قصص و روايات

بعد ما جوزي

الجزء التاسع
مرت سنة كاملة من التحقيقات والمحاكمات.
وفي النهاية…
صدر الحكم.
كريم أدين بالاعتداء والتسبب في إصابتي، والاستيلاء غير المشروع على أموال، والتورط في عمليات مالية غير قانونية.
حماتي أدينت بمشاركتها في الاعتداء والتستر والمساعدة في إخفاء الأدلة.
أما خاله…
فكانت قضيته الأكبر.
المستندات القديمة اللي تركها جدي كشفت شبكة مالية كاملة.
أموال خرجت من شركات.
حسابات استخدمت كواجهات.
وأسماء أشخاص آخرين.
أشخاص لم أكن أعرفهم أصلًا.
صدر الحكم على الثلاثة.
لكن أهم شيء بالنسبة لي لم يكن الحكم.
كان استرداد حقي.
رجعت لي معظم أموالي.
والبيت ظل باسمي.
وبعد فترة، بعت جزءًا منه بإرادتي.
مش لأنهم أجبروني.
لكن لأنني أنا اللي قررت.
واستخدمت جزءًا من المال لفتح مشروع صغير.
مشروع باسمي.
من غير زوج.
من غير حماتي.
من غير أي شخص يقولي:
إنتِ مش فاهمة.

بعد سنتين
كنت قاعدة في مكتبي الجديد.
النهار كان هادي.
والشغل ماشي.
لحد ما السكرتيرة دخلت وقالت:
فيه ناس عايزين يقابلوكي.
مين؟
قالت:
كريم ووالدته.
جسمي اتشد للحظة.
بعدها أخذت نفسًا طويلًا.
وقلت:
خليهم يدخلوا.
دخل كريم.
كان مختلفًا.
أضعف.
وشه اتغير.
وشعره شاب في سنتين.
وبجانبه أمه.
نظرت لي.
لكنها لم تقدر ترفع عينيها.
قعدوا قدامي.
كريم قال:
مريم…
ما رديتش.
قال:
أنا عارف إني ما استحقش حتى أقف قدامك.
ثم بكى.
بس عشان خاطري… سامحينا.
حماتي بدأت تبكي.
إحنا غلطنا.
بصيت لهم بهدوء.
وقلت:
أنتم مش جايين عشان تسألوني أسامحكم.
سكتوا.
أنتم جايين عشان ترتاحوا.
كريم مسح دموعه.
أنا ندمان.
قلت:
الندم مش بيمسح اللي حصل.
وبعدها فتحت درج مكتبي.
طلعت صورة مطبوعة.
وحطيتها قدامهم.
كانت صورة من الفيديو.
حماتي واقفة فوق رأسي وأنا مرمية على الأرض.
وشها فيه نفس الضحكة اللي ما نسيتهاش.
نظرت لها.
فاكرة الجملة اللي قلتيها؟
ما ردتش.
قلت:
نشوف مين هينقذك المرة دي.
سكتُّ لحظة.
حد أنقذني.
حماتي بدأت تبكي.
وأنا مش جاية أنتقم منكم.
كريم رفع عينيه.
أمال؟
قلت:
أنا جاية أقول لكم إنكم خسرتوا لأنكم افتكرتوا إن القوة معناها إنكم تقدروا تكسروا شخص أضعف منكم.
ثم أشرت للباب:
أنا عايزة أعيش حياتي بعيد عنكم.
وقف كريم.
قبل ما يمشي، قال:
هو ممكن في يوم تسامحيني؟
بصيت له.
ممكن.
اتعلق بالأمل.
لكن كملت:
بس السماح مش معناه إني أرجعلك. ومش معناه إني أنسى. ومش معناه إنك تستحق فرصة تانية.
خرج.
وخرجت أمه وراه.
وأنا فضلت قاعدة.
لأول مرة…
من غير خوف.

لكن السر الأخير…
كنت فاكرة إن كل شيء انتهى.
القضية انتهت.
الفلوس رجعت.
الحكم صدر.
وحياتي بدأت من جديد.
لكن بعد حوالي شهر…
وصلني ظرف من النيابة.
فتحت الظرف.
وكان جواه فلاشة.
ومكتوب عليها بخط اليد:
دي آخر حاجة من ملف جدك.
اتجمدت.
اتصلت بليلى فورًا.
فتحنا الفلاشة.
كان عليها تسجيل صوتي قديم.
صوت جدي.
قال:
مريم… لو التسجيل ده وصل لك، يبقى كل اللي حصل كان أكبر مما كنت أتوقع.
سكتُّ.
ثم قال:
خال كريم لم يكن وحده.
نظرت إلى ليلى.
أكمل جدي:
كان هناك شخص من داخل البنك يساعده في تمرير التحويلات.
فتحت عيني.
لكن جدي قال الجملة اللي أنهت كل شيء:
وأنا عارف اسمه.
ظهر الاسم على الشاشة.
كان اسم موظف البنك الذي تعاملت معه شخصيًا طوال السنوات الماضية.
الرجل الذي كنت أظنه يساعدني.
لكن التحقيقات الجديدة أثبتت أن دوره كان قديمًا، وأنه غادر البلاد قبل فتح القضية.
الشرطة بدأت تبحث عنه.
لكن بالنسبة لي…
ماكانش ده أهم شيء.
الأهم إنني أخيرًا فهمت لماذا ظل جدي يقول لي دائمًا:
ما تثقيش في اللي بيقول لكِ إنه بيحميك.
لأن أكبر خطر في حياتي…
لم يكن الشخص الذي رفع يده عليَّ فقط.
كان الشخص الذي جعلني أصدق أنني آمنة.

النهاية
بعد سنوات من الليلة دي…
رجعت مرة للمكان اللي عم رجب لقاني فيه.
السوبر ماركت القديم اختفى.
مكانه بقى عمارة جديدة.
وقفت هناك لدقائق.
افتكرت نفسي وأنا مرمية على الأرض.
فاقدة الوعي.
مكسورة.
ومقتنعة إن حياتي انتهت.
ابتسمت.
لأنني عرفت وقتها إن اللي انتهى لم يكن حياتي.
اللي انتهى كان الجزء مني اللي كان بيخاف يقول لأ.
الجزء اللي كان بيسكت عشان البيت ما يتهدش.
الجزء اللي كان بيصدق إن تحمل الأذى هو معنى الزواج.
رجعت مكتبي.
فتحت درج صغير.
كان جواه مفتاح الخزنة اللي أعطاني إياه عم رجب.
وبجانبه صورة جدي.
وتحت الصورة كتبت جملة واحدة:
أنا نجوت… مش لأنهم رحموني، لكن لأنني في اللحظة التي ظنوا أنني فقدت فيها كل شيء، كنت أبدأ في استعادة نفسي.
أما كريم وأمه…
فبقوا مجرد فصل قديم في حياتي.
فصل مؤلم.
لكن مغلق.
وأما الفيديو الذي صورته حماتي وهي تضحك…
فقد ظل محفوظًا في ملف القضية.
كلما حاول أحد أن يقول إنني كنت أبالغ…
كان الفيديو يجيب بدلًا مني.
وأحيانًا…
الحقيقة لا تحتاج أن تصرخ.
يكفي فقط…
أن تظل موجودة حتى النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى