بنتي بطلت تكلمني

وعليه اسمي… لكن بخط جديد.
قالت وهي بتديني الظرف
الجواب ده كتبه قبل الفرح بيوم واحد… وقال لي مايتفتحش إلا لما أسلمّهولك بإيدي.
مددت إيدي وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه…
ولما فتحت الظرف، لقيت أول سطر مكتوب فيه
يا أمينة… في سر واحد مريم لحد النهارده متعرفوش، وأنا سايبلك القرار تعرفيهولها… ولا يفضل مدفون للأبد أخدت الجواب من إيد مريم، وفتحت الورقة ببطء.
كان الخط ثابت، وكأن صاحبه كتب كل كلمة بعد تفكير طويل.
يا أمينة… لو الرسالة دي وصلتلك، فأنا واثق إن مريم نفذت طلبي، وماخبتش عنك حاجة.
كملت وأنا حاسة إن قلبي بيدق بعنف.
قبل أي شيء، أحب أقولك إن بنتك وافقت على الجواز بعد استخارة طويلة، وبعد ما قابلت إخواتي وأولادي وكل أفراد عيلتي. وأنا اشترطت عليها إنك لازم تعرفي الحقيقة كاملة، حتى لو بعد الجواز.
استغربت.
بصيت لمريم وسألتها
إيه الحقيقة اللي لسه معرفتهاش؟
قالت وهي تهز كتفها
كملي… أنا نفسي معرفهاش.
رجعت للجواب.
السر اللي هقوله دلوقتي، محدش يعرفه غير شخصين… وأنا، والدكتور اللي كان مدير المستشفى وقتها.
بدأت أنفاسي تتسارع.
بعد الحادثة، كنت مصمم أعرف مين الست اللي كانت سبب في إنقاذ حياتي. وبعد بحث طويل، وصلت لعنوان قديم ليكي.
شهقت.
وصل لعنواني؟!
مريم بصتلي باستغراب، لأنها أول مرة تسمع الكلام ده.
كملت القراءة.
وقفت قدام البيت أكتر من مرة… لكن كل مرة كنت أرجع من غير ما أخبط على الباب. كنت شايف بعيني تعبك، وشغلك من الفجر لآخر الليل، وطفلة صغيرة بتستناك كل يوم على الشباك.
الدموع نزلت من غير ما أحس.
كان بيتكلم عن مريم وهي طفلة.
قلت لنفسي الست دي عملت الخير لله، وأنا لو دخلت حياتها دلوقتي يمكن أسبب لها حرج أو إحراج، فقررت أدعيلها من بعيد.
سكت لحظة وأنا باصة للورقة.
قلت
يعني كان يعرفنا من زمان؟
مريم همست
واضح كده.
لكن الرسالة ما انتهتش.
كان باقي فيها سطور قليلة.
وأول جملة فيها خلتني أتجمد مكاني.
لحد اليوم اللي شوفت مريم بالصدفة في المكتبة… واكتشفت إنها بنت أمينة.
رفعت عيني بسرعة.
اعترفت لها بالحقيقة، وقلت لها إنها مش مدينة ليا بأي حاجة. بالعكس… أنا اللي فضلت طول السنين أحاول ألاقي طريقة أرد بيها الجميل.
ثم جاء السطر الأخير…
السطر الذي جعلني أنظر إلى مريم في ذهول.
ولما عرضت عليها الجواز، حطيت شرطًا واحدًا قبل ما أسمع ردها… إنها تقعد مع والدتها، وتحكيلها كل حاجة، ولو أمينة رفضت الجوازة بعد ما تعرف الحقيقة… هعتبر الموضوع منتهي، حتى لو كان ده أصعب قرار في حياتي.
رفعت رأسي ببطء.
بصيت لمريم.
وقلت بصوت مكسور
بس… إنتِ قلتيلي إنك خبيتي الجواز عني، واتجوزتي الأول!
نزلت مريم رأسها في الأرض…
وسكتت.
بعد ثوانٍ طويلة، قالت بصوت مرتعش
لأن… اللي حصل قبل كتب الكتاب بيوم واحد، غيّر كل حاجة…مريم مسحت دموعها، وحاولت تتمالك نفسها.
قالت
قبل كتب الكتاب بيوم واحد، رن تليفوني. كان المستشفى.
قلبي انقبض.
مستشفى؟!
هزت رأسها وقالت
قالولي إن خالته اللي كانت مربيّاه من وهو صغير تعبت جدًا، وحالتها حرجة، وكل أمنيتها تشوفه مستقر قبل ما تموت.
سكتت لحظة، ثم أكملت
وقتها قال لي لو حسيتي إن الظروف ضغطت عليكي، نأجل كل حاجة. مش عايز قرار يتاخد تحت أي ظرف.
بصيت لها باستغراب.
يعني هو اللي عرض التأجيل؟
قالت
أيوه… وأنا اللي قلت له نستنى يومين نشوف حالة خالته.
تنهدت، ثم أردفت
لكن في اليوم التالي، الأطباء قالوا إن حالتها بتسوء بسرعة، وكانت بتكرر اسمه وتسأل هو اطمن؟ هو بقى له بيت وأسرة؟.
سكتت وأنا أستمع.
وقتها اجتمعنا مع إخواته، وكلهم قالوا نفس الكلام القرار قرارك، ومحدش هيضغط عليكي.
أخذت نفسًا عميقًا.
بعد استخارة، وافقت يتم عقد القران في حضور العيلتين القريبتين فقط، على أساس إننا نيجي بعد كده ونقعد معاكي ونحكيلك كل حاجة بالتفصيل.
رفعت حاجبي.
طيب… وليه ماكلمتنيش في نفس اليوم؟
اغرورقت عيناها بالدموع.
كل مرة كنت أمسك الموبايل، أخاف أسمع رفضك قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة. كنت خايفة تحكمي عليه من فرق السن، قبل ما تسمعي منه أو تعرفي أخلاقه.
ثم أخرجت من الشنطة ملفًا صغيرًا.
قالت
وده السبب إني جيت النهارده.
فتحت الملف.
كان مليئًا بأوراق مرتبة بعناية.
فيه نسخة من عقد الزواج، وشهادات تثبت أعمالًا خيرية كان يشارك فيها منذ سنوات، وخطابات شكر من جهات مختلفة، وصورة قديمة جدًا له وهو يزور أطفالًا في إحدى دور الرعاية.
ثم قالت بهدوء
هو قالي حاجة واحدة قبل ما آجي.
سألتها
قال إيه؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ دخلت البيت، وقالت
قال لي أنا مش مستني من والدتك إنها تحبني… كل اللي أتمناه إنها تعرف حقيقتي، وتحكم عليّ بعدل.
وفي اللحظة دي…
رن جرس الباب.
بصينا أنا ومريم لبعض.
قالت بصوت منخفض
أعتقد… هو وصل.
وتجمدت
إيدي وأنا ماشية ناحية الباب، من غير ما أعرف مين اللي هيكون واقف ورا الضلفة، وإيه أول كلمة هتتقال بينا أخدت نفسًا عميقًا، ومديت إيدي ناحية المقبض.
فتحت الباب ببطء…
كان واقف بهدوء، لابس بدلة بسيطة، وفي إيده علبة حلوى صغيرة وباقة ورد أبيض.
أول ما شافني، أنزل عينه في الأرض باحترام وقال
السلام عليكم… أنا محمود.
ما اتحركش من مكانه.
ولا حاول يدخل.
ولا حتى مد إيده يسلم.








