ارملة اخو جوزي

جبت ارملة اخو جوزى تنضفلى الشقة تنظيف كامل لانى الشقة كانت صعبة جدا والشقه أخدت معاها 3 أيام.تنظيف كنيس ومسح وترويق وغسيل سجاد وستاير بعد ما خلصت، عطيتها 600 جنيه، قالتلي: “لا، قليل!” قلت لها: “لا حلو…اليوم ب 200جنيه 600جنيه في 3 أيام!” قعدت تقوللي: “حرام عليكي… سيبت ولادي من الصبح لغايه بليل ثلاث ايام، وده شغل غير الشغل، ومحدش بياخد كده!”
الشقة كانت فعلاً صعبة، وانا تعبت وكل يوم بشتغل 12ساعه مش بقعد وانتى عارفه ولادى يتامه وجوزك يبقى عمهم يعنى مكان ابوهم وانتى مرات عمهم المفروض تحنى عليهم عموما انا مش عاوزه غير حقى وحق ولادى اليتامه
صرخت فيها وقولتلها مفيش جنيه تانى انتى هتشحتى
حضرتك انا مش شحاته انا بطلب بحقى وانا هعرف اخد حقى وتعبى
البدايه
كانت السكتة اللي سكتتها “سعاد” أطول من التلات أيام اللي قضتهم في الشقة.. أطول من كل دعكة يد وسحلة ضهر طلعتهم على السلم الموزاييك.
بصت لـ “أميرة” – مرت أخو جوزها المرحوم – اللي واقفة إيدها في وسطها، وصوت صريخها لسة بيرن في الشقة: *”مفيش جنيه تاني! أنتِى هتشحتي ولا إيه؟”*
سعاد مسحت وُشها بإيدها الشقيانة، إيدها اللي الخل والكلور كانو آكلين جلود صوابعها لدرجة إنها مش حاسة بالطرافة. بصت 600 جنيه المرميين على الترابيزة الخشب.. تلات ورقات بكارثتها، تلات أيام من صباحية ربنا لحد ما أذان العشاء يSide، تسيب عيالها اليتامى ياكلوا في بعضهم في البيت، وهي طالعة نازلة تنفض سجاد، وتغسل ستاير مليانة تراب سنين، وتمسح بلاتين وصالون كأنه ما اتفتحش من يوم فرح أميرة.
“أنا مش شحاتة يا أميرة…”
صوت سعاد طالع واطي، بس فيه هيبة الوجع. بصت في عين أميرة المبرقة وقالت:
“أنا دخلت بيتك بشرفي وبدراعي.. وطلبت حقي. بس ما يضرش.. ربك موجود، والفلوس دي مش هتغنيكي ولا هتفقرني. بس حقي وحق العيال اليتامى؟ وحياة اللي خلقك وخلقني، هعرف آخده.. وما بيموتش حق وراه مطالب.”
حكايات رومانى مكرم
لمت شالها الأسود القديم، لفّته على راسها بسرعة، ونزلت السلم وهي مش شايفاه من الدموع اللي اتجمعت في عينها مرة واحدة. كل خطوة على السلم كانت كأنها بتدوس على قلبها.. افتكرت “محمود” جوزها المرحوم.. كان يقولها: *”يا سعاد، طول ما أنا حي، محدش هيتجرأ يبصلك بنص عين، ولا يخليكي تحتاجِ لغير الله”*. أهو مات محمود، وأخوه “حسين” سافر الخليج من تلات سنين كأنه ما صدق يطفش، وساب مراته “أميرة” هنا، تسوق الافترا على خلق الله، وتعاير الغلبان بفقره.
سعاد ما مشيتش على بيتها. كانت رجليها سايقاها لنفس الحارة، بس على البيت الكبير.. بيت “الحاجة فاطمة”، حماتها وأم المرحوم محمود، وأم حسين المسافر.
دخلت سعاد بيت العيلة.. ريحة بخور الجمعة القديم، والحصيرة المفروشة في الصالة، والحاجة فاطمة قاعدة على دكتها الخشب، ماسكة سبحتها وبيبان على وشها التجاعيد اللي شايلة هموم الدنيا.
أول ما شافت سعاد وشها أصفر، وهدومها مبلولة ومتبهدلة بالتراب، وقفت بخضة:
“مالك يا سعاد؟ في إيه يا بت؟ العيال جرالهم حاجة؟”
سعاد قعدت على الأرض عند رجل حماتها، ومقدرتش تمسك نفسها.. انفجرت في العياط. عياط مكتوم، يقطع القلب.
“الحقيني يا حاجة فاطمة.. أنا اتهنت في بيت ابنك. أنا اتسحلت تلات أيام عشان أروق شقة أميرة، وفي الآخر ترميلي 600 جنيه، وتقولي أنتِ هتشحتي؟”
الحاجة فاطمة شهقت وحطت إيدها على صدرها:
“بتقولك تشحتي؟! أميرة تقولك كده يا سعاد؟ وأنتِ مرات المحروم أخو جوزها؟”
قعدت سعاد تحكيلها بالتفصيل.. عن الشغل اللي يهد جبال، عن السجاد اللي غسلته على السطوح في عز الشمس، عن الستاير اللي فكتها وغسلتها وركبتها، وعن ولادها اللي سابتهم باليومين على جبنة قريش وفينو بايت، وفي الآخر الإهانة والكسرة.
الحاجة فاطمة وشها جاب ألوان، وعيونها ولعت نار. قامت وقفت برغم ثقل جسمها ورجلها اللي بتوجعها، ومسكت عصايتها الخشب وضربت بيها الأرض:
“والله ما هعديهالها! البت دي فاكرة نفسها إيه؟ فاكرة إن حسين لما سافر وجاب الكرشين دول بقى يملك الدنيا؟ نسيت أصلها ونسيت إن جوزك الله يرحمه هو اللي عمل لحسين قيمة ورجولة؟”
سعاد هزت راسها ودموعها نازلة:
“أنا مش زعلانة عشان الفلوس يا حاجة.. أنا زعلانة عشان الكرامة. وعشان حسين أخو جوزي اللي رمى حمولنا ومسألش في العيال من يوم ما أخوه اندفن.. ولا حتى بيفرّط في جنيه لولاد أخوه.”
هنا، الحاجة فاطمة مشيت ناحية الدولاب القديم بتاعها. فتحت درج مقفول بمفتاح صغير كان متعلق في رقبتها، وطلعت أجيندة صغيرة جلدها ممسوح من كتر المسك. قلبت فيها بإيدها اللي بترتعش، وطلعت ورقة مطوية.
بصت لسعاد وقالت بصرامة:
“خد يا سعاد.. ده رقم حسين الجديد في السعودية. الرقم ده محدش يعرفه غيري.. حتى أميرة مراته ما تعرفوش، لأنها كل ما تطلب منه فلوس يغير الرقم ويقولها الشبكة ضايعة عشان هي طماعة وبتصرف الفلوس في الهيايف.”
سعاد بصت للورقة بذهول: “رقم حسين؟”
“أيوه.. رقم حسين.” الحاجة فاطمة قربت من سعاد ومسكت وشها بين إيديها:
“تطلبي الرقم ده دلوقتي يا سعاد.. وتخليه يسمع صوتك. مش هتقوليله هات فلوس تنظيف.. لا! أنتِ هتفتحي القديم والجديد. هتفكريه بأخوه اللي مات، وهتفكريه بحق العيال اليتامى اللي مراته بتهين أمهم وتأكل حقهم. وتقوليله إنك مش هنسي، وإن لو ما جابش حقك وحق العيال بالعدل، أنتِ هتعملي اللي ما يتعملش!”
مسكت سعاد الورقة.. صوابعها كانت بترتعش، بس عيونها فجأة انطفا منها الخوف، وحل مكانه شرار غريب. بصت للتليفون الصغير اللي في جيبها، وبصت للرقم المكتوب بالقلم الجاف..
#الكاتب_رومانى_مكرم_
سجلت الرقم، ودست على زِرار الاتصال.
الخط قعد يرن.. رنة.. التانية.. وفي الرنة التالتة، جيه الصوت من الناحية التانية، صوت حسين الجاف الغريب:
“ألو؟ مين معايا؟”
سعاد بلعت ريقها، وبصت للحاجة فاطمة اللي هزتلها راسها بتشجيع.. رفعت سعاد التليفون على ودنها وقالت بصوت هادي زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة:
“أنا سعاد يا حسين.. مرات أخوك المرحوم. وووو
الجزء الثاني:
وقف الزمن لحظة عند “حسين” في الناحية التانية من الخط. الصوت كان جاي له من مسافة بعيدة، بس رن في أذنه زي ضربة المرزبة. صوت سعاد.. صوت مرات أخوه الكبير، الصوت اللي ما سمعوش من يوم ما وقفت جنب قبر محمود وتقرأ الفاتحة وهي حاضنة عيالها الصغار. بلع حسين ريقه بصعوبة، وحس بكتمة في صدره، حاول يداري ارتباكه ونبرة قلق طالت كلامه:
“سعاد؟! أهلاً يا سعاد.. خير يا أختي؟ أمي جرى لها حاجة؟ العيال فيهم حاجة؟ جبتي الرقم ده منين أساساً؟”
سعاد ماسكة التليفون بإيد بترتعش من كتر القهر، بس نبرة صوتها كانت أتقل من جبل أُحد. بصت للحاجة فاطمة اللي واقفة جنبها، باصة لها بعيون مليانة غضب وتشجيع في نفس الوقت. ردت سعاد بهدوء يخوف:








