قصص و روايات

وداد

“لسه واقفة؟ أمى قالتلك تعملى إيه؟ ولا مستنية حد يخدمك؟”

ردت بصوت مكسور:

“هعمل كل حاجة… متقلقش.”

قال بسخرية:

“أهو ده اللى انتى شاطرة فيه… الخدمة.”

الكلمة نزلت عليها زى السكينة.

ولأول مرة، شفت وداد ترفع وشها وتبص له بنظرة كلها وجع، لكن من غير ما ترد.

.وداد وقفت مكانها، وكانت بتحاول تمنع دموعها تنزل.

بصت له وقالت بصوت كله وجع:

“حرام عليك… أنا تعبانة بجد.”

رد عليها ببرود وهو بيقلب وشه:

“وإيه يعنى؟ التعب مش هيخلص شغل البيت.”

قالت وهى بتحط إيدها على قلبها:

“أنا من امبارح ماكلتش لقمة، ولا نمت ساعة من كلامك ليا.”

ضحك بسخرية وقال:

“دى مشكلتك.”

وقتها رفعت عينيها فيه لأول مرة، وقالت بصوت مهزوز لكنه واضح:

“أنا مطلبتش أتجوزك… ولا جريت وراك. انتوا اللى جيتوا طلبتونى من بيت أبويا، وأبوك بنفسه قال إنى بنت محترمة وهشيلك فوق راسى.”

سكت ثانية وكملت والدموع نازلة على خدها:

“لو كنت شايفنى خدامة… ليه وافقت تتجوزنى؟ كنت قول لأهلك من الأول.”

وشه احمر من الغضب، وقرب منها وقال بعصبية:

“بتردى عليا؟”

قالت وهى بتمسح دموعها:

“لا… أنا بس بفكرك بالحقيقة. أنا خرجت من بيت أبويا مكرمة، محدش عمره أهانى ولا عايرنى بفقر أهلى. أبويا يمكن موظف بسيط، لكنه ربانى على الكرامة.”

قبل ما تكمل، رفع إيده كأنه هيضربها.

فى اللحظة دى، الباب اتفتح فجأة.

كان حمايا واقف على الباب، بعد ما سمع آخر كلام وداد… أما جوزها فتجمد مكانه وهو شايف أبوه واقف قدامه.

فضل حمايا واقف على الباب ثوانى، وعينه رايحة جاية بين ابنه ووداد.

وداد أول ما شافته نزلت عينها بسرعة ومسحت دموعها بطرف الطرحة، كأنها خايفة حد يشوف ضعفها.

أما جوزها فحاول يغير نبرة صوته وقال:

“خير يا حاج… كنت بهزر معاها.”

حمايا قال بحدة:

“هو ده هزار؟”

سكت ابنه.

بص حمايا لوداد وقال بهدوء:

“ادخلى ارتاحى شوية يا بنتى.”

لكن قبل ما تتحرك، حماتى طلعت على السلم بعد ما سمعت الأصوات.

أول ما فهمت إن حمايا واقف مع وداد، قالت بسرعة:

“أكيد وداد هى اللى ردت عليه. عمر ابنى ما يزعق من نفسه.”

وداد فتحت بوقها عشان تدافع عن نفسها، لكن حمايا رفع إيده وقال:

“محدش يتكلم.”

بص لابنه وقال:

“الست دى من يوم ما دخلت البيت وهى شايلة شغل أمك والبيت كله، وعمرى ما سمعت منها شكوى.”

حماتى اتضايقت وقالت:

“يعنى هتصدقها وتكدب ابنك؟

رد حمايا بهدوء:

“أنا بصدق اللى بشوفه. كل يوم البنت دى من الفجر على رجلها، وعمرها ما قصرت.”لكن كلامه ما عجبش ابنه.

قال بعصبية:

“يعنى خلاص… بقت هى المظلومة وأنا الظالم؟”

رد حمايا بنبرة حاسمة:”الراجل مش بكتر صوته،

الراجل اللى يصون مراته ويحفظ كرامتها.”الكلمة نزلت زى الصاعقة.أما حماتى، فكان واضح من ملامحها إنها مش عاجبها إن حد لأول مرة وقف فى صف وداد… ومن اللحظة دى بدأت تفكر فى طريقة ترجع بيها كل حاجة زى الأول، حتى لو كان الثمن إنها توقع بين وداد وجوزها أكتر من أى وقت فات.

بعد ما حمايا قال الكلمتين دول، ساد السكون والهدوء التام في الصالة. جوز وداد وشه جاب ميت لون، وحماتي سكتت وعينها كانت بتطلع شرار، والغيظ كان بياكل فيها لأن لأول مرة حمايا يكسر كلمتها ويدافع عن وداد قدام الكل.

وداد لفت وشها ودخلت شقتها وهي بتعيط، بس المرة دي ما كانتش دموع انكسار، كانت دموع شخص لقى أخيراً حد بيحس بيه وينصفه وسط الغابة اللي عايش فيها.

حماتي ما سكتتش، طبعاً كبريائها كـ “كبيرة البيت” انجرح. أول ما حمايا نزل وراح شغله، لفت حماتي لابنها (جوز وداد) وقعدت جنبه بنبرة كلها خبث وسم:

“شفت؟ شفت أبوك كسر كلمتك ووقف صفها إزاي؟ بكره البنت دي تدوس على رقبتك وتشوف نفسها عليك وتفتكر إن ليها ضهر في البيت ده! لو ما كسرتش مناخيرها من دلوقتي، عمرك ما هتعرف تمشيها تاني.”

الكلام سخّن وِدن الراجل، اللي هو أصلاً حاسس بالنقص مقارنة بإخواته. كلام أمه جه على الجرح وعمى عينه أكتر.

مرت كام يوم، وحماتي كانت بتعامل وداد بجفاء شديد، ومبقتش تطلب منها شغل زي الأول، ودي كانت علامة تقلق مش تطمن. في يوم، كنا كلنا متجمعين كالعادة، وفجأة حماتي بدأت تصرخ وتصوت:

“يا مصيبتي! يا خراب بيتي! الدهب بتاعي مش في الدولاب!”

البيت كله اتقلب. نزلنا كلنا على صوتها، وحمايا جه جري.

حماتي بصت لوداد مباشرة وقالت قدام الكل:

“محدش بيدخل أوضتي ويمسحها ويقشها غيرك يا وداد! الدهب كان في علبته الصبح، راح فين؟”

وداد اتصدمت، وشها بقى أبيض زي القماش، وقالت وهي بتترعش:

“والله العظيم يا ماما ما لمسته ولا أعرف مكانه فين! أنا دخلت نظفت وخرجت علطول!”

جوزها مكدبش خبر، وقام رايح عليها ومسكها من دراعها جامد وقال بغل:

“أهو ده اللي ناقص! كمان حرامية؟ جايبالي العار في كل حتة؟ انطقي وديتي الدهب فين يا بنت الفقر، أكيد أديتيه لأبوكي المحاسب يشغلهم له!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى