قصص و روايات

وداد

بعد ما جوز وداد نزل وهو شادد في إيده العلبة القطيفة وبيزعق ويقول إنه لقى الغويشتين تحت المرتبة، حمايا اتدخل بقلب جامد وبص لحماتي وقالها بنبرة مرعبة:

“مفتاح أوضتك مش مع حد غيرك يا أم فؤاد.. والغويشتين دول إنتي كنتي لابسياهم في إيدك امبارح بالليل وأنا شايفك! إنتي اللي حطيتيهم فوق في شقة ابنك عشان تلبسي البنت تهمة وتكسريها!”

أم فؤاد ارتبكت والدم هرب من وشها، وبدأت تتلعثم في الكلام وهي بتبص لحمايا بخوف:

مقالات ذات صلة

“أنا.. أنا يا حاج؟ هتبلّى على البنت؟”

حمايا ضرب كف بكف وبص لابنه فؤاد بحسرة وقال له:

“يا خسارة تربيتي فيك يا فؤاد.. بعت مراتك اللي صايناك وشيلاكم فوق راسها عشان تسمع كلام أمك وتظلم بنت ناس غلبانة وأمينة. دهب أم فؤاد معاها ومضاعش، ودي كانت لعبة من أمك عشان تطردوا البنت من البيت بالعار.”.

وداد في اللحظة دي، مسحت دموعها فجأة. السكوت المكسور اللي كان ملازمها شهور وسنين اختفى. بصت لجوزها وبصت لحماتي بنظرة قوية ومستقرة، وقالت بكرامة تهز المكان:

“لحد هنا وكفاية.. أنا استحملت الإهانة، والخدمة، والتقليل مني ومن أهلي، وكنت بقول بكره يتغيروا وبكره جوزي يعرف قيمتي. لكن تتبلوا عليا في شرفي وأمانتي؟ لأ.. أنا أبويا فقير أه، بس علمني إن الكرامة أغلى من لقمة العيش اللي بتذلوني بيها.”

وداد لفت وضهرها للحاضرين، وطلعت شقتها، ولمت هدومها في شنطة واحدة، ونزلت وحمايا بيحاول يهديها ويقولها: “اقعدي يا بنتي وحقك عليا أنا.”

لكن وداد بصت له باحترام وقالت: “كتر خيرك يا عمي، إنت الراجل الوحيد اللي في البيت ده عرفت الحق.. بس أنا ماليش قعاد هنا تاني.”

وخرجت من باب البيت، وسابتهم في حالة ذهول، وجوزها واقف مكانه مش عارف يستوعب إن “الخدامة” -زي ما كان بيقول- هي اللي سابته ومشيت بكرامتها ورفعت راسها فوق الكل.

لما وداد وصلت بيت أبوها والشنطة في إيدها، عم أحمد المحاسب أول ما شاف دموعها المغرقة وشها والكسرة اللي في عينها، قلبه اتعصر من الوجع. وداد مكانتش مجرد بنته، دي كانت حتة من قلبه، البنت المطيعة الشغيلة اللي عمرها ما زعلته.

قعدت وداد على الكنبة وهي بتترعش وحكت له كل حاجة من طقطق للسلام عليكم؛ حكت له عن معايرة أم فؤاد ليها، وعن شغل البيت والسلم والحوش اللي كانت بتعمله لوحدها، وعن قسوة فؤاد وإهانته ليها بالليل، وأخيراً المكيدة الكبيرة اللي عملتها أم فؤاد عشان تلبسها تهمة السرقة.

عم أحمد وشه جاب ألوان، وعروق وشقته برزت من كتر الغضب. الراجل الطيب الأمين اللي كان بيوطي راسه في الشغل احترماً لأكل عيشه، ثار ثورة عمى عنها الضوء لما الموضوع وصل لكرامة بنته وشرفها. وقف وقال بصوت زلزل البيت:

> “لحد شرفك وأمانتك يا وداد، ورقبتي تتقطع قبل ما حد يمسك بكلمة! أنا صحيح راجل على قد حالي ومحاسب بسيط عند حماكي، وصحيح جوزتك بقرشين غلابة، لكن كرامتك عندي تسوى ملايين حماكي وابنه!”

>

أبوها مَستحملش عليها كلمة واحدة زيادة، وبص في عينها وقالها بحسم:

* **”والله ما إنتي راجعا له تاني، وأنا اللي هخليه يطلقك ورجله فوق رقبته!”**

تانى يوم الصبح، عم أحمد ماراحش على مكتبه الصغير كالعادة يراجع الدفاتر وهو ساكت. دخل علطول على مكتب الحاج الكبير (حما وداد).

الحاج أول ما شاف عم أحمد داخل ووشه غضبان وعينه حمرا، فهم علطول هو جاي ليه. الحاج قام من ورا مكتبه ووقف ترحيباً بيه وقال بنبرة أسف:

* “أهلاً يا أحمد.. اقعد يا أبو وداد، أنا عارف إنك زعلان، وحق بنتك على راسي وأنا…”

قطع عم أحمد كلامه برفع إيده وبنبرة قوية وعزيزة مكانش الحاج متعود يسمعها منه:

> “يا حاج.. أنا بقالي سنين بشتغل عندك، عمري ما خدت قرش حرام، وعمري ما قصرت في شغلي، وإنت عارف أمانتي كويس وعشان كده ناسبتني. أنا جوزت بنتي لابنك فؤاد عشان تصونه وتشيله في عينيها، مش عشان تبقى خدامة لأمه، ولا عشان ابنك يهينها بالليل ويقولها يا بنت الفقر، ولا عشان في الآخر يتهموها في أمانتها وشرفها ويقولوا عليها حرامية!”

>

الحاج وطى راسه في الأرض وهو حاسس بالخزي من أفعال مراته وابنه، وقال:

* “والله يا أحمد أنا نصفتها قدامهم، وأنا اللي كشفت ألاعيب أم فؤاد، وبنتك طاهرة وشريفة وغالية عندي.”

رد عم أحمد بكرامة وشموخ:

> “كتر خيرك يا حاج، إنت راجل حقاني وأنا عارف، بس بنتي مش هترجع البيت ده تاني. أنا جاي أطلب منك تخلّي ابنك يطلق بنتي بالمعروف ومن غير محاكم وقضايا. فؤاد م يستاهلش وداد، والبيت اللي ملوش كبير يصون حريم الناس، يبقى القعاد فيه ملوش عازة.”

في نفس الوقت في البيت الكبير، كانت الدنيا مقلوبة بعد ما وداد مشيت. أم فؤاد كانت فاكرة إن البيت هيروق لها، لكن السحر انقلب على الساحر:

* **شغل البيت اتقسم:** أم فؤاد لقت نفسها فجأة مطالبة بتنظيف البيت الضخم، وبصت لينا أنا وسلفتي الصغيرة وقالت لنا: “يلا يا بنات همتكم معايا في المطبخ وغسيل المواعين.”

* **موقفنا أنا وسلفتي:** طبعاً أنا وسلفتي رفضنا تماماً، وقولنا لها بكل برود: “معلش يا ماما، إحنا بيوت أهلنا متعرفش الخدمة، وإحنا متجوزناش هنا عشان نغسل سلالم ونمسح حوش، وداد اللي كانت بتستحمل، إنما إحنا لأ، وأهلنا لو عرفوا مش هيسكتوا.”

أم فؤاد لقت نفسها محتاسة، والبيت بقى يضرب يقلب، وفؤاد رجع من بره لقى شقته تضرب تقلب ومفيش لقمة ياكلها، ولا هدوم مغسولة، ولا حد يستقبله بكلمة حلوة زي ما كانت وداد بتعمل رغم قسوته.

وفجأة دخل الحاج البيت، ووشه زي الضلمة. بص لفؤاد وأمه وقالهم بصوت كسر قلوبهم:

> “ارتاحوا  عم أحمد جالي المكتب، ورفض كل محاولات الصلح، وطلب الطلاق لبنته. وداد مش راجعة، وعم أحمد قاللي كرامة بنتي تسوى الدنيا.. إنت يا فؤاد خسرت الست اللي كانت شايلاك وشايلة طينك، ودلوقتي هطلقها وإنت رجلك فوق رقبتك!”

أم فؤاد بدأت تلطم على وشها لما عرفت إن اللعبة قلبت بجد، وفؤاد قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وهو بيفتكر كلام وداد الأخير: *”أنا خرجت من بيت أبويا مكرمة”*.. وبدأ يحس لأول مرة بالنقص الحقيقي، مش عشان وداد فقيرة، بس لأنه اكتشف إنه هو اللي قليل من غيرها!

بعد كلام الحاج، فؤاد حس إن الدنيا اسودت في وشه. البيت الكبير اللي كان دايما نظيف ومرتب ومستقر بفضل وداد، اتقلب حاله في أيام قليلين. أم فؤاد تعبت من شغل البيت اللي مكنتش متعودة تشيل منه قشة، وبقت طول النهار تشتكي وتأن، ولما حاولت تطلب مني أنا وسلفتي الصغيرة نساعدها، وقفنا ليها وقفة حاسمة وقولنا لها: “إحنا هوانم في بيوت أهالينا، وعمرنا ما نمد إيدنا في خدمة حد.”

هنا فؤاد بدأ يفوق ويشوف الحقيقة؛ عرف إن الست الكبيرة بفلوسها وجاهها مش هي اللي بتسعد الراجل، وإن “بنت الأصول” اللي كانت شايلاله طينه وراضية بقليله هي الكنز اللي ضيعه بغبائه. ضغط على أمه وعلى إخواته، وطلب مننا إحنا السلايف إننا نتدخل ونيجي معاه بيت عم أحمد عشان نصالح وداد ونرجعها.

في ركن هادي ببيت عم أحمد البسيط، كنا قاعدين.. فؤاد وشه في الأرض من الكسوف، وأنا وسلفتي الصغيرة قاعدين جنبه، وبنحاول نلطف الجو.

فؤاد بص لعم أحمد ووداد وقال بنبرة كله انكسار ورجاء:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى