عام

الاوضة اللي ساكن فيها

اللي ساكن فيها كانت حر  مع اني غيرت اربع مرات ياما حذروني صحابي وجيراني منها وقالولي انها منحوسه وفال بس اللي شوفته فيها  في عروقي الأوضة اللي أنا قاعد فيها دي، حوالي 300 يوم في السنة حرارتها ثابتة على 38 درجة. ​ومش ببالغ والله..

​ده الرقم اللي ظاهر باللون الأحمر الفاقع على التيرمومتر الديجيتال اللي معلقه على الحيطة: 38°C.
​رقم كفيل يخليك تحس إنك جوه حلة بريستو.
​وعشان الرقم ده، أنا غيرت 4 تكييفات.
​جبت الماركات المصري والمستورد، ومن أول الـ 1.5 حصان لحد الـ 3 حصان.
​وكل مرة الصنايعي يركب التكييف، يخبط على صدره بثقة ويقولي:
​”عيب يا أستاذ “يحيى”، ده تكييف جبار، ده يخليلك تلاجة، ولو فتحت الباب هيسقع الصالة بالمرة!”
​وأنا أصدق.
​أشغل التكييف، أظبطه على 18، وأعلى سرعة للمروحة.
​أسمع صوت الموتور بره بيزأر

زي الأسد .
​والهواء الساقع طالع بريحة الفابريكا.
​أنام وأنا عندي بصيص أمل..
​بس بعد نص ساعة..
​البرودة بتتبخر.
​الهواء لسه شغال، بس مابقاش ساقع.. بقى هواء فاتر ملوش طعم.
​والتيرمومتر اللي على الحيطة، أرقامه الحمراء تبدأ ترفع ببرود من 28 لـ 30، وبعدين 35.. لحد ما ترشق عند 38.
​مابيتغيرش سنتي واحد.
​أربعة تكييفات.. أربع مرات أمل.. وأربع مرات قهر.
​الفلوس اللي صرفتها كانت تخليني أدفع مقدم في الأرياف.
​بس اللي خدته في الآخر هو عداد كهرباء بيلف زي المجنون، وأوضة قالبة “سونا”.
​جبت كل اللي أعرفهم يشوفوا الحوار ده.
​صاحبي “وائل” جه مرة، مكملش دقيقتين القميص وعرقه بقى يشر.
​فضل يلف في الأوضة وعامل لي فيها “خبير” وقال بصوت واطي:
​”بقولك إيه يا يحيى، دي طاقتها وحشة، دي “مكشوفة” والحرارة فيها مش طبيعية.. أنت لازم تجيب حد يقرأ
في المكان.”
​طردته بره طبعاً.
​جارتي “طنط هدى” كل ما تشوفني تبص لي بصة شفقة وتقول:
​”يا حبيبي يا “يحيى”، ما هو السكن في الروف كده، الصهد بياكل في السقف والشمس مابترحمش.”
​بس إحنا دلوقتي في الخريف!
​ده ساعات بنبقى في عز الشتاء والجو بره تلج، وأنا أوضتي لسه فرن.
​حتى مدير أمن الكومباوند جه، راجل أربعيني لابس اليونيفورم، ومعاه جهاز قياس وفضل يلف في الأركان.
​وفي الآخر قالي ببرود:
​”الكهرباء تمام، يمكن أنت محمل أجهزة كتير والجهد .”
​شاورت له على الأوضة اللي مفيهاش غير تكييف وتلاجة صغيرة.
​ضحك بابتسامة صفراء وقال “هنبعت حد يفحص تاني” ومجاش من ساعتها.
​كنت حاسس إني عايش في جزيرة معزولة عن العالم.. جزيرة ناشفة ومحرقة، القوانين الفيزيائية فيها بايظة.
​لحد ما جه ميعاد التكييف الخامس.
​ده بقى جبته “بواسطة”، تكييف مخصص لغرف السيرفرات الكبيرة.. بيسموه
“ملك التبريد”.
​جولي اتنين صنايعية قدام في الشغلانة، مبيتكلموش كتير.
​خلصوا تركيب، وواحد منهم قالي وهو بيلم عدته:
​”يا أستاذ، الجهاز ده غشيم، شغله على الهادي عشان متتعبش من السقعة.”
​ودعتهم وقفلت الباب، وبصيت للتكييف الجديد وأنا بعلق عليه أخر أمل ليا.
​دوست على الريموت.
​صوت الموتور كان قوي ومطمئن.. هواء متلج لدرجة إنه عمل “شبورة” بيضاء قدامي.
​التيرمومتر بدأ ينزل بسرعة.
​كنت هعيط من الفرحة.. أخيراً هعيش بني آدم.
​نمت واتغطيت بلحاف خفيف، مستمتع باللحظة اللي افتقدتها من سنين.. وغرقت في .
​مش عارف فات قد إيه..
​بس فقت على “هبّة” حرارة خبطت في وشي.
​جسمي كان غرقان عرق، واللحاف لزق على جلدي.
​قمت مفزوع.
​الأوضة هس.. مفيش صوت غير مروحة التكييف.
​التكييف شغال، بس الهواء.. بقى دافي.
​بصيت على التيرمومتر: 38°C.
​في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت
تماماً.
​مابقتش غضبان، ولا حتى يائس.
​جالي هدوء مرعب.

فضلت نايم على السر0ير، وباصص للسقف.
​سقف “جبسن بورد” أبيض ومستوي.
​قديمة، وسقفها كان عالي فصاحبها القديم عمل السقف ده كديكور.
​عمري ما فكرت أقرب منه.
​بس المرة دي، كنت باصص له ومبرق.
​التكييف متعلق تحت السقف ده بالظبط.
​فكرة نورت في دماغي زي البرق.
​العيب مش في التكييف.. ولا في الكهرباء.. ولا في الدور الأخير.
​المشكلة جوه الأوضة دي.. في حتة أنا مش شايفها.
​قمت وقفت عند الشباك، باصص على أضواء القاهرة والزحمة.
​بس عالمي أنا مكنش فيه غير الفرن ده.
​قررت.. أنا ههده.
​بلاطة.. بلاطة.
​​تاني يوم الصبح، نزلت “الموان” اللي في الشارع ورجعت ومعايا صنايعي.
​كان اسمه “الأسطى رجب”، راجل فوق الخمسين، رفيع بس عينيه زي الصقر.
​دخلته الأوضة وشاورت على السقف:
​”يا أسطى رجب، عايزك تشيل لي السقف ده كله.”
​بص للسقف باستغراب:
​”يا أستاذ، السقف زي الفل وحرام تكسره، ده متكلف!”
​”حران يا أسطى.. شيله.”
​مسألش تاني، قالي السعر، ودفعت له فوراً.
​”هتبدأ إمتى؟”
“دلوقتي حالا.”
​نزل جاب عدته، وأنا بدأت أفضي الأوضة.. غطيت  والمكتب بمشمع بلاستيك.
​الأوضة بقى شكلها زي المدافن المهجورة.. وكل ده وهي لسه بتغلي.
​رجع الأسطى رجب ومعاه شنطة العدة والعتلة والسلم الألمونيوم.
​نصب السلم في نص .
​”ابعد شوية يا أستاذ عشان العفرة.

​وقفت عند الباب.. قلبي كان بيدق بسرعة مش عارف ليه.. خوف ولا ترقب؟
​طلع السلم، خبط على السقف بإيده:
​”الخشب والحديد اللي شايل تقال.. شغل نظيف.”
​وبعدين غرز العتلة في الفاصل بين البلاطات.. وضغط بكل قوته.
​”ترااااخ!”
​صوت قوي.. الجبس .
​علينا ريحة كمكمة وتراب قديم .
​كرمش وشه بس كمل.. بدأ حتة ورا حتة.
​ظهرت “فتحة” سودة في السقف.
​وقفت مكاني مسمر، باصص للفراغ الضلمة اللي فوق.. مش شايف حاجة.
​الأسطى رجب وقف وطلع كشاف صغير من جيبه.
​”استنى أما أشوف لك إيه اللي فوق ده.”
​ضر0ب الكشاف جوه..
​وفجأة.. ثبت.
​ماتحركش.. ولا نطق.. ولا حتى رمش.
​بس الكشاف في إيده كان  خفيفة.
​ثانية.. اتنين.. عشرة..
​”يا أسطى رجب؟” ندهت عليه.
​مردش.
​”يا أسطى، في إيه؟ شفت إيه؟”
​اتلفت لي فجأة، ووشه كان لونه مخطوف.. عينه مليانة مش طبيعي.
​بلع ريقه بصعوبة.. فتح بقه يحاول يتكلم، بس صوته مطلعش.
نزل الأسطى رجب من على السلم بخطوات مهزوزة، لدرجة إنه كاد يقع لولا إنه ساند على الحيطة. وشه اللي كان أسمر من الشمس بقى لونه أصفر باهت زي الورق القديم. لم عدته في الشنطة بإيد ، وعينه مش مفارقة الفتحة اللي في السقف.
​”أنا ماشي يا أستاذ يحيى.. فلوسك أهي، مش عايز منها مليم، بس اعتبرها نصيحة لوجه الله.. سيب
دي الليلة، وما تباتش فيها دقيقة واحدة!”
​قال الكلمتين دول وجري على باب وكأنه بيهرب من عزرائيل، سابني واقف في نص ، والسكوت اللي حل فجأة كان أتقل من الحرارة نفسها. بصيت للسلم الألمونيوم اللي لسه واقف في نص ، وبصيت للفتحة السوداء اللي بتبص لي زي عين عملاقة.
​الظلام اللي فوق السقف الساقط مكنش ظلام عادي، كان تحس إنه “كتلة” سوداء ليها وزن. سحبت الكشاف اللي وقعه الأسطى رجب من الخضة، ورجلي طلعت السلم درجة درجة. كل ما بطلع لفوق، الحرارة بتزيد بشكل مرعب، مش حرارة شمس، دي كانت حرارة “أنفاس”.
​وصلت لآخر درجة، وبقيت موازي للفتحة. ريحة الكمكمة بقت ريحة حاجة “”، . وجهت الكشاف جوه الفراغ.. وفي أول ثانية، مكنتش فاهم أنا شايف إيه.
​كان فيه “فرشة” كاملة محطوطة فوق الجبسن بورد، قديمة ومهلهلة، وكتب ورقها دايب، بس مش ده اللي جمد في عروقي. في ركن الفراغ، فوق التكييف الجديد بالظبط، كان فيه “شخص” قاعد.. أو ده اللي افتكرته في الأول.
​كان كيان نحيف جداً، لدرجة إنك تقدر تعد فقرات ضهره، لون جلده كان رمادي غامق كأنه متغطي بالرماد. الكيان ده كان قاعد “متربع”، وحواليه دايرة من الشموع السوداء اللي مخلصتش، والحرارة كلها كانت طالعة منه هو! كان عامل زي “دفاية”
بشرية بتشع صهد الروح.
​لما ضوء الكشاف جه على وشه، لف راسه ببطء.. ببطء مرعب. مكنش ليه عينين، كان مكانهم ، بس كان “شايفني”. فتح بقه اللي كان عبارة عن  لحد ودانه، وطلع منه صوت فحيح زي غليان الزيت:
“لسه بدري.. لسه مابقتش جاهزة.”
​في اللحظة دي، شفت “الترمومتر” الديجيتال اللي على الحيطة من بعيد، الأرقام بدأت تجري جنون: 40.. 45.. 50.. وبدأ البلاستيك بتاع التكييف الجديد “

​عرفت وقتها إن الأربعة تكييفات اللي باظوا مكنش عيب صناعة.. الكيان ده كان بيمتص “البرودة” عشان يغذي اللي جواه. رميت الكشاف وجريت، نزلت السلم في خبطة واحدة، وخرجت من باب اللي عليا.
​وأنا بقفل الباب، سمعت صوت ضحكة مكتومة طالعة من سقف الأوضة، وصوت “تكة” الترمومتر وهو من كتر السخونية. نزلت الشارع وأنا بلهث، وبصيت لفوق على شباك .. شفت دخان أبيض خفيف طالع من الشباك، بس الجيران كانوا ماشيين عادي، محدش حاسس باللي بيحصل، لأن دي كانت “أنا” وحرارتها “ليا أنا” لوحدي.
​من يومها وأنا ساكن في فندق، مش قادر أقرب من الشارع كله، وكل ما حد يسألني سيبت ليه، بفتكر الكيان الرمادي وهو متربع فوق راسي، وبفتكر الكلمة اللي قالها “لسه مابقتش جاهزة”.
. والسؤال اللي بياكل عقلي دلوقت: هو كان بيجهز .. لمين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى