قصص وروايات

رحعت بعد عشرين سنة

وفجأة افتكرت جملة قالتها لي قبل اختفائها بيومين
لو في يوم اختفيت متدورش ورايا.
ضحكت لنفسي.
وقلت بصوت منخفض
وأنا طبعًا عملت عكس كلامك.
مديت إيدي تحت المقعد.
ماكنتش عارف أنا بدور على إيه.
لكن أصابعي لمست جسم معدني صغير.
سحبته.
كان مفتاحًا.
وعليه رقم 17.
قلبي دق.
قمت بسرعة واتجهت لمكتب الإدارة القديم.
كان فيه صف من الخزائن المعدنية.
الأرقام لسه موجودة.
وصلت للخزانة رقم 17.
المفتاح دخل.
فتح.
جواها كان فيه صندوق أسود صغير.
فتحت الصندوق.
لقيت شريط تسجيل قديم.
وفوقه ورقة.
مكتوب
اسمع التسجيل للنهاية مهما سمعت.
أخدت الصندوق ورجعت للمدرج.
كان فيه جهاز تسجيل قديم في غرفة التخزين.
حطيت الشريط.
ضغطت تشغيل.
في البداية سمعت تشويش.
وبعدين
صوت سلمى.
صوتها وهي أصغر بعشر سنين.
قالت
لو التسجيل ده وصل له، يبقى أنا فشلت.
حسيت بقلبى اتقبض.
صوتها كمل
أنا عارفة إنه هيسأل ليه اختفيت.
سكتت ثواني.
ثم قالت
لكن الحقيقة مش إن أهلي كانوا ضد جوازنا.
وقفت.
أنا كنت طول السنين فاكر إن والدها رفضني.
لكن ده ماحصلش أصلًا.
صوت سلمى ارتعش
الحقيقة إن في شخص كان بيحاول يخليني أصدق إن وجودي في حياته هيأذيه.
قربت من الجهاز.
والشخص ده كان معايا كل يوم.
اتنهدت.
كان قريب مني لدرجة إني ما شكيتش فيه.
فجأة سمعنا صوت باب بيتفتح في التسجيل.
صوت رجل قال
سلمى، لازم نمشي.
سلمى ردت
مش هسيبه.
الرجل قال
لو فضلتِ هنا، هو اللي هيدفع الثمن.
ثم جاء صوت سلمى
إنت وعدتني إنك مش هتأذيه.
الرجل رد
أنا بحاول أحميه.
التسجيل اتقطع.
وقفت مصدوم.
الصوت الرجالي
كنت أعرفه.
كان صوت ياسين.
لكن ليه كان بيتكلم مع سلمى؟
وليه قال إنه بيحميني؟
وفجأة الجهاز اشتغل تاني.
صوت سلمى رجع، لكن المرة دي كان واضح إنها بتسجل الكلام لوحدها
لو سمعت الجزء ده، يبقى لازم تعرف حاجة واحدة.
سكتت.
ثم قالت
ياسين مش عدوك.
اتنفست براحة.
لكن الجملة اللي بعدها قلبت كل شيء
العدو الحقيقي هو الشخص اللي خلاني أختفي والشخص ده أقرب ليك من ياسين.
التسجيل انتهى.
فضلت واقف مكاني.
مش قادر أتحرك.
قريب مني؟
مين؟
بدأت أراجع كل شخص كان موجود في حياتي وقتها.
صديق.
قريب.
زميل.
لكن اسم واحد فقط ظل يرفض يخرج من دماغي.
شخص كان يعرف تفاصيل علاقتي بسلمى أكثر من أي حد.
شخص كنت بحكيله كل حاجة.
شخص كان موجود ليلة اختفائها.
وفي اللحظة اللي بدأت أستوعب
موبايلي رن.
الست اللي قابلتني في الجنازة.
رديت.
قالت من غير مقدمات
سمعت التسجيل؟
قلت
إنتِ كنتِ عارفة؟
قالت
أنا عارفة أكتر مما تتخيل.
سألتها
مين الشخص اللي سلمى كانت خايفة منه؟
سكتت فترة طويلة.
ثم قالت
قبل ما أقولك اسمه، لازم تعرف حاجة.
إيه؟
قالت
سلمى ما كانتش مريضة من وقت ما رجعتلك.
اتجمدت.
يعني إيه؟
قالت
المرض ظهر بعدها.
بعد إيه؟
صوتها بدأ يرتعش.
بعد ما قابلت الشخص اللي كانت هربانة منه عشر سنين.
سألتها
مين هو؟
لكنها لم تجب.
سمعت صوت باب بيتفتح عندها.
ثم صوت رجل في الخلفية يقول
إقفلي المكالمة.
الست همست
هو هنا.
وبعدين الخط اتقفل.
فضلت ماسك الموبايل.
لكن قبل ما أحطه على الترابيزة، وصلتني رسالة جديدة.
من رقم ياسين.
كان مكتوب فيها
متروحش بيت سلمى تاني.
وتحتها مباشرة
لأن والدها مش هو الشخص اللي قابلته هناك.
اتجمدت.
أنا كنت متأكد إني قابلت والد سلمى.
لكن لو كلام ياسين صحيح
مين الراجل اللي كان جوه البيت؟
وليه كان عايز يخليني أصدق إنه والدها؟
وقبل ما أستوعب، وصلت رسالة ثالثة
وسلمى كانت عارفة إنك هتقابل الشخص ده بعد موتها.
ثم صورة مرفقة.
فتحتها
وكانت الصورة لسلمى قبل وفاتها بيوم واحد.
واقفة أمام مرآة.
وفي يدها ورقة.
وعلى المرآة كانت مكتوبة جملة واحدة
لو ماتت هو لازم يعرف مين أبوه الحقيقي مديت إيدي للملف وأنا حاسس إن صوابعي بتترعش.
اسمي كان مكتوب عليه بوضوح.
لكن اللي خوّفني أكتر
إن الملف كان سميك بشكل مستحيل.
يعني حد كان بيكتب عني من سنين.
فتحت أول صفحة.
كانت عبارة عن بيانات شخصية عني من أيام الجامعة.
عنوان السكن القديم.
مكان شغلي الأول.
أسماء أصحابي.
حتى تفاصيل صغيرة أنا نفسي كنت ناسيها.
قلبت الصفحة بسرعة.
لقيت تقرير مكتوب عليه
المرحلة الأولى المراقبة.
تحتها تواريخ متفرقة.
كل تاريخ كان مرتبط بحاجة حصلت في حياتي.
أول وظيفة.
أول سفر.
أول مرة حاولت أتقدم لسلمى رسميًا.
وأخيرًا
تاريخ الليلة اللي اختفت فيها.
حسيت إن نفسي ضاق.
قلبت الصفحة.
كان فيه سطر واحد
الهدف لم يعد آمنًا.
وتحته
يجب فصل سلمى عنه فورًا.
وقفت.
الهدف؟
أنا كنت الهدف؟
ليه؟
مين كان بيراقبني؟
سمعت صوت خبط مكتوم من ناحية الباب السري.
حد كان بيحاول يفتحه من الناحية التانية.
مسكت الملف وبدأت أجري في الممر.
الممر كان طويل، أضيق مما توقعت، وفي نهايته باب خشبي صغير.
فتحته.
لقيت نفسي في غرفة تخزين خلف البيت.
خرجت منها للحديقة الخلفية.
لكن أول ما خرجت، سمعت صوت عربية بتدور قدام البيت.
رفعت عيني.
كانت نفس العربية السودا اللي شفتها وأنا داخل.
تحركت بسرعة واختفيت ورا شجرة كبيرة.
العربية وقفت.
بابها اتفتح.
ونزلت منها الست اللي قابلتني في الجنازة.
اتلفتت حواليها، وبعدين دخلت البيت من الباب الخلفي.
فضلت مستخبي لحد ما اتأكدت إنها دخلت.
وبعدين رجعت ناحية العربية.
كنت لسه هركب، لكن لاحظت حاجة على الزجاج الأمامي.
ورقة صغيرة مثبتة تحت المسّاحة.
سحبتها.
مكتوب عليها
لو عايز تعرف الحقيقة كاملة، متفتحش الملف.
وقفت مش فاهم.
أنا بالفعل فتحته.
قلبت الورقة.
في الخلف كان فيه رقم هاتف.
وتحت الرقم
اتصل قبل منتصف الليل.
بصيت للساعة.
1126.
طلعت الموبايل.
اتصلت.
رن مرة.
مرتين.
ثلاثة.
وبعدين حد رد.
صوت رجل.
قال
كنت مستني مكالمتك.
قلت
إنت مين؟
قال
الشخص اللي سلمى حاولت توصلك بيه قبل ما تموت.
قلت
إنت تعرف سلمى؟
ضحك ضحكة قصيرة.
أنا أعرف الحقيقة.
قلت بعصبية
إنت كنت بتراقبني؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
مش أنا.
أمال مين؟
رد
اللي كان بيراقبك كان أقرب ليك مما تتخيل.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قول اسمه.
قال
مش هينفع في التليفون.
أمال فين؟
في المكان اللي بدأت منه كل الحكاية.
قلت
الجامعة؟
قال
بالضبط.
ثم أضاف
روح بكرة الصبح للمبنى القديم. ادخل المدرج اللي كنت إنت وسلمى بتقعدوا فيه.
قلت
وهلاقي إيه؟
صوته اتغير.
هتلاقي سبب إن سلمى اختارتك إنت بالذات.
وقبل ما ألحق أسأله، قفل الخط.
فضلت واقف جنب العربية.
جملة واحدة فضلت تتكرر في دماغي
سبب إن سلمى اختارتك إنت بالذات.
أنا كنت فاكر إن سلمى رجعتلي لأنها بتحبني.
لكن لأول مرة
بدأ الشك يدخل قلبي.
هل كان حبها هو السبب الوحيد؟
ولا كان فيه سبب تاني مخفي؟
رجعت البيت قبل منتصف الليل بقليل.
حطيت الملف على الترابيزة.
ومفتاح الخزنة الصغير جنبه.
كنت ناوي أنام، لكن قبل ما أدخل أوضتي سمعت صوت إشعار على موبايلي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة.
صورة قديمة ليا أنا وسلمى أيام الجامعة.
لكن الصورة دي كانت مختلفة.
كنا واقفين جنب بعض
وفي الخلفية كان ظاهر شخص ثالث.
الشخص نفسه الموجود في الصورة اللي اداني

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى