قصص و روايات

بنتي بطلت تكلمني

فضل واقف على عتبة الباب وقال
لو حضرتك شايفة إن الوقت مش مناسب، همشي دلوقتي، ومش هضايقك.
بصيت له كام ثانية من غير ما أرد.
كان شكله فعلًا أكبر من سنه اللي في دماغي.
لكن اللي لفت نظري أكتر… نظرة الهدوء في عينيه.
لفيت لمريم.
كانت واقفة ورايا، ووشها كله توتر.
قلت له
اتفضل.
دخل بخطوات هادية، وحط علبة الحلوى على الترابيزة.
وقال
دي أول مرة أدخل بيت حضرتك… وماكنتش أحب أدخله إلا بإذنك.
سكتت.
وهو كمل
أنا عارف إن عندك ألف سؤال… ومن حقك تعرفي كل إجابة.
قعدنا كلنا.
ولا حد فينا اتكلم دقيقة كاملة.
بعدها قلت له مباشرة
إيه اللي خلاك تختار بنت أصغر منك بسنين كتير؟
ما اترددش.
رد بهدوء
سؤال في محله.
ثم قال
أنا ما دورتش على زوجة صغيرة، ولا كان ده هدفي أصلًا. بعد وفاة زوجتي من سنوات، كنت رافض فكرة الزواج تمامًا.
ولما قابلت مريم، أول حاجة عرفتها عنها إنها بنت السيدة اللي كنت بدور عليها من سنين عشان أشكرها.
وعشان كده… في البداية، كنت بتعامل معاها في حدود الاحترام فقط.
بصيت له وأنا باحاول أقرأ ملامحه.
قال
لما حسيت إن في تقدير متبادل، رفضت حتى أفكر في أي خطوة، إلا بعد ما استشرت إخواتي وأولادي.
استغربت.
أولادك؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
أيوه… وأنا قلت لهم بوضوح لو حد فيكم شايف إن القرار ده هيظلم مريم أو هيكون سبب في مشاكل، مش هكمل.
مريم هزت رأسها وقالت
وده حصل فعلًا… قعدنا أكتر من مرة مع عيلته، وكلهم كانوا بيأكدوا إن القرار لازم يكون براحة ومن غير أي استعجال.
لكن وأنا لسه باصة له…
وقعت عيني على خاتم قديم في إيده.
كان محفور عليه تاريخ.
تاريخ أعرفه جيدًا…
تاريخ الحادثة اللي غيرت حياتي من عشر سنين.
رفعت بصري إليه بسرعة.
وقبل ما أسأله عن سر الخاتم…
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
واضح إنك لاحظتي التاريخ…
ثم خلع الخاتم من إصبعه، ووضعه أمامي على الطاولة، وقال
قصة الخاتم دي… هي آخر جزء في الحكاية، ويمكن تكون أهم من كل اللي اتقال قبل كده بصيت للخاتم وأنا حاسة إن كل الأسئلة اللي جوايا رجعت من أول وجديد.
كان من الفضة، بسيط جدًا، ومن الداخل محفور تاريخ الحادثة، وتحته كلمتين صغيرين
حياة جديدة.
رفعت عيني لمحمود وقلت
إيه حكاية الخاتم ده؟
ابتسم ابتسامة هادئة، وقال
بعد العملية اللي نجيت منها، الدكتور قال لي ربنا كتبلك عمر جديد. ومن يومها عملت الخاتم ده عشان كل ما أبص له أفتكر إن حياتي دي مش هعيشها لنفسي بس.
ثم سكت لحظة، وأكمل
وعدت نفسي إن أي خير أقدر أعمله، هعمله… لأن فيه ناس كانت سبب بعد ربنا في إني أعيش.
كانت كلماته طالعة بهدوء، من غير أي استعراض.
ثم مد إيده في جيبه، وأخرج صورة قديمة.
ناولها لي.
كانت صورة لاحتفال صغير في إحدى دور الأيتام.
وسط الأطفال… كان واقف محمود وهو أصغر بسنين، وعلى ضهر الصورة مكتوب بخط إيده
كل نعمة لازم يبقى ليها شكر.
بدأت الصورة اللي رسمتها عنه في دماغي تتغير.
لكن لسه كان فيه سؤال واحد مخليني مش قادرة أرتاح.
بصيت لمريم وسألته
طيب… ليه ما استنتوش لحد ما أكلمكم وأفهم كل ده؟
رد قبل ما مريم تتكلم.
لأن خفت.
استغربت.
تخاف من إيه؟
قال
أخاف إن حضرتك ترفضي تسمعي مني أصلًا بسبب فرق السن، فتقفلي الباب قبل ما تعرفي الحقيقة.
ثم أضاف بسرعة
وده حقك… وأنا ما كنتش هزعل.
سكتنا كلنا.
وفجأة…
رن هاتف محمود.
بص للشاشة، وتغيرت ملامحه.
اعتذر، وخرج للبلكونة يرد.
بعد أقل من دقيقة رجع، لكن المرة دي كان وشه شاحب.
بص لمريم، ثم بص لي.
وقال بصوت منخفض
لازم أروح حالًا.
قلقت وسألته
خير؟
تنهد وقال
فيه أمانة قديمة… كنت فاكر إنها ضاعت من سنين.
سكت لحظة، ثم أخرج مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا من جيبه، ووضعه أمامي.
وقال
الاتصال ده أكد لي إن الأمانة دي لسه موجودة… وحان وقت تسلميها بنفسك.
نظرت إلى المفتاح في دهشة.
وسألت
أمانة إيه؟
ابتسم ابتسامة غامضة، وقال
لو قلتها دلوقتي… هحرق أهم سر في الحكاية.
ثم أخذ معطفه، واتجه نحو الباب، وقبل أن يخرج التفت إليّ وقال
بكرة الصبح… هتعرفي ليه كنت بدور عليكي كل السنين دي، وليه المفتاح ده مكتوب عليه اسمك في صباح اليوم التالي، خرجت أنا ومريم مع محمود إلى عنوان قديم على أطراف المدينة.
كان بيتًا صغيرًا مهجورًا، وقد بدت عليه آثار السنين.
أخرج محمود المفتاح النحاسي الذي سلمني إياه بالأمس، ووضعه في القفل.
فتح الباب ببطء…
ودخلنا.
في آخر الغرفة كان هناك صندوق خشبي قديم، عليه ورقة صفراء مكتوب عليها
الأمانة تُسلَّم إلى السيدة أمينة فقط.
فتحت الصندوق وأنا أرتجف.
لم يكن مليئًا بالمال أو الذهب كما توقعت…
بل كان مليئًا بالرسائل والصور القديمة.
وفي الأعلى ظرف كبير باسمي.
فتحته بسرعة.
كانت أول رسالة من مدير المستشفى الذي كان يعمل وقت الحادثة.
كتب فيها
السيدة أمينة… في يوم الحادث، حضرتِ إلى قسم الحسابات، وأصررتِ على دفع كل ما تملكين لإنقاذ حياتك، ثم تركتِ ظرفًا صغيرًا وقلتِ لو فضل أي مبلغ بعد علاجي، ساعدوا بيه أي مريض محتاج، ومحدش يقوله مين اللي دفع.
وقفت عن القراءة…
لأني بالفعل كنت نسيت الموقف ده تمامًا.
كنت وقتها أعتقد أن المبلغ لن يكفي حتى لعلاجي.
لكن الله

كتب أن يفيض منه جزء، فيكون سببًا في علاج محمود.
وفي الرسالة التالية، وجدت خطابًا بخط يد محمود.
بحثت عنك سنوات طويلة، ليس لأرد المال، ولكن لأقول شكرًا. وعندما عرفت أن مريم ابنتك، لم أعتبرها يومًا وسيلة لرد الجميل. لذلك لم أتقدم إليها إلا بعد أن تأكدت أنها صاحبة قرارها، وبعد أن استخارت ربها، واستشارت أسرتها، ووافقت بكامل إرادتها.
ثم وجدت ورقة أخيرة…
كانت وصيته.
كتب فيها
إن حدث لي شيء يومًا، فأرجو ألا يختلف أحد بسبب مال أو ميراث. لقد رتبت كل شيء بالعدل بين أولادي، ومريم لها كامل حقوقها التي كفلها الشرع والقانون، دون أن يُنتقص حق أحد.
أغلقت الرسالة، ونظرت إليه.
لأول مرة، لم أعد أرى فرق العمر…
بل رأيت رجلًا ظل عشر سنوات يبحث عن إنسانة ليشكرها، فلما وجدها، اختار أن يدخل بيتها من الباب، بالحلال، وبموافقتها وموافقة أهلها.
اقتربت منه، وقلت بهدوء
أنا كنت خائفة على بنتي… لكن بعد اللي عرفته، مقدرش أظلمك.
ابتسم محمود، وقال
وده كل اللي كنت بطلبه… إنك تعرفي الحقيقة قبل ما تحكمي.
نظرت إلى مريم، فوجدت الدموع في عينيها، لكنها كانت دموع راحة هذه المرة.
احتضنتها بقوة، وقلت
سامحيني إني حكمت قبل ما أسمع.
قالت وهي تبتسم وسط دموعها
وأنا آسفة إني خوفتك.
خرجنا من البيت القديم، وأغلقت الباب بالمفتاح للمرة الأخيرة.
وأدركت أن أعظم المعروف… هو الذي يفعله الإنسان ثم ينساه، بينما يظل أثره يغيّر حياة الآخرين حتى بعد عشرات السنين.
تمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى