في سن ال ٦٥

قال آرثر:
— ماذا كان مكتوبًا عليها؟
ابتلعت ريقي.
— لم أقرأها.
— لماذا؟
— لأن أبي أخذها مني.
تذكرت ذلك اليوم بوضوح.
كان أبي رجلًا هادئًا، لكنه في تلك اللحظة بدا مرعوبًا.
انتزع الورقة من يدي.
وقال لي:
«انسِي أنك رأيتِ هذا.»
لكنني لم أنسَ.
ولم أنسَ أيضًا ما قاله بعدها لأمي.
كان يعتقد أنني لم أسمعه.
لكني سمعته.
قال:
«إذا عرفوا أن الورقة وصلت إلى الأطفال، فسنكون جميعًا في خطر.»
في ذلك الوقت، لم أفهم ماذا كان يقصد.
كنت طفلة.
وبعد سنوات، مات أبي.
ثم ماتت أمي.
ومرت العقود.
حتى نسيت تقريبًا تلك الحادثة.
إلى أن رأيت اللوحة أمامي في أستراليا.
قلت لآرثر:
— هل تسمح لي أن أنزلها؟
تردد.
ثم قال:
— بالتأكيد.
أنزلنا اللوحة من فوق المدفأة.
وضعتها على الأرض.
قلبناها.
وكان ظهرها مغطى بطبقة قديمة من الورق.
بدأت أبحث عن شيء.
— ماذا تفعلين؟
قلت:
— أبحث عن مكان مخفي.
مررت أصابعي على الإطار.
ثم شعرت بشيء.
نتوء صغير.
ضغطت عليه.
صدر صوت خفيف.
وانفتح جزء صغير من الإطار.
نظرنا أنا وآرثر إلى بعضنا البعض.
كان هناك ظرف قديم جدًا.
بني اللون.
ومغلق بعناية.
أخرجته بيدين مرتجفتين.
وكان اسمي مكتوبًا عليه.
اسمي أنا.
لم أستطع التنفس.
قال آرثر:
— كيف يمكن أن يكون اسمك عليه؟
لم أجب.
لأنني كنت أرى شيئًا آخر.
تحت اسمي كان هناك تاريخ.
كان التاريخ قبل ستة وخمسين عامًا.
أي قبل أن أغادر بلدتي بوقت قصير.
جلست على الأرض.
فتحت الظرف.
وكان بداخله خطاب واحد.
بدأت أقرأ.
وفي أول سطر فقط، شعرت أن عالمي كله انقلب رأسًا على عقب.
كان الخطاب من أبي.
وكان يقول:
«ابنتي العزيزة…
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة الآن، فهذا يعني أنني لم أستطع إخبارك بالحقيقة بنفسي.»
توقفت.
كانت عيناي تمتلئان بالدموع.
أكملت القراءة.
«لقد أمضيت حياتي أحاول حمايتك أنتِ وإخوتك من سر لم يكن من حقكم أن تعرفوه وأنتم أطفال.
لكن هناك شيء يجب أن تعرفيه.
المنزل الذي عشتِ فيه طوال طفولتك…
لم يكن منزلنا أصلًا.»
رفعت رأسي نحو آرثر.
كان يحدق بي في صمت.
تابعت:
«قبل ولادتك بسنوات، حدث شيء غيّر حياتي وحياة عائلتنا إلى الأبد.
وهذه اللوحة هي الدليل الوحيد الذي بقي معي.
إذا وصلت إليك يومًا، فلا تثقي في أي شخص يخبرك أن عائلتك كانت فقيرة أو أن كل ما امتلكناه جاء من عمل والدك.
هناك أموال…
وأموال كثيرة.
لكنها لم تكن أموالنا.
وقد حاولت طوال حياتي أن أعيدها إلى أصحابها.»
توقفت عن القراءة.
كان قلبي يخفق بعنف.
ثم وجدت جملة أخيرة في أسفل الصفحة:
«إذا وجدتِ اللوحة، ابحثي عن الرجل الذي اشتراها منكِ دون أن يعرف من أنتِ.
إنه يعرف الحقيقة.»
نظرت إلى آرثر.
لم يتحرك.
قلت:
— أنت تعرف شيئًا.
ظل صامتًا.
— أليس كذلك؟
خفض رأسه.
ثم قال بصوت خافت:
— كنت أتساءل متى ستصلين إلى هذه النقطة.
شعرت بالصدمة.
— ماذا تقصد؟
اقترب مني.
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.
وضعها أمامي.
كانت الصورة بالأبيض والأسود.
رجل يقف أمام كوخ بجوار بحيرة.
وبجانبه رجل آخر.
حدقت في الرجل الثاني.
عرفته فورًا.
كان والدي.
لكن الرجل الذي يقف بجانبه…
كان والد آرثر.
قال آرثر:
— والدي لم يكن مجرد الشخص الذي باعني اللوحة.
— كان يعرف والدك.
— وكان الاثنان يحتفظان بسر واحد طوال حياتهما.
ثم أضاف:
— وأنا لم أدعُك إلى منزلي بالصدفة.
نظرت إليه مذهولة.
— ماذا؟
قال:
— عندما رأيت اسمك في الفندق الذي كنت تقيمين فيه، أدركت من أنتِ.
تراجعت خطوة.
— كيف عرفت اسمي؟
أجاب:
— لأن والدك ترك لي رسالة أيضًا.
ثم أخرج ظرفًا ثانيًا من درج الطاولة.
وعلى وجهه كان اسمي.
لكن هذه المرة…
كان هناك شيء مكتوب أسفل اسمي.
جملة واحدة فقط:
«أخبرها بالحقيقة عندما تبلغ التاسعة والستين.»
رفعت رأسي إليه.
— لماذا التاسعة والستين؟
نظر آرثر إلى اللوحة.
ثم قال:
— لأن والدك كان يعرف أنك في هذا العمر تحديدًا ستكونين قد بعتِ منزلك، وتركتِ أبناءك، وبدأتِ أخيرًا تعيشين حياتك.
سألته:
— وما علاقة ذلك بالسر؟
ابتسم بحزن.
— لأنك لو لم تبيعي منزلك…
ولو لم تسافري…
ولو لم تقابلي الرجل الخطأ في الوقت الخطأ…
لم نكن لنجدك أبدًا.
ثم فتح الظرف الثاني.
وأخرج منه مفتاحًا صغيرًا.
وضعه في يدي.
— هذا المفتاح كان مع والدك.
نظرت إليه.
وعلى طرفه كان محفورًا عنوان.
عنوان منزل طفولتي.
المنزل الذي كنت أظن أنني بعتُه منذ سنوات طويلة.
لكن آرثر قال:
— المنزل لم يُبع كما أخبروك.
توقفت أنفاسي.
— ماذا تقول؟
قال:
— هناك شخص ما احتفظ به طوال هذه السنوات.
— وكان ينتظر عودتك.
وفي تلك اللحظة، فهمت شيئًا واحدًا فقط:
ربما لم تكن رحلتي حول العالم هروبًا من عائلتي كما ظن أبنائي.
ربما كانت الرحلة التي قادتني أخيرًا…
إلى الحقيقة التي أخفاها الجميع عني طوال حياتي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




