قصص و روايات

بنتي بطلت تكلمني

بنتي بطلت تكلمني وهي في كلية التمريض… وبعد شهور اتصلت بيا وقالتلي أنا اتجوزت راجل أكبر مني بأكتر من 30 سنة! ولما عرفت السبب… حسيت إن الأرض بتلف بيا. بعت عربيتي واشتغلت شيفتين كل يوم لمدة سنتين، عشان أقدر أوفر لبنتي مريم مصاريف كلية التمريض في القاهرة.

أول كام شهر، كانت بتكلمني كل ليلة.
كانت تعيط وتقول يا ماما… أنا مش طايقة الغربة، وحشتيني أوي، حاسة إني بموت من غيركم.
وكان فيه ليالي أفضل صاحية أكلمها لحد الفجر، لأني ما كنتش أستحمل إحساس إنها لوحدها.
لكن بعد حوالي خمس شهور… كل حاجة اتغيرت.
المكالمات اللي كانت ساعة بقت عشر دقايق.
وبعدين خمس دقايق.
معلش يا ماما… لازم أقفل.
كل ما أسألها هو فيه حد في حياتك؟
تضحك بسرعة وتقول يا ماما أنا مشغولة… هكلمك بعدين.
وبتقفل.
بعد فترة قالتلي إنها نازلة تزورنا.
طلبت منها تبعتلي صورة ليها… لشقتها… لأصحابها… لأي حاجة من حياتها الجديدة.
كل مرة كانت تتهرب بحجة مختلفة.
وقبل ميعاد سفرها بأسبوع… وصلتلي صورة واحدة بس.
فضلت باصة للصورة كذا دقيقة، وبعدها قلبت الموبايل على الترابيزة.
ماقدرتش أبص عليها تاني لمدة ساعة كاملة.
الراجل اللي واقف جنب بنتي كان شكله أكبر منها بحوالي تلاتين سنة.
شعره كله أبيض… ووشه مليان تجاعيد… وحاطط إيده على ضهرها كأنهم متجوزين بقالهم سنين.
قبل ما ألحق أرد عليها…

الموبايل رن.
كانت مريم.
قالت بصوت هادي، كأنه حافظ الكلام
يا ماما… إحنا اتجوزنا من أسبوعين… وماقولتلكيش لأني عارفة إنتِ هتزعلي وهترفضي.
الليلة دي ماعرفتش أنام.
ولا اللي بعدها…
ولا الأربع ليالي اللي وراها.
كل اللي كان في دماغي إن بنتي الصغيرة اتجوزت راجل قد أبوها.
وافتكرت إنها أكيد باعت عمرها وشبابها عشان الفلوس أو الأمان.
امبارح… مريم دخلت البيت.
ماكانش لابسة دهب.
ولا هدوم غالية.
ولا شايلة شنطة ماركة.
كانت لابسة نفس الشنطة القديمة اللي سافرت بيها… ووشها كان باين عليه التعب والخسسان.
ماقدرتش أمسك نفسي.
قولتلها
ليه؟! ليه الراجل ده؟ قوليلي الحقيقة.
بهدوء… قعدت قدامي.
وفتحت شنطتها.
وطلعت ورقة قديمة جدًا… متنية كذا مرة لدرجة إنها كانت هتتقطع.
حطتها قدامي على الترابيزة.
وبصتلي وهي بتهمس
يا ماما… أنا ماتجوزتوش عشان فلوسه… أنا اتجوزته بسبب الحاجة اللي عملها علشانك من عشر سنين…
حكايات_زيزي
مريم سكتت شوية وهي ماسكة الورقة بإيد مرتعشة، وقالت
فاكرة اليوم اللي دخلتي فيه المستشفى بعد الحادثة؟
حاولت أفتكر… كانت من عشر سنين فعلًا، يومها كنت بين الحياة والموت بعد حادثة على الطريق، لكن كل اللي فاكراه إني فوقت بعدها بكام يوم والدكاترة قالولي إن في حد اتبرع بمبلغ كبير للمستشفى، واتكفلت حالتي من غير ما أعرف مين.
هزت مريم راسها وقالت
إنتِ عمرك ما عرفتي مين.
فتحت الورقة قدامي.
كانت إيصال قديم باسم المستشفى… وفي آخره توقيع شخص اسمه الحاج محمود.
اسمه… نفس اسم الراجل اللي اتجوزته.
بصيتلها بعدم استيعاب.
يعني إيه؟
قالت بهدوء
لما دخلت الكلية، كنت بشتغل بعد المحاضرات كام ساعة في مكتبة، وهناك قابلته لأول مرة.
كان بييجي يشتري كتب طبية لدار رعاية خيرية بيساعدها.
ولما عرف اسمي بالكامل… فضل باصصلي بطريقة غريبة، وبعدها سألني إنتِ بنت… أمينة؟
قلبي دق بسرعة.
ولما قولتله أيوه… ابتسم وقال يبقى الزمن لف ورجع.
وقفت مكاني وأنا مش فاهمة.
قالت مريم
فضلت شهور رافض يحكي أي حاجة عن الماضي، وكل مرة كنت أسأله يقول لما ييجي الوقت المناسب.
وفي يوم… سلمني الورقة دي.
بصيت للورقة مرة تانية، وكان فيها ختم قديم وتاريخ يرجع لعشر سنين فعلًا.
لكن كان فيه ظرف صغير مرفق بيها… ماكنتش واخدة بالي منه.
قالت مريم
الظرف ده هو اللي خلاني أفهم كل حاجة.
فتحته بإيدي المرتعشة…
وكان جواه جواب مكتوب بخط إيد قديم.
أول سطر فيه خلاني أنسى آخد نفسي…
لو وصل الجواب ده لبنت أمينة… يبقى أنا أخيرًا قدرت أوفي بوعد قطعته على نفسي من عشر سنين…
بصيت لمريم بذهول.
قلت لها
وعد؟! وعد إيه؟!
نزلت دمعة من عينها، وقالت بصوت مخنوق
لما قريت باقي الجواب… عرفت إن الراجل ده كان شايل دين في رقبته ناحيتك من يوم غير حياته بالكامل… والدين ده هو السبب الحقيقي اللي خلاه يدخل حياتنا من جديد.
ثم مدت إيدها ناحية الظرف مرة تانية وقالت
بس اللي مكتوب في الصفحة اللي بعديها… هو اللي هيغير نظرتك ليه للأبد…
وساعتها فقط… بدأت أقلب الصفحة التالية ببطء…قلبت الصفحة وأنا حاسة إن إيدي مش شايلاني.
كان الخط قديم، لكنه واضح.
إلى أمينة… يمكن عمرك ما تعرفيني، ويمكن تقري الكلام ده بعد سنين طويلة. لكن لو ربنا كتبلك تشوفي الرسالة، يبقى لازم تعرفي إن حياتي مدينة ليكي بعد ربنا.
وقفت عند الجملة دي، وبصيت لمريم.
مدينة ليا؟! أنا معرفوش أصلًا!
هزت راسها وقالت
كملي يا ماما.
رجعت أقرا.
من عشر سنين، كنت راجع من شغلي وأنا سايق العربية، وفجأة طفل جرى قدامي. حاولت أفاديه، فانقلبت العربية واتصبت إصابة خطيرة. كنت محتاج عملية عاجلة، لكن ماكانش معايا فلوس، وأهلي كانوا وقتها في ظروف صعبة.
بلعت ريقي وأنا مكملة.
في نفس الليلة، كانت فيه ست دخلت المستشفى بعد حادثة تانية. الدكتور قال إن فيه متبرع مجهول سدد جزء كبير من تكاليف علاجها، لكن المبلغ كان أكبر من المطلوب، فإدارة المستشفى استخدمت الباقي لإنقاذ مريض تاني… والمريض ده كنت أنا.
وقفت عن القراءة، وعيوني وسعت.
يعني…؟
قالت مريم
أيوه… الفلوس اللي دفعتِها لعلاجك، أنقذت حياته هو كمان، من غير ما تعرفي.
رجعت للرسالة.
فضلت سنين أحاول أوصل للست دي عشان أشكرها، لكن المستشفى رفضت تديني أي بيانات عنها. كل اللي عرفته اسمها الأول… أمينة.
أخدت نفس طويل.
كان

مقالات ذات صلة

كل اللي في دماغي سؤال واحد
بس ده يفسر إنه كان بيدور عليا… مش يفسر الجواز.
مريم بصت في الأرض، وقالت بهدوء
وأنا سألته نفس السؤال.
سكتت لحظة، ثم كملت
قال لي أنا عمري ما فكرت أتجوز تاني بعد وفاة مراتي. لكن لما قابلتك، حسيت إن ربنا رجعني للعيلة اللي كنت بدور عليها من سنين.
رفعت عيني بسرعة.
قلتله وإزاي تعرض عليا الجواز؟
رد وقال
مش قبل ما تعرفي كل الحقيقة… ومش قبل ما تكوني حرة تمامًا في قرارك.
سألتها بقلق
وبعدين؟
تنهدت مريم وقالت
قعدنا شهور طويلة… ماكانش بيكلمني غير في وجود أخته الكبيرة أو بنت أخوه. وكان كل مرة يقول لي لو حسيتي في يوم إنك مش مرتاحة، اعتبري الموضوع منتهي.
ثم فتحت جيبًا صغيرًا في الشنطة، وأخرجت ظرفًا آخر.
كان مختلفًا عن الأول.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى