلفة البيت والأولاد قد إيه.
لم ترد.
كانت قد أمضت شهورًا تسأله عن تأخره المستمر خارج المنزل، وعن الأموال التي بدأت تختفي، وعن تلك المرأة التي كان يقدمها دائمًا باعتبارها شريكة في العمل.
وفي كل مرة، كان يقلب الحديث عليها بطريقة تجعلها هي التي تعتذر في النهاية لمجرد أنها سألته.
راقبته وهو يخرج من الباب ثم عادت إلى المائدة، ونظرت إلى الطبق الخامس الذي كانت قد وضعته أمام مكانه كعادتها.
رفعته في صمت…في عصر اليوم نفسه، وجدت ظرفًا في المطبخ.
فتحته، فاكتشفت بداخله بيانات محامي زوجها وكشف حساب بنكي…وهنا جاءت الصدمة الثانية.
كان قد سحب تقريبًا كل الأموال الموجودة في حسابهما المشترك.
ومصاريف دراسة الأولاد موعدها بعد أسبوعين فقط.
قضت تلك الليلة كاملة تحسب مصاريف البيت والأولاد باستخدام آلة حاسبة قديمة بالكاد تعمل.
وفي صباح اليوم التالي، جاءت حماتها تحمل عرضًا.
إذا وافقت الزوجة على بيع المنزل وتوقفت، على حد قولها، عن “إثارة المشاكل”، فسوف تساعدها عائلة زوجها لفترة مؤقتة.
قالت حماتها ببرود:— ابني اختار حياة تانية… وإنتِ لازم تكوني واقعية…نظرت الزوجة ناحية الحديقة.
كان أطفالها قد علقوا نجومًا ورقية على النافذة حتى يستطيع والدهم رؤيتها عندما يعود إلى المنزل ليلًا.
كانت النجوم لا تزال معلقة في مكانها.
نظرت إلى حماتها وقالت بثبات:—وأنا كمان هاختار حياة تانية.
رفضت بيع المنزل.
ذهبت إلى محامية، وبدأت إجراءات الطلاق، وطالبت بحقوق أولادها والنفقة المستحقة لهم.
لكن الإجراءات كانت بطيئة.
في البداية كانت الأموال التي يرسلها زوجها تصل بصورة غير منتظمة، ثم توقفت تمامًا.
اضطرت إلى بيع سيارتها…وأصبحت تستقل المواصلات إلى عملها كل صباح…وفي المساء، بدأت تعمل في حسابات مشروعين صغيرين حتى توفر احتياجات أولادها.
وعندما كان الأطفال يسألونها عن والدهم، لم تكن تختلق لهم الأعذار.
وفي الوقت نفسه، لم تحاول أن تجعلهم يحملون ألمها أو يكرهوه بسبب ما فعله بها.
كانت تقول لهم:— هو اختار يمشي… ولما تكبروا، إنتوا اللي هتقرروا موقفكم من قراره.
وفي الليل، بعدما تنتهي من مساعدتهم في المذاكرة، كانت تجلس أمام الأوراق الخاصة بعملائها.
تراجع الطلبات والخسائر والمصاريف…وبمرور الوقت، لاحظت شيئًا مهمًا.
اكتشفت أن الكثير من المتاجر الصغيرة تدفع مبالغ كبيرة بسبب استلام البضائع على دفعات صغيرة، بينما كان هناك منتجون قريبون منهم يخسرون جزءًا من منتجاتهم لأنهم لا يجدون من يشتريها…وهنا جاءت لها الفكرة.
بدأت تربط بين الطرفين…لم يكن معها مكتب ضخم.
ولا رأس مال كبير.. كل ما امتلكته كان دفترًا صغيرًا، وهاتفًا، وسيارة قديمة كان أحد أقاربها يعيرها لها في عطلة نهاية الأسبوع…ثم حصلت على أول عقد كبير لتوريد المنتجات إلى مجموعة من المطاعم.
يوم توقيع العقد، كانت يداها تتعرقان تحت الطاولة من شدة التوتر…وعندما عادت إلى المنزل…وجدت أولادها الأربعة ينتظرونها بكعكة صنعوها بأنفسهم.
كانت الكعكة هابطة من المنتصف وشكلها بعيدًا تمامًا عن المثالية.
لكنهم جلسوا وضحكوا وأكلوها كلها.مرت 15 سنة.
الدفتر الصغير تحول إلى شركة توزيع كبيرة تعمل مع المنتجين والأسواق والمطاعم في مناطق عديدة. والمرأة التي كانت ذات يوم تحسب مصاريف أولادها بآلة حاسبة قديمة، أصبحت مديرة تنفيذية لشركة ناجحة.
ومع ذلك، لم تنسَ أيام البداية…كانت لا تزال تراجع العقود بنفسها قبل التوقيع، وتحفظ أسماء الموظفين الذين وقفوا بجوارها منذ الأيام الأولى…أما زوجها السابق…
فكان يظهر برفقة عشيقته في صور افتتاح المشروعات وحفلات رجال الأعمال…أسسا معًا شركة عقارات تبدو ناجحة أمام الجميع.
وكان يتحدث في اللقاءات عن أهمية “الشجاعة لبدء حياة جديدة”…لكنه لم يكن يذكر أبدًا الأولاد الأربعة الذين تركهم خلفه.
وفي أحد الأيام، تلقى دعوة لحضور ملتقى كبير لرجال الأعمال.
بدأ يقرأ أسماء المنظمين دون اهتمام…
حتى وصل إلى اسم المديرة التنفيذية لإحدى أكبر شركات التوزيع…توقف…كانت زوجته السابقة.
نظرت عشيقته إلى الصورة المرفقة بالدعوة وسألته:
— دي مراتك السابقة؟كبّر الصورة على هاتفه.
كانت تقف داخل مركز توزيع ضخم، تتحدث مع الموظفين، وخلفها صف طويل من الشاحنات.. عرف وجهها فورًا.
لكن الثقة التي ظهرت في عينيها كانت غريبة عليه.
قالت عشيقته:— أنا عايزة أقابلها. ممكن نقترح عليها شراكة بين شركتنا وشركتها.
وافق.وأقنع نفسه بأن الأمر مجرد اجتماع عمل.
لكن الحقيقة كانت مختلفة…كان يريد أن يراها بعد كل تلك السنوات…والأهم…
كان يريد أن يعرف هل ما زالت تخفض عينيها عندما يدخل إلى المكان أم لا…جاءت ليلة اللقاء.
دخل القاعة، فوجد زوجته السابقة تقف وسط عدد من رجال الأعمال والموردين…كانت ترتدي فستانًا أزرق داكنًا أنيقًا، وتحمل دفترًا صغيرًا في يدها…اقترب منها ونطق اسمها.
التفتت إليه…ثم قالت بمنتهى الهدوء:
— مساء الخير…طريقة استقبالها له أربكته لدرجة أنه نسي الجملة التي كان قد جهزها طوال الطريق.
وفي تلك اللحظة، ظهرت عشيقته بجواره ومدت يدها إليها.
— أنا زوجته.
نظرت إليها الزوجة السابقة بهدوء، وصافحتها قائلة:
— عارفاكي.
حاول الزوج السابق أن يفتح حديثًا عن السنوات التي مرت.
لكنها لم تمنحه الفرصة…قالت بهدوء:
— شوفت إنك طلبت اجتماع علشان تعرض شراكة مع شركتنا. الأشخاص المسؤولين عن مراجعة العرض هيوصلوا حالًا.
وقبل أن يسألها ماذا تقصد…
فُتحت أبواب القاعة…دخل أربعة أشخاص بالغين، واتجهوا مباشرة نحوها.

فُتحت أبواب القاعة…

ودخل أربعة أشخاص بالغين.

اتجهوا مباشرة ناحية أمهم.

تجمد الرجل في مكانه.

لثواني، اختفى صوت القاعة كله من ودانه.

لا موسيقى.

لا ضحكات.

لا أصوات كؤوس.

ولا حتى صوت عشيقته، التي كانت واقفة بجواره وتسأله باستغراب:

— مالك؟

لم يرد.

كان ينظر فقط إلى الأربعة.

خمسة عشر عامًا كانت كفيلة بأن تغيّر كل شيء.

آخر صورة واضحة يحتفظ بها لهم كانت لأربعة أطفال يجرون في البيت، يتخانقون على جهاز التلفزيون، ويتركون حقائب المدرسة بجوار السلم رغم صراخه المستمر عليهم.

أما الآن…

فلم يعد أمامه أطفال.

كان أمامه أربعة أشخاص بالغين، يسيرون بثقة، ويرتدون ملابس رسمية، ويتجهون نحو المرأة التي تركها يومًا وحدها أمام أربعة أكواب حليب وفواتير لا تعرف كيف ستدفعها.

تقدم الابن الأكبر أولًا.

شاب طويل، ملامحه هادئة، يحمل ملفًا أسود تحت ذراعه.

اقترب من أمه وقال:

— آسف يا ماما، الاجتماع اللي قبل ده اتأخر شوية.

ابتسمت له.

— ولا يهمك.

ثم جاءت ابنتها الكبرى، وقبلتها على خدها.

— راجعنا آخر نسخة من العرض.

ثم اقترب الاثنان الآخران.

قال أصغر الأبناء وهو ينظر إلى الملف:

— وكل الأرقام جاهزة.

كان الرجل يراقبهم كأنه يشاهد حياة كاملة عاشها شخص آخر.

تمتم أخيرًا:

— دول…؟

سمعته زوجته السابقة.

التفتت إليه بهدوء.

ولم تكن بحاجة إلى أن تسأله ماذا يقصد.

قالت:

— أولادنا.

كلمة واحدة.

لكنها وقعت عليه بقسوة.

أولادنا.

رفع الابن الأكبر عينيه إليه.

نظر إليه طويلًا.

لم يكن في نظرته غضب.

والغريب أن ذلك كان أصعب.

لو صرخ فيه…

لو عاتبه…

لو قال له: إنت سبتنا…

ربما كان سيجد شيئًا يقوله.

لكنه لم يفعل.

اكتفى بنظرة قصيرة، ثم مد يده رسميًا:

— مساء الخير.

نظر الأب إلى اليد الممدودة.

ابنه.

ابنه الذي كان يحمله على كتفه يومًا.

يمد له يده الآن كما يمدها لرجل يقابله للمرة الأولى في اجتماع عمل.

صافحه.

— إنت… كبرت.

ساد صمت قصير.

فأجابه الابن:

— طبيعي. عدى خمستاشر سنة.

شعر الأب أن الجملة تحمل وزن السنوات كلها رغم أنها قيلت بهدوء شديد.

تدخلت عشيقته محاولة كسر التوتر:

— واضح إن العيلة كلها شغالة مع بعض.

ردت الابنة الكبرى:

— مش بالضبط.

ثم أشارت إلى أخيها الأكبر.

— هو المسؤول عن العمليات وسلاسل التوريد.

وأشارت إلى أخيها الثاني:

— وهو متخصص في الشؤون القانونية والعقود.

ثم إلى أختها:

— وأنا مسؤولة عن التخطيط المالي والاستثمار.

ابتسم الأصغر:

— وأنا لسه أصغر واحد فيهم، بس ماسك قسم التحول الرقمي.

نظر الأب إلى زوجته السابقة.

— إنتِ دخلتيهم كلهم الشركة؟

وقبل أن تجيب، قال الابن الأكبر:

— إحنا دخلناها باختيارنا.

وأضافت أخته:

— وكل واحد بدأ من تحت.

نظرت الأم إلى أولادها بفخر لم تحاول إخفاءه.

قالت:

— مكنتش عايزاهم يرثوا كراسي. كنت عايزاهم يعرفوا الأول يعني إيه يبنوا حاجة.

تغير وجه الرجل.

كانت الجملة تشبه صفعة لم توجه إليه مباشرة.

تذكر صباح رحيله.

تذكر ثقته وهو يخبرها أنها ستتصل به عندما تعرف تكلفة تربية أربعة أطفال.

لم تتصل.

ولا مرة.

هو الذي كان يقف الآن أمام النتيجة.

اقترب أحد منظمي الملتقى وقال:

— أستاذة، قاعة الاجتماع جاهزة.

هزت رأسها.

ثم نظرت إلى زوجها السابق وعشيقته.

— اتفضلوا.

تحرك الجميع نحو غرفة اجتماعات جانبية.

جلس الرجل وعشيقته في جانب الطاولة.

وعلى الجانب الآخر…

جلست زوجته السابقة في المنتصف.

وحولها أولادها الأربعة.

وضع الابن المسؤول عن العقود الملف أمامه وفتحه.

قال بهدوء:

— حضرتكم مقدمين اقتراح شراكة لتطوير ثلاثة مراكز لوجستية على أراضٍ مملوكة لشركتكم.

عدل الأب جلسته.

عاد إليه شيء من ثقته.

هذا مجاله.

وهنا يستطيع الكلام.

قال:

— بالضبط. شركتنا عندها الأراضي والخبرة في التطوير العقاري، وشركتكم عندها شبكة توزيع ضخمة. التعاون هيكون مربح للطرفين.

سألته ابنته:

— نسبة التمويل المطلوبة من شركتنا كام؟

قالت عشيقته بسرعة:

— ستين في المية.

رفعت الابنة حاجبها.

— مقابل؟

— خمسة وأربعين في المية من المشروع.

تبادل الأولاد نظرة قصيرة.

ثم فتح الابن الأصغر جهازه اللوحي.

قال:

— المشكلة إن تقييم الأراضي الموجود في العرض أعلى من متوسط السوق بحوالي تلاتين في المية.

تغير وجه عشيقة الأب.

— مين قال الكلام ده؟

أجاب:

— ثلاث شركات تقييم مستقلة.

وأضاف أخوه:

— وفي مشكلة تانية.

فتح الملف أمامه.

— شركتكم عليها التزامات مالية لم يتم توضيحها بالكامل في العرض.

تدخل الأب بحدة:

— دي التزامات تشغيلية عادية.

رفع الابن عينيه إليه.

— لأ.

ثم دفع ورقة عبر الطاولة.

— فيه قرض بضمان أحد الأصول الرئيسية، وفيه دعويان من مقاولين بسبب مستحقات متأخرة، وفيه ضمان شخصي حضرتك موقع عليه.

ساد الصمت.

نظرت العشيقة إلى الرجل بسرعة.

— ضمان شخصي؟

لم ينظر إليها.

قال للأبناء:

— التفاصيل دي ملهاش علاقة بالشراكة.

هنا تكلمت زوجته السابقة للمرة الأولى منذ بداية الاجتماع.

— ليها علاقة جدًا.

نظر إليها.

أكملت:

— لأنك طالب من شركتي تدخل معاك بمبلغ كبير. وأنا مش بحط فلوس موظفيني وشركائي في مشروع من غير ما أعرف كل مخاطره.

قال بانفعال مكتوم:

— شركتك؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— آه. شركتي.

لم يكن يعرف لماذا استفزته الكلمة.

ربما لأنه قضى سنوات يقنع نفسه بأن نجاحها مجرد حظ.

وربما لأنه كان يتخيل أن وراءها رجلًا ثريًا أو مستثمرًا مجهولًا.

أما أن تكون هي صاحبة كل هذا…

فكان أمرًا يصعب عليه ابتلاعه.

مال إلى الخلف وقال:

— واضح إن الاجتماع مش مهني أوي.

نظر إليه الابن الأكبر.

— بالعكس.

ثم أغلق الملف.

— لو مكنش مهني، مكنتش حضرتك قاعد هنا أصلًا.

التفت الأب إليه.

كانت تلك أول مرة يشعر فيها بنبرة حادة، وإن ظلت مهذبة.

قال:

— تقصد إيه؟

أجابه:

— أقصد إننا راجعنا العرض باعتباره عرضًا تجاريًا، مش باعتبار صاحبه والدنا.

توقف قليلًا.

ثم أضاف:

— لأن دي الطريقة اللي اتربينا بيها.

خفض الأب عينيه للحظة.

أما الأم، فلم تتدخل.

لم تطلب من ابنها أن يصمت.

ولم تشجعه أيضًا.

تركته يتكلم كرجل بالغ يملك حق اختيار كلماته.

قالت العشيقة محاولة استعادة السيطرة:

— طيب… بعيدًا عن التفاصيل دي، إحنا ممكن نعيد التفاوض.

أجابت الابنة:

— ممكن.

نظر الجميع إليها.

أكملت:

— بشرط تقديم إفصاح مالي كامل.

تجمد وجه الأب.

— مش ضروري.

ردت:

— بالنسبة لنا ضروري.

قال:

— فيه معلومات خاصة بالشركة.

فرد الابن المسؤول عن العقود:

— يبقى مفيش شراكة.

ساد الصمت مرة أخرى.

ثم وقفت الأم.

— أعتقد كده الاجتماع خلص لحد ما تبعتوا المستندات المطلوبة.

وقف الرجل أيضًا.

كان يريد أن يقول شيئًا.

أي شيء يعيده إلى مكان كان يعرفه.

نظر إلى أولاده.

ثم قال:

— ممكن… نتكلم بعيد عن الشغل؟

لم يرد أحد فورًا.

أخيرًا، سأله الابن الأكبر:

— في إيه؟

قال الأب:

— إحنا عيلة في الآخر.

وهنا…

ضحك الابن الأصغر ضحكة قصيرة خرجت منه رغمًا عنه.

نظر إليه الجميع.

اعتدل الشاب وقال:

— آسف.

ثم سكت.

لكن الأب فهم.

قال بصوت منخفض:

— أنا عارف إني غبت.

ردت ابنته:

— غبت؟

نظرت إليه للمرة الأولى مباشرة.

— بابا… إنت ما غبتش.

توقف نفسها لحظة.

ثم قالت:

— إنت مشيت.

لم يستطع الرد.

تابعت:

— الغياب بيكون لما حد مش قادر يرجع. لكن إنت كنت قادر.

نظر إلى أمهم وكأنه ينتظر منها إنقاذه.

لكنها قالت بهدوء:

— هما كبار دلوقتي. وأنا وعدتهم من زمان إنهم لما يكبروا يقرروا موقفهم بنفسهم.

تذكر كلماتها القديمة.

لما تكبروا، إنتوا اللي هتقرروا موقفكم من قراره.

كانت قد نفذت وعدها حرفيًا.

اقترب الابن الأكبر من أمه.

— العربية مستنياكي تحت يا ماما.

أومأت.

بدأ الأربعة في الخروج.

لكن الأب نادى:

— استنوا.

توقفوا.

نظر إليهم واحدًا واحدًا.

— أنا… كنت ببعت فلوس.

نظر الأبناء إلى بعضهم.

ثم قال الابن المسؤول عن الشؤون القانونية:

— فترة بسيطة.

وأضاف:

— وبعدها مفيش حاجة تقريبًا.

قال الأب بسرعة:

— أمكم منعتني.

لأول مرة تغير وجهها.

استدارت إليه.

— لأ.

كلمة واحدة جعلت الغرفة تصمت.

اقتربت خطوة.

— متعملش كده.

— أنا حاولت…

— لأ.

ظل صوتها هادئًا.

— متحاولش تصلح صورتك قدامهم بكذبة جديدة.

نظر إليها بحدة.

فقالت:

— عندي كل التحويلات، وكل رسائل المحامين، وكل طلبات النفقة اللي اتأخرت، وكل مرة محاميك طلب تأجيل.

ثم أشارت إلى ابنها القانوني.

— وهو شاف الملف بنفسه بعد ما كبر.

نظر الأب إلى ابنه.

لم ينكر.

هنا أدرك الرجل شيئًا أكثر إيلامًا من أي اتهام.

أولاده لم يسمعوا القصة من أمهم فقط.

لقد قرأوا الأوراق.

قال الابن:

— أنا كنت فاكر وأنا صغير إنك مش عارف توصل لنا.

سكت.

— لما دخلت كلية الحقوق، طلبت أشوف ملف القض..ية.

ابتلع الأب ريقه.

تابع ابنه:

— اكتشفت إن عنواننا عمره ما اتغير.

ثم أخذ حقيبته.

— وإنت كنت عارفه.

خرج.

تبعه إخوته.

بقي الرجل واقفًا أمام زوجته السابقة.

وعشيقته بجواره.

لكنها لم تعد تنظر إلى زوجته.

كانت تنظر إليه هو.

قالت ببطء:

— إنت قلتلي إنها كانت مانعاك من الأولاد.

لم يجب.

كررت:

— قلتلي إنها كانت بترفض تخليك تشوفهم.

ظل صامتًا.

فقالت الزوجة السابقة:

— دي مسألة بينكم.

ثم أخذت دفترها.

وتحركت ناحية الباب.

نادى اسمها.

توقفت.

قال:

— إنتِ عملتي كل ده لوحدك؟

نظرت إلى أولادها الواقفين في الخارج ينتظرونها.

ثم عادت بعينيها إليه.

— لأ.

سكتت لحظة.

— عملته معاهم.

وخرجت.

ظل واقفًا في الغرفة.

بعد دقائق، نزل إلى مدخل الفندق.

ومن خلف الواجهة الزجاجية شاهد أبناءه الأربعة يحيطون بأمهم.

كان أحدهم يضحك.

والثاني يأخذ حقيبتها منها.

وابنتها تعدل لها طرف معطفها.

ثم ركبوا السيارة معًا.

لأول مرة منذ خمسة عشر عامًا، فهم الرجل شيئًا لم يفهمه صباح حمل حقيبته ورحل.

هو لم يترك امرأة وأربعة أطفال فقط.

لقد ترك عائلة كاملة…

والعائلة تعلمت كيف تكمل من دونه.

لكن ما لم يكن يعرفه بعد…

أن اجتماع تلك الليلة لم يكن أكبر مشكلة تنتظره.

ففي صباح اليوم التالي، دخل مكتبه ليجد عشيقته واقفة أمام خزانته الحديدية، تحمل ملفًا لم تره من قبل.

فتحت الصفحة الأولى.

وتغير لون وجهها.

ثم رفعت الورقة أمامه وقالت:

— ممكن تفهمني إيه ده؟

نظر الرجل إلى الورقة…

وتجمد.

لأنها لم تكن تخص شركته الحالية.

كانت تحمل اسم زوجته السابقة.

وتاريخًا يعود إلى الأسبوع الذي ترك فيه المنزل منذ خمسة عشر عامًا…

وقفت عشيقته أمامه وهي تمسك الورقة بيد مرتعشة.

— ممكن تفهمني إيه ده؟

لم يرد.

اقتربت منه ووضعت الملف فوق مكتبه بعنف.

— أنا بسألك… ليه اسم مراتك السابقة موجود في أوراق شركة اتأسست بعد ما سبتها بأسبوع واحد؟

جلس ببطء خلف مكتبه.

لأول مرة منذ سنوات، شعر أن الجدران تضيق حوله.

مد يده إلى الملف.

لكنها سحبته بعيدًا.

— لأ… قبل ما تخبيه تاني، أنا عايزة أفهم.

نظر إليها.

— إنتِ لقيتيه فين؟

ضحكت بصدمة.

— ده اللي فارق معاك؟!

ثم فتحت الصفحة الأولى أمامه.

كانت هناك مجموعة مستندات قديمة.

عقد تأسيس.

تحويلات مالية.

صور شيكات.

ومراسلات بين محامٍ وشركة عقارات صغيرة لم يعد لها وجود الآن.

لكن المستند الأخطر كان في الصفحة الأخيرة.

أشارت إليه.

— التوقيع ده توقيعها؟

لم يجب.

كررت:

— توقيع مراتك السابقة ولا لأ؟

قال أخيرًا:

— كان موضوع قديم واتقفل.

— إيه اللي اتقفل؟

— استثمار قديم.

نظرت إليه طويلًا.

— استثمار؟

قلبت الورقة نحوه.

— الورق بيقول إن جزء من رأس المال اللي بدأت بيه شركتك الأولى جاي من قرض بضمان البيت اللي كنتوا عايشين فيه.

صمت.

أكملت:

— والبيت وقتها كان باسمك وباسمها.

ارتفع صوتها:

— إزاي أخدت قرض بضمان نصيبها من غير موافقتها؟

رفع عينيه إليها.

— قلتلك الموضوع قديم.

— يبقى رد!

سكت لحظة طويلة.

ثم قال:

— كنت محتاج الفلوس.

اتسعت عيناها.

— فعملت إيه؟

لم يرد.

اقتربت منه.

— التوقيع ده… هي اللي مضته؟

ظل ساكتًا.

وهنا فهمت.

تراجعت خطوة.

— يا نهار أبيض…

قال بسرعة:

— متكبريش الموضوع.

نظرت إليه كأنها تراه للمرة الأولى.

— متكبرش الموضوع؟ إنت استخدمت توقيع مراتك من غير علمها؟

وقف.

— الشركة كانت هتنجح، وأنا كنت ناوي أسدد كل حاجة قبل ما حد يعرف.

— وهي كانت تعرف؟

— لأ.

— وإنت سبتها بعدها بأسبوع ومعاها أربعة أطفال؟

صرخ:

— أنا سددت جزء كبير من القرض بعدين!

لكنها لم تعد تسمعه.

كانت تقلب بقية الأوراق.

وفجأة توقفت عند مستند آخر.

— استنى…

قرأته مرة.

ثم مرة ثانية.

رفعت عينيها إليه.

— الشركة اللي إحنا شغالين تحت اسمها دلوقتي… بدأت بأصول اتنقلت من الشركة القديمة؟

لم يرد.

قالت:

— يعني لو التوقيع الأول فيه مشكلة…

سكتت.

ثم أكملت ببطء:

— ممكن يبقى فيه مشكلة في سلسلة الملكية كلها؟

اقترب منها وسحب الملف.

— كفاية.

قالت بحدة:

— لأ، مش كفاية.

— الموضوع ملوش علاقة بيكي.

ضحكت.

— ملوش علاقة بيا؟ أنا شريكتك!

ثم أشارت إلى المكتب كله.

— أنا حاطة فلوسي هنا!

خفض صوته:

— محدش يعرف عن الملف ده.

لكنها أجابته بجملة جعلت الدم يهرب من وجهه:

— يمكن حد عرف.

نظر إليها.

— قصدك إيه؟

قالت:

— اجتماع امبارح.

سكتت لحظة.

— ابنك اللي ماسك الشؤون القانونية كان بيسأل أسئلة محددة جدًا.

تجمد.

تذكر الاجتماع.

القرض.

الضمانات.

الإفصاح الكامل.

والطريقة التي كان ابنه ينظر بها إليه.

فتح درج مكتبه بسرعة وأخرج هاتفه.

بحث عن رقم زوجته السابقة.

ظل ينظر إليه لحظات.

خمسة عشر عامًا…

ولأول مرة، لم يعرف بأي صفة سيتصل بها.

ضغط الاتصال.

رن الهاتف.

مرة.

مرتين.

ثلاثًا.

ثم جاء صوتها:

— ألو؟

قال اسمها.

سكتت.

— نعم؟

حاول أن يبدو طبيعيًا.

— محتاج أقابلك.

— بخصوص عرض الشراكة، ابعت للمكتب.

— مش بخصوص الشراكة.

ساد الصمت.

قال:

— بخصوص حاجة قديمة.

جاء صوتها هادئًا بصورة أخافته.

— قديمة قد إيه؟

نظر إلى الملف أمامه.

— خمستاشر سنة.

لم تجبه فورًا.

ثم قالت:

— أخيرًا لقيت الملف؟

توقف عن التنفس للحظة.

— إنتِ… تعرفي؟

— أعرف إيه؟

— متلعبيش معايا.

ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرحة.

— الغريب إنك بعد كل السنين دي لسه فاكر إنك تقدر تكلمني بالطريقة دي.

خفض صوته.

— إمتى عرفتي؟

قالت:

— بعد ما مشيت بتلات شهور.

جلس على الكرسي.

— مستحيل.

— لأ، ممكن جدًا.

ثم أضافت:

— اليوم اللي البنك بعتلي فيه إخطار عن ضمان أنا عمري ما وافقت عليه.

أغمض عينيه.

كل تلك السنوات كان يظن أنها لم تعرف.

سأل:

— ليه ما عملتيش حاجة؟

قالت:

— مين قالك إني ما عملتش؟

فتح عينيه.

— عملتي إيه؟

— قابلني بكرة الساعة عشرة في مكتب المحامية بتاعتي.

— ليه المحامية؟

ردت بهدوء:

— لأن الورقة اللي في إيدك مش نهاية الحكاية.

وأغلقت الهاتف.

في صباح اليوم التالي…

وصل قبل الموعد بعشرين دقيقة.

لم ينم تقريبًا.

عشيقته أصرت على الحضور باعتبارها شريكة في الشركة.

دخل الاثنان مكتب المحاماة.

وكانت زوجته السابقة موجودة بالفعل.

لكنها لم تكن وحدها.

كان ابنها المسؤول عن الشؤون القانونية يجلس بجوارها.

وأمامهما امرأة في أواخر الستينيات.

تعرف عليها فورًا.

كانت المحامية نفسها التي تولت قض..ية الطلاق قبل خمسة عشر عامًا.

قالت المحامية:

— اتفضلوا.

جلس.

لم يضيع وقتًا.

— عايز أعرف إيه اللي بيحصل.

فتحت المحامية ملفًا سميكًا.

— اللي بيحصل إن الماضي اللي حضرتك افتكرته اتدفن، كان متوثق.

وضعت أول مستند أمامه.

— ده إخطار البنك القديم.

ثم الثاني.

— وده تقرير فحص التوقيع اللي اتعمل وقتها.

تغير وجهه.

قالت عشيقته:

— تقرير توقيع؟

أجابت المحامية:

— نعم.

ثم دفعت الورقة نحوها.

— التقرير خلص إلى وجود اختلافات جوهرية تستدعي التحقيق في صحة التوقيع المنسوب لموكلتي.

صرخ الرجل:

— التقرير ده مش حكم!

قال ابنه لأول مرة:

— محدش قال إنه حكم.

نظر إليه.

أكمل الابن:

— لكنه مستند مهم جدًا لو اتفتح نزاع رسمي.

قال الأب:

— وإنت داخل في الموضوع ليه؟

أجابه:

— لأني المستشار القانوني للشركة اللي إنت طالب منها استثمار ملايين معاك.

ثم أضاف بهدوء:

— ولأني ابن الست اللي اسمها موجود على الورق.

تدخلت الأم:

— كفاية.

سكت الجميع.

نظرت إلى زوجها السابق.

— أنا مش جايباك هنا علشان أنتقم منك.

قال بسخرية:

— أمال علشان إيه؟

— علشان عرض الشراكة اللي قدمته.

أشارت إلى الأوراق.

— شركتي مستحيل تدخل في مشروع قبل التأكد من سلامة الأصول والالتزامات.

قالت عشيقته بسرعة:

— يعني لو انسحبنا من طلب الشراكة، الموضوع ينتهي؟

نظرت إليها الأم.

— بالنسبة لشركتي؟ آه.

تنفست المرأة براحة.

لكن المحامية قالت:

— إنما فيه مشكلة تانية.

التفت الجميع إليها.

أخرجت مستندًا حديثًا.

— من حوالي ست شهور، شركة حضرتكم قدمت طلب تمويل جديد.

تغير وجه الرجل.

قالت عشيقته:

— أيوه.

أكملت المحامية:

— ومن ضمن الأصول المقدمة لإثبات قوة المركز المالي، ظهر أصل يرجع في تسلسل مستنداته للشركة القديمة.

نظرت العشيقة إلى شريكها.

— إنت قلتلي إن كل الأصول نظيفة.

قال بعصبية:

— وهي نظيفة.

لكن ابنه فتح ملفًا آخر.

— يبقى مفيش مشكلة إننا نراجع أصل الملكية بالكامل.

ضرب الأب الطاولة بكفه.

— إنتوا عاملين محكمة هنا؟!

نهض الابن الأكبر فجأة من الكرسي الموجود في نهاية الغرفة.

لم يكن الأب قد لاحظ وجوده عند دخوله.

قال:

— محدش بيحاكمك.

نظر الأب إليه بدهشة.

كان الأبناء الأربعة موجودين.

قال الأكبر:

— إحنا جينا علشان ماما طلبت مننا نكون موجودين.

وأضافت الابنة:

— لأن الموضوع مش مجرد شغل بالنسبة لنا.

نظر الأب إليهم.

— وإنتوا عايزين إيه مني؟

لم يجب أحد.

ثم قالت ابنته:

— الحقيقة.

ضحك بمرارة.

— بعد خمستاشر سنة افتكرتوا الحقيقة؟

قالت:

— إحنا عشنا الحقيقة.

سكتت لحظة.

— إنت اللي كنت بعيد عنها.

تدخلت الأم بسرعة:

— إحنا مش هنا علشان نحاسب على الطلاق.

ثم نظرت إلى أولادها.

— ولا على إنه مشي.

وعادت إليه.

— إحنا هنا علشان الورق.

لكن أصغر الأبناء لم يستطع الصمت.

قال:

— طب وأنا عندي سؤال واحد بس.

نظرت إليه أمه.

— لو سمحت…

قال:

— سؤال واحد يا ماما.

ثم نظر إلى أبيه.

— يوم ما مشيت… كنت عارف إن الحساب فاضي؟

ساد صمت ثقيل.

لم يجب الأب.

اقترب الابن خطوة.

— كنت عارف إن مصاريف مدارسنا بعد أسبوعين؟

لم يرد.

— كنت عارف إن ماما باعت العربية؟

قال الأب:

— أنا…

قاطعه:

— كنت عارف ولا لأ؟

قال أخيرًا:

— كنت متوقع إن الأمور تتحل.

ضحك الابن.

لكن عينيه امتلأتا بالدموع.

— تتحل إزاي؟

خفض الأب رأسه.

قال الشاب:

— أنا كنت أصغر واحد.

تنفس بصعوبة.

— فاكر يوم ماما قالتلنا هنروح المدرسة بالمواصلات فترة علشان العربية بتتصلح.

نظر إلى أمه.

— فضلت سنين فاكر العربية فعلًا كانت بتتصلح.

أخفضت الأم عينيها.

تابع:

— وبعدين عرفت إنها باعتها علشان تدفع مصاريفنا.

نظر إلى أبيه.

— وإنت كنت فين؟

لم يجد الرجل إجابة.

قال الابن الأكبر لأخيه:

— خلاص.

لكن الأصغر هز رأسه.

— لأ، مش خلاص.

ثم مسح عينيه بسرعة.

— أنا مش عايز منه فلوس.

ونظر إلى والده.

— ومش عايز اعتذار علشان أريحك.

ثم قال:

— أنا بس كنت عايز أعرف إذا كنت وإنت راكب العربية جنب الست اللي اخترتها، عارف إننا إحنا الأربعة فوق بنستناك ترجع؟

أغمض الأب عينيه.

كانت النجوم الورقية تعود إلى ذاكرته.

رآها بالفعل تلك الليلة.

حين خرج بالحقيبة، رفع عينيه إلى نافذة الطابق العلوي.

كانت هناك أربع نجوم معلقة.

لكنه لم يسأل لماذا.

فتح عينيه.

قال بصوت مكسور:

— شفت النجوم.

توقفت الأم.

حتى هي لم تكن تعرف ذلك.

قال الابن:

— وشفتها ومشيت؟

لم يجب.

وكان صمته كافيًا.

أدار الابن وجهه.

خرج من الغرفة.

تبعه أخوه الأكبر.

ثم أخته.

وبقي الابن القانوني للحظات.

أغلق الملف وقال:

— بالنسبة للشغل، هنرسل لكم قرارنا الرسمي خلال يومين.

ثم نظر إلى أبيه.

— وبالنسبة للباقي…

توقف.

— ده مش قرار شركة.

وخرج.

بعد انتهاء الاجتماع، وقفت الزوجة السابقة لتغادر.

لكن عشيقته نادتها:

— استني.

التفتت إليها.

قالت المرأة:

— ممكن أتكلم معاكي لوحدنا؟

نظر الرجل إليها.

— في إيه؟

قالت دون أن تنظر إليه:

— قلت لوحدنا.

خرجت المرأتان إلى ممر جانبي.

وقفت العشيقة أمام النافذة للحظات.

ثم قالت:

— أنا عارفة إنك شايفاني الست اللي خدت جوزك.

ردت الأخرى:

— أنا بطلت أشوف الموضوع بالشكل ده من زمان.

التفتت إليها.

— أنا صدقت حاجات كتير قالهالي عنك.

لم تعلق.

تابعت:

— قال إن جوازكم كان منتهي قبل ما يعرفني.

ابتسمت الزوجة السابقة بحزن.

— قال إنك كنتوا منفصلين جوه البيت.

— وقال إنك منعتيه من أولاده.

سكتت.

ثم قالت العشيقة:

— وأنا صدقته.

ردت المرأة:

— دي حاجة بينك وبين نفسك.

— إنتِ مش بتكرهيني؟

نظرت إليها.

— كرهتك زمان.

كانت الإجابة صريحة.

ثم أضافت:

— جدًا كمان.

سكتت لحظة.

— لكن كان عندي أربع أطفال محتاجين أم، وشغل محتاجني، وحياة لازم تتبني. مكنش عندي رفاهية أفضل خمسة عشر سنة بكرهك.

خفضت المرأة عينيها.

ثم سألت:

— هو كان بيحبك؟

فوجئت بالسؤال.

قالت:

— مش عارفة.

ثم أضافت:

— ويمكن السؤال نفسه مبقاش مهم.

وقبل أن تمشي، قالت لها عشيقته:

— فيه حاجة لازم تعرفيها.

توقفت.

اقتربت المرأة منها وخفضت صوتها.

— الشركة عندها مشكلة أكبر من القرض.

نظرت إليها.

— مشكلة إيه؟

ترددت.

ثم قالت:

— من شهرين اكتشفت تحويلات مالية مش مفهومة.

— قد إيه؟

ذكرت لها الرقم.

ولأول مرة منذ بداية اللقاء…

تغير وجه الزوجة السابقة.

كان المبلغ ضخمًا.

سألت:

— التحويلات راحت فين؟

قالت:

— لشركة مسجلة باسم شخص أنا معرفوش.

— اسمها إيه؟

أخرجت هاتفها.

فتحت صورة مستند.

ومدته لها.

قرأت الاسم.

توقفت.

قرأته مرة أخرى.

ثم رفعت عينيها ببطء.

— إنتِ متأكدة؟

— آه.

أعادت لها الهاتف.

— الاسم ده أنا أعرفه.

— مين؟

نظرت ناحية باب غرفة الاجتماع حيث كان زوجها السابق لا يزال موجودًا.

ثم قالت:

— ده اسم المحامي القديم اللي كان بيمثله في قض..ية الطلاق.

تجمدت المرأة.

لكن المفاجأة لم تكن هنا.

ففي المساء…

عندما عادت الأم إلى منزلها، وجدت ابنها القانوني ينتظرها ومعه نسخة من ملف قديم.

وضعه أمامها.

— ماما… لقيت حاجة غريبة.

جلست.

— إيه؟

فتح صفحة في منتصف الملف.

— فاكرة أول دفعة كبيرة دخلت مشروعك من خمستاشر سنة؟

ابتسمت.

— طبعًا. عقد المطاعم.

هز رأسه.

— مش بتكلم عن أرباح العقد.

ثم أشار إلى رقم تحويل.

— بتكلم عن المبلغ اللي دخل حساب الشركة بعدها بشهر.

نظرت إلى الرقم.

كانت تتذكره.

قالت:

— ده كان تسوية من البنك بعد النزاع القديم.

— ده اللي إنتِ كنتِ فاكراه.

رفعت عينيها إليه.

دفع إليها مستندًا آخر.

— أنا تتبعت مصدر التحويل.

قرأته.

وشحب وجهها.

قال ابنها:

— الفلوس ماجتش من البنك.

سألته:

— أمال جت منين؟

جلس أمامها.

ثم قال الجملة التي قلبت كل ما كانت تعرفه عن بداية حياتها الجديدة:

— الفلوس اتحولت من حساب باسم جدتي.

اتسعت عيناها.

— جدتك مين؟

نظر إليها مباشرة.

— أم بابا.

تراجعت في مقعدها.

حماتها؟

نفس المرأة التي جاءت إليها صباح رحيل ابنها وقالت لها:

ابني اختار حياة تانية… وإنتِ لازم تكوني واقعية.

نفس المرأة التي طلبت منها بيع البيت.

همست:

— مستحيل.

قال ابنها:

— وفي حاجة أغرب.

أخرج ظرفًا قديمًا مصفرًا من الملف.

كان مغلقًا.

وعليه اسمها بخط اليد.

قال:

— الظرف ده كان محفوظ مع أوراق المحامية القديمة.

نظرت إلى الخط.

عرفته فورًا.

كان خط حماتها.

وعلى ظهر الظرف كُتبت جملة واحدة:

“لا تسلميها هذه الرسالة إلا إذا عاد ابني يومًا طالبًا شيئًا منها.”

ظلت تحدق في الكلمات.

خمسة عشر عامًا…

والرسالة تنتظر.

مدت يدها ببطء.

فتحت الظرف.

وأخرجت ورقة مطوية.

بدأت تقرأ.

ومع أول ثلاثة أسطر…

رفعت يدها إلى فمها.

لأن حماتها كتبت في بداية الرسالة:

“لو الرسالة دي وصلت لكِ، يبقى ابني رجع لحياتك لسبب ما… ولازم تعرفي إن اليوم اللي جه فيه بيتي وقال إنه هيسيبك، أنا اكتشفت حاجة عنه خوفتني أكتر من الخيانة نفسها.”

توقفت عن القراءة.

نظر إليها ابنها.

— ماما… إيه المكتوب؟

رفعت عينيها إليه.

ثم عادت إلى الرسالة.

وكان السطر التالي:

“عشان كده حولت لكِ الفلوس في السر… وعشان كده طلبت منكِ تبيعي البيت، مش علشان أطردك منه… لكن لأني كنت عارفة إن ابنـي استخدم البيت في حاجة أخطر بكتير من اللي قاله لكِ.”

— ليه محدش قاللي؟

— إحنا أصلًا معرفناش غير من فترة قريبة.

وضعت الرسالة على الطاولة.

وبعد ساعة واحدة…

كانت في الطريق إليها.

دخلت الغرفة فوجدت امرأة عجوزًا تجلس بجوار النافذة.

شعرها أصبح أبيض بالكامل.

وظهرها انحنى.

لكنها عرفتها فورًا.

رفعت حماتها عينيها.

ظلت تنظر إليها ثواني طويلة.

ثم قالت:

— كنت عارفة إنك هتيجي في يوم.

لم تجلس.

أخرجت الرسالة.

— ليه؟

نظرت العجوز إليها.

— ليه إيه؟

— ليه مقولتيليش؟

أغمضت حماتها عينيها.

— لأني كنت جبانة.

كانت تتوقع تبريرًا.

لكن الإجابة أوقفت غضبها للحظة.

قالت العجوز:

— ابني الوحيد. وكل مرة كان يغلط، كنت أقول لنفسي أصلحه من وراه. أسدد ديونه. أكلم الناس. أخبي مشاكله.

نظرت إليها.

— لحد ما صدق إن مفيش غلطة ليها تمن.

قالت الزوجة السابقة:

— وأنا دفعت التمن.

هزت العجوز رأسها.

— إنتِ وولادك.

ثم نزلت دمعة على خدها.

— وعارفة إن كلمة آسفة مش كفاية.

جلست أمامها.

— الفلوس اللي اتحولتلي…

— كانت مني.

— ليه؟

— علشان أحفادي.

تنفست العجوز ببطء.

— ولأني كنت عارفة إن ابني مش هيدفع.

قالت:

— طب ليه طلبتي مني أبيع البيت؟

أجابت:

— كنت عايزاكي تخرجي من أي التزامات مرتبطة بيه. لكنك رفضتي.

ابتسمت ابتسامة باهتة.

— وعنيدة زي ما إنتِ… قدرتي تحتفظي بالبيت بعد ما محاميتك فصلت النزاع عنه.

سكتت الزوجة.

ثم سألت:

— التحويلات الجديدة اللي بتطلع من شركته للمحامي القديم… تعرفي عنها حاجة؟

اختفت الابتسامة من وجه العجوز.

— لسه بيعملها؟

— يعمل إيه؟

نظرت ناحية الباب.

ثم قالت:

— المحامي ده كان بيحل له مشاكله من زمان.

— إزاي؟

— شركات صغيرة… حسابات… عقود.

توقفت.

— أنا معرفش التفاصيل، ومش هتهمه بحاجة معرفهاش. لكن لو فيه أوراق، خلي المحامين والمحاسبين يراجعوها.

نهضت الزوجة السابقة.

قبل أن تغادر، نادتها العجوز:

— استني.

التفتت.

قالت حماتها:

— الأولاد عاملين إيه؟

ابتسمت للمرة الأولى.

— كويسين.

— طلعوا شبهك؟

فكرت قليلًا.

ثم قالت:

— طلعوا نفسهم.

ضحكت العجوز وسط دموعها.

بعد أيام، أرسلت شركة الزوجة السابقة قرارها الرسمي.

رفض الشراكة.

لم يكن القرار انتقامًا.

كانت التقارير المالية وحدها كافية لاعتبار الصفقة مخاطرة لا تناسب الشركة.

وفي الوقت نفسه، بدأت عشيقة الزوج السابق تطلب مراجعة مستقلة لحسابات شركتهما.

وهنا بدأت المشاكل الحقيقية تظهر.

لم تكن كل الأموال مختلسة كما ظنت في البداية.

ولم يكن كل شيء جر..يمة ضخمة كما خافت.

لكن المراجعة كشفت شيئًا كافيًا لهدم الثقة بينهما:

ديون أكبر مما كانت تعرف.

أصول تم تقييمها بأرقام مبالغ فيها.

تحويلات لشركات مرتبطة بالمحامي القديم مقابل خدمات واستشارات لم تكن موثقة بصورة كافية.

وضمانات شخصية أخفاها عنها.

وفي اجتماع مجلس الإدارة، وضعت الملف أمامه.

— إنت خبيت عني كل ده.

قال:

— كنت بحاول أحافظ على الشركة.

ردت:

— بنفس الطريقة اللي كنت “بتحافظ” بيها على بيتك القديم؟

رفع رأسه.

— متدخليش حياتي القديمة في شغلنا.

قالت:

— حياتك القديمة هي اللي دخلت شركتنا.

ثم دفعت إليه ورقة.

— أنا طلبت تجميد أي استثمار جديد لحد ما المراجعة تخلص.

وقف بعنف.

— دي شركتي.

نظرت إليه.

— لأ.

ثم أضافت:

— دي أول غلطة أنا عملتها. إني صدقت إنها شركتك لوحدك.

وغادرت.

خلال الشهور التالية، لم تنهَر الشركة في يوم وليلة.

لكنها بدأت تبيع بعض الأصول لسداد التزاماتها.

توقفت مشروعات.

وانسحب مستثمرون من صفقات كانت لا تزال تحت التفاوض.

أما الجهات المختصة، فتولت مراجعة ما يستحق المراجعة من مستندات قديمة وحديثة، دون أن تحاول الزوجة السابقة أن تلعب دور القاضي.

قال لها ابنها القانوني:

— نسيب الورق ياخد طريقه.

أجابته:

— بالضبط.

ثم أضافت:

— إحنا مش هنعيش حياتنا مستنيين نشوف هو هيحصل له إيه.

كانت تلك أهم جملة.

لأنها لم تبنِ خمسة عشر عامًا لتعود وتجعل حياتها تدور حول الرجل نفسه.

بعد حوالي ستة أشهر…

كانت الأسرة تستعد لافتتاح أكبر مركز توزيع في تاريخ شركتهم.

قبل الافتتاح بساعات، وقفت الأم في مكتبها الجديد أمام نافذة ضخمة.

في الأسفل كانت عشرات الشاحنات مصطفة.

دخل ابنها الأكبر.

— جاهزة؟

قالت:

— تقريبًا.

لاحظ شيئًا فوق مكتبها.

الدفتر الصغير القديم.

نفس الدفتر الذي بدأت به منذ خمسة عشر عامًا.

أمسكه.

— لسه محتفظة بيه؟

ضحكت.

— ده أغلى حاجة في المكتب.

فتح الصفحة الأولى.

كانت مليئة بأرقام صغيرة.

مصاريف مدارس.

كهرباء.

طعام.

مواصلات.

وفي أسفل الصفحة عملية حسابية محاطة بدائرة.

قال:

— دي كانت ميزانية البيت؟

— أيوه.

قلب الصفحة.

وجد أول قائمة لمتاجر تعاملت معها.

ثم أول عقد.

ثم أسماء الموردين.

قال:

— غريبة.

— إيه؟

— أكبر شركة توزيع في المنطقة بدأت في نفس الدفتر اللي كنتِ بتحسبي فيه مصاريف اللبن والمدرسة.

نظرت إليه.

— أغلب الحاجات الكبيرة مبتبدأش كبيرة.

ثم أخذت الدفتر منه.

— ساعات بتبدأ لأنك معندكيش اختيار غير إنك تكملي.

دخل بقية إخواته.

قال الأصغر:

— الناس كلها مستنياكي تحت.

ردت:

— يلا.

لكن قبل خروجها، رن هاتفها.

رقم غير مسجل.

ردت.

جاءها صوت تعرفه.

— ممكن أشوفك خمس دقايق؟

صمتت.

كان زوجها السابق.

قالت:

— أنا عندي افتتاح النهارده.

— عارف.

سكت.

— أنا واقف بره.

نظرت من النافذة.

وعند البوابة الخارجية…

كان واقفًا وحده.

خرجت إليه.

لم يكن الرجل الذي قابلته في الملتقى قبل شهور.

بدت عليه علامات الإرهاق.

قال:

— مش هاخد من وقتك كتير.

انتظرت.

نظر إلى المبنى الضخم خلفها.

— كل ده بتاعك؟

قالت:

— بتاع الشركة.

ابتسم بمرارة.

— لسه زي ما إنتِ.

— لأ.

نظرت إليه.

— اتغيرت جدًا.

هز رأسه.

— صح.

ساد الصمت.

ثم قال:

— أنا وعشيقتي انفصلنا.

لم تعلق.

قال بسرعة:

— مش جاي أقولك علشان…

قاطعته:

— حياتك الشخصية تخصك.

هز رأسه.

— عارف.

ثم نظر إلى الأرض.

— أنا جيت علشان الأولاد.

سألته:

— مالهم؟

— عايز أحاول أصلح علاقتي بيهم.

قالت:

— كلهم كبار.

— عارف.

— يبقى كلمهم هما.

رفع عينيه.

— هيسمعوني؟

قالت:

— معرفش.

— ممكن تساعديني؟

تأملت وجهه.

خمسة عشر عامًا مضت منذ أن وقف عند الباب بحقيبته وقال لها:

هييجي يوم وتتصلّي بيا.

والآن…

هو الذي جاء إليها.

لكنها لم تشعر بالانتصار الذي كانت تتخيله في سنواتها الأولى.

لا شماتة.

ولا رغبة في إذلاله.

فقط هدوء.

قالت:

— أنا مش هضغط عليهم علشان يقربوا منك.

سكت.

— ومش هضغط عليهم علشان يبعدوا عنك.

نظر إليها.

أكملت:

— لو عايز علاقة معاهم، ابدأ من غير أعذار.

— يعني؟

— متقولش أمكم منعتني. متقولش الظروف. متقولش الشغل. ومتقولش إنك كنت صغير ومش فاهم.

ثم قالت:

— قول الحقيقة.

سأل:

— وهي إيه؟

أجابته:

— إنك اخترت تمشي… وبعدها اخترت كل يوم إنك متصلحش اللي عملته.

خفض رأسه.

كانت الجملة قاسية.

لكنها كانت صحيحة بالنسبة لما عاشته هي وأولادها.

قال:

— وإنتِ؟

— أنا إيه؟

— ممكن تسامحيني؟

تأملت السؤال.

ثم قالت:

— أنا سامحت من زمان.

رفع رأسه بسرعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى