قصة

بنتي اختفت

بصيت لجوزي بصدمة.

قال:

— كنت فاكر أخويا هيقدر يصلح الموضوع… ما كنتش أعرف إن حسام شريك معاهم.

بنتي قالت:

— المكالمة دي هي اللي خلتهم يعرفوا إني شفتهم.

سكتنا كلنا.

وبعدين بصت للروب اللي وقع على الرمل.

مشت ناحيته ورفعته.

مررت صوابعها على الشمس الصفرا وقالت وهي بتبتسم وسط دموعها:

— فاكرة لما جدتي رقعتها؟

ضحكت وأنا بعيط:

— وإنتِ قولتي إنك حبيتيه أكتر بعد ما اتقطع.

قالت:

— علشان كده اخترته.

— اخترتيه لإيه؟

حطت الروب في إيدي.

— يبقى الطريق اللي يرجعني ليكي.

وبعد أسابيع، بدأت التحقيقات تكشف حاجات أكتر مما كنا متخيلين.

سامح وعم بنتي اتحقق معاهم في وقائع التزوير والتحويلات، وحسام اتحاسب على الأدلة اللي أخفاها.

أما بنتي…

فرجعت البيت.

مش البنت اللي خرجت تجيب آيس كريم وهي عندها 16 سنة.

رجعت ست عندها 24 سنة…

عندها حياة كاملة أنا ما شوفتهاش.

وكان لازم نتعرف على بعض من جديد.

وفي أول ليلة نامت فيها في أوضتها القديمة، دخلت أطمن عليها.

لقيت الروب الفيروزي متعلق على باب الدولاب.

قلت:

— هنحتفظ بيه؟

ابتسمت.

— طبعًا.

وأشارت للشمس الصفرا.

— دي اللي رجعتني البيت.

افتكرت أمي وهي بترقع القطع الصغير قبل تمن سنين، وإحنا كلنا بنضحك على الشمس المعوجة.

ولا واحدة فينا كانت تعرف إن الرقعة البسيطة دي…

هتبقى يومًا الدليل الوحيد اللي أم هتتعرف بيه على أثر بنتها بعد تمن سنين.

قربت منها وحضنتها.

وقبل ما أطفي النور، قالت:

— ماما؟

— نعم يا حبيبتي؟

ابتسمت وقالت:

— بكرة نروح نجيب آيس كريم؟

ضحكت وسط دموعي.

— نروح… بس المرة دي هنروح سوا.

عدت شهور على رجوع بنتي.

القض..ية أخدت وقتها، والتحقيقات كشفت حاجات كتير كانت مدفونة من سنين.

لكن بالنسبة لي…

الحكاية الحقيقية ما كانتش في المحاضر ولا التحقيقات.

كانت في البيت.

في إني أصحى الصبح وأسمع صوت بنتي في المطبخ.

أشوف كوبايتها جنب الحوض.

أسمعها بتناديني:

— ماما…

الكلمة اللي استنيت تمن سنين أسمعها تاني.

في البداية كنت بخاف أنام.

كنت أدخل أوضتها بالليل أتأكد إنها موجودة فعلًا.

وفي مرة فتحت عينيها وقالتلي:

— إنتِ كل شوية بتدخلي تبصي عليا ليه؟

ضحكت وأنا بمسح دموعي:

— بتأكد إنك مش حلم.

مدت إيدها وقالت:

— تعالي.

قعدت جنبها، ففتحت الدولاب.

الروب الفيروزي كان متعلق جواه.

باهت…

قديم…

وفيه آثار السنين.

لكن الشمس الصفرا المعوجة لسه مكانها.

قالت:

— عارفة أكتر حاجة كانت بتوجعني وأنا بعيدة؟

— إيه؟

— إني كنت فاكرة إنك ممكن تكوني نسيتي شكل الروب.

بصيتلها وقلت:

— أنا كنت فاكرة كل غرزة فيه.

سكتت شوية.

وبعدين قالت:

— وجدتي كانت عارفة إن الشمس طالعة معوجة؟

ضحكت.

— كانت عارفة… وإنتِ فضلتي تغيظيها وتقولي لها: دي مش شمس، دي بيضة مقلية.

ضحكت بنتي.

ولأول مرة من تمن سنين…

ضحكت أنا كمان من غير ما أحس بالذنب.

بعدها بأسبوع، خدنا الروب ورحنا لأمي.

كانت كبرت جدًا.

وأول ما شافت حفيدتها، فضلت حضناها وقت طويل من غير كلام.

وبعدين بنتي طلعت الروب.

أمي مسكت الشمس الصفرا بإيديها المرتعشة.

وقالت:

— لسه محتفظة بيه؟

بنتي باست إيدها وقالت:

— ده اللي رجعني لماما يا تيتة.

أمي بصتلنا ودموعها نزلت.

وقالت جملة عمرها ما خرجت من بالي:

— ساعات الحاجة اللي بنرقعها علشان ما نرميهاش… هي نفسها اللي بترجع لنا حاجة افتكرنا إننا خسرناها للأبد.

وفي الصيف اللي بعده…

رجعت الشاطئ لأول مرة بإرادتي.

نفس صوت الموج اللي كنت بكرهه.

نفس ريحة البحر اللي كانت بتخنقني.

لكن المرة دي بنتي كانت ماشية جنبي.

وقفنا قدام كشك آيس كريم.

بصتلي وضحكت:

— أجيب لك إيه؟

مسكت إيدها فورًا.

— لأ… نروح نجيبه سوا.

ضحكت:

— لسه خايفة أختفي؟

بصيتلها.

— يمكن هفضل أخاف شوية.

ضغطت على إيدي وقالت:

— خلاص… ما تسيبيش إيدي.

مشينا سوا.

وقبل ما نرجع البيت، وقفت بنتي قدام البحر ولبست الروب الفيروزي للمرة الأخيرة.

صورتها.

نفس البحر…

نفس الروب…

ونفس الشمس الصفرا المعوجة.

لكن الصورة الأولى كانت آخر صورة لبنت عندها 16 سنة قبل ما تختفي.

أما الصورة الجديدة…

فكانت أول صورة لست عندها 24 سنة رجعت لأمها.

طبعت الصورتين وحطيتهم جنب بعض.

وتحتهم كتبت جملة واحدة:

“ثمان سنين بين الصورتين… وشمس صغيرة ما سمحتش للطريق يضيع.”

ومن يومها، الروب ما اتلبسش تاني.

علقناه في صندوق زجاج صغير في البيت.

مش علشان نفتكر الاختفاء…

لكن علشان نفتكر الرجوع.

لأن بعض الخيوط مهما كانت رفيعة…

تفضل ماسكة الناس اللي بنحبهم فينا.

حتى لو فرقت بينهم سنين.

وكل ما أبص للشمس الصفرا المعوجة…

أفتكر إن آخر حاجة شوفت بنتي لابساها يوم اختفت…

كانت هي نفسها أول حاجة قادتني إليها يوم رجعت.

تمت بحمد الله

✍️ الكاتبة أسما السيد — حصري ممنوع النسخ

النهاية.

 

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى