رحعت بعد عشرين سنة

رفعت عيني عن الورقة.
مين؟
مين الشخص اللي سلمى كانت فاكرة إنه مات؟
رجعت أقرأ بسرعة.
الشخص ده كان يعرف سرًا عن عيلتي، وسرًا عنك أنت كمان.
حسيت إن نفسي اتقطع.
أنا؟
إيه علاقتي بعيلتها؟
أنا عمري ما قابلت غير والدها مرة أو مرتين، وحتى هو كان بيتعامل معايا بشكل عادي جدًا.
قلبت الصفحة.
لكن الجواب كان لسه طويل.
في اليوم التالي لاختفائي، سافرت لمكان بعيد. وهناك اكتشفت إن اللي حصل بينا مكانش مجرد خناقة.
وقفت تاني.
كان فيه شيء مكتوب بقلم مختلف في أسفل الصفحة.
جملة صغيرة
لو وصلت للجزء ده، متثقش في أي حد هيقولك إنه كان عارفني أكتر منك.
قلبي وقع.
مين الناس اللي كانوا موجودين في جنازتها؟
مين الست الغريبة؟
وليه قالتلي إن سلمى كانت خايفة؟
رجعت للجواب.
بعد ما مشيت، حاولت أتواصل معاك أكتر من مرة.
اتسعت عيني.
إزاي؟
لكن كل مرة كنت ببدأ فيها أكتبلك، كنت باكتشف إن حد سبقني.
قريت الجملة كذا مرة.
حد سبقها؟
يعني كان فيه حد بيتابعها؟
حد كان عارف إنها بتحاول ترجعلي؟
وبعدين لقيت سطر خلى إيدي تبرد
أنا مشيت علشان لو فضلت جنبك، كنت هخليك تدفع تمن حاجة أنت معملتهاش.
وقتها وقفت.
حطيت الجواب على رجلي.
فضلت أبص قدامي من غير ما أشوف الطريق.
أنا عملت إيه؟
أنا أصلًا مكنتش عارف عن أي حاجة!
رفعت الجواب تاني.
وفي آخر الصفحة كان مكتوب
لكن بعد عشر سنين، لما عرفت إني بموت، قررت أرجعلك.
وبعدين
مش علشان أتجوزك بس.
اتجمدت.
رجعت علشان أسلمك حاجة.
بصيت للمفتاح الفضي اللي كان جنب الجواب.
فهمت إن المفتاح هو الحاجة دي.
لكن مفتاح إيه؟
قلبت الورقة.
آخر سطر كان
المفتاح ده هيفتح باب موجود في المكان الوحيد اللي عمرك ما فكرت تدور فيه.
وتحت الجملة
كان فيه عنوان.
عنوان بيت قديم.
بيت كنت أعرفه كويس جدًا.
بيت عيلة سلمى.
البيت اللي اتقفل من عشر سنين.
البيت اللي والدها قاللي يومها إن سلمى باعت كل حاجتها ومش عايزة حد يسأل عنها.
لكن فجأة لاحظت حاجة أخطر.
التاريخ المكتوب على الجواب كان قبل وفاة سلمى بيوم واحد.
يعني سلمى كانت عارفة إنها هتموت؟
ولا كانت بتخطط لحاجة تانية؟
وأنا لسه بحاول أفهم، موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت.
في البداية مفيش صوت.
وبعدين سمعت نفس الست اللي قابلتني في الجنازة.
قالت
فتحت الظرف؟
قلت بسرعة
إنتِ مين؟
سكتت ثانيتين.
وبعدين قالت
أنا الشخص اللي كان موجود جنب سلمى في أصعب عشر سنين في حياتها.
قلت
قوليلي الحقيقة!
ردت بصوت مرتعش
الحقيقة مش موجودة في الجواب كله.
بصيت للجواب.
قلت
أمال فين؟
قالت
في البيت.
سألتها
بيت سلمى؟
قالت
أيوه.
وبعدين صوتها اتغير فجأة.
بقى واطي جدًا.
بس لو هتروح هناك متروحش بالليل.
سألتها
ليه؟
سكتت.
وبعدين قالت جملة واحدة
لأنك مش أول واحد هيدخل البيت بعد موت سلمى.
وقبل ما ألحق أسألها مين دخل قبلي
الخط اتقفل.
فضلت ماسك الموبايل.
بصيت للمفتاح.
وبعدين بصيت للعنوان.
ولأول مرة من يوم وفاة سلمى
حسيت إن موتها مش نهاية الحكاية.
ده كان أول باب فيها وصلت قدام بيت عيلة سلمى قبل المغرب بدقائق.
العربية وقفت قدام البوابة الحديد القديمة، وأنا فضلت جوه مكاني مش قادر أنزل.
البيت كان ساكت بشكل يخوف.
نفس البيت اللي دخلته مرة واحدة من حوالي تلاتاشر سنة، يوم ما سلمى عرفتني على والدها.
لكن دلوقتي كان شكله مختلف.
الشبابيك مقفولة.
الجنينة مليانة ورق شجر ناشف.
والباب الخارجي عليه طبقة تراب واضحة، كأن محدش قرب منه من سنين.
نزلت من العربية.
طلعت المفتاح الفضي من جيبي.
وأول ما قربت من البوابة
سمعت صوت.
خطوة.
وقفت مكاني.
بصيت ورايا.
مفيش حد.
رجعت أبص للبيت.
وفجأة شفت ستارة بتتحرك ورا واحدة من الشبابيك.
اتجمدت.
البيت المفروض فاضي.
طلعت المفتاح.
لكن قبل ما أحطه في القفل، سمعت صوت عربية في آخر الشارع.
لفيت بسرعة.
عربية
سودا كانت واقفة بعيد.
زجاجها غامق.
فضلت ثواني مستني أشوف مين جواها.
لكن العربية تحركت ببطء واختفت.
رجعت للباب.
دخلت المفتاح.
لفيته.
الباب اتفتح بسهولة.
وده كان أول شيء خوّفني.
لو البيت مقفول من عشر سنين
ليه القفل كان لسه شغال؟
دخلت.
ريحة التراب والرطوبة ضربت في وشي.
شغلت كشاف الموبايل.
كل حاجة تقريبًا زي ما كانت.
الصالون.
المكتبة.
الصور القديمة.
حتى الساعة الكبيرة اللي كانت معلقة على الحيطة.
قربت منها.
كانت واقفة عند الساعة 1140.
لكن عقرب الثواني كان بيتحرك.
وقفت قدامها.
بصيت للساعة.
وبعدين للحيطة.
مفيش كهربا في البيت أصلًا.
فإزاي الساعة شغالة؟
مديت إيدي ألمسها.
وفجأة
رنّت.
دقة واحدة.
اتراجعت خطوة.
وبعدها دقة تانية.
وبعدين تالتة.
الساعة دقت 11 مرة.
مع إن العقارب كانت واقفة على 1140.
آخر دقة كانت أقوى من الباقيين.
وساعتها سمعت صوت حاجة وقعت في الدور العلوي.
طلعت السلم.
كل خطوة كانت بتطلع صوت عالي في السكون.
لحد ما وصلت للممر.
باب أوضة سلمى كان في آخر الممر.
الباب كان مقفول.
دخلت المفتاح الفضي.
لفيته.
الباب اتفتح.
الأوضة كانت شبه فاضية.
سرير قديم.
مكتب.
دولاب.
وصندوق خشبي صغير فوق المكتب.
قربت منه.
كان عليه ورقة.
مكتوب عليها
لو وصلت لهنا، يبقى هي ماتت فعلًا.
حسيت بقلبي بيخبط.
رفعت الورقة.
تحتها كان فيه مفتاح تاني.
لكن المفتاح ده كان أكبر.
ومعه جملة
مش ده اللي تدور عليه.
بصيت حواليّ.







