حماتى واخت جوزى

عاشوا في تلات سنين.. لا إيجار، ولا كهرباء، ولا حتى شايلين هم لقمة الأكل. وفي اليوم اللي طلبت فيه من حماتي تخلي بالها من ابني نص ساعة بس، بصت لي بكل برود وقالت لي: “الحساب 300 دولار”.
بصيت لجوزي وأنا مذهولة، سكت ثانية وقام قايل لي: “إيه؟ كنتِ فاكرة أمي هتساعدك ببلاش؟”.
منطقتش ولا كلمة تانية.. نزلت فوراً لمكتب إدارة العمارة، وبعد عشر دقائق بس…
اللي حصل بالظبط:
تلات سنين وقت طويل أوي عشان يتقال عليه “فترة مؤقتة لحد ما الأمور تظبط”، بس ده كان الكلام اللي الكل بيحب يسمعه عشان يريح ضميره. حماتي وبنتها جم بشنط صغيرة وكلمتين شكر، ومن غير ما حد يحس، بقوا جزء من تفاصيل .. كوبياتهم على الحوض، شامبوهاتهم مالية الحمام، وأصواتهم طالعة من الصالة قبل حتى ما أشرب أول بق قهوة الصبح.
ولأن الحياة بتسرقنا، ولأن الروتين بيخلينا ننسى الوعود، سكت وسبت المركب تمشي.
دي ملكي من قبل ما أتجوز.. اسمي أنا اللي على العقد. مرتبي هو اللي بيدفع الإيجار، والمرافق، والإنترنت، وطلبات السوبر ماركت، وحتى الوافل المجمد اللي ابني بيحبه،
وأكياس الأكل “الدليفري” في الليالي اللي بنكون فيها تعبانين ومحدش له نفس يطبخ. كنت شايفة المصاريف طبعاً، بس كنت بقول لنفسي “بلاش نفتح مواضيع تنكد علينا”.
ودي الطريقة اللي “” بتعيش بيها في البيت.. مش بطلب كبير مرة واحدة، لا.. بألف “سكتة” صغيرة بنسكتها.
اليوم اللي كل حاجة اتغيرت فيه كان يوم عادي جداً.
البيبي سيتر اعتذرت، وكان عندي اجتماع مهم مقدرش أجله. ابني كان لابس كوتشيه الصغير، وماسك علبة السناك بتاعته، وسألت حماتي بمنتهى العشم:
“ممكن بس تخلي بالك منه نص ساعة؟”
رفعت عينها من الموبايل، بصت لي ثانية، وقالت بمنتهى البرود: “300 دولار”.
مردتش وقتها.. الغسالة كانت شغالة، وصوت عربية بره، وأنا مستنية تضحك وتقول “بهرج معاكي”.
بس الضحكة مجاتش.
سألتها: “300 دولار؟”
قالت لي: “وقتي مش ببلاش”.
بس كده. لا اعتذار، ولا ضحكة صفراء، ولا حتى حاولت تلطف الكلمة. رقم ورمته في وشي كأنه حقيقة كونية.
بليل، حكيت لجوزي اللي حصل بالظبط.. من غير دراما ولا زواق. حكيت ببرود لأني كنت فاكرة إن الحقيقة واضحة كفاية إنها تخليه يفوق ويشوف العك اللي عايشين فيه.
بدل ما ، بص لي وقال: “إيه؟ كنتِ فاكرة أمي هتساعدك ببلاش؟”
في لحظات في الجواز، البيت مبيتهدش بصوت عالي.. هو بس بيبقى “تلق” في حتة معينة.
قالها بمنتهى البساطة لدرجة إني خدت وقت عشان أستوعب كلامه أكتر من في أمه. الجملة كانت واضحة كفاية إنها تعيد ترتيب ذكريات تلات سنين في ثواني.
مجادلتش، ولا دافعت عن نفسي.
تاني يوم الصبح، بعد ما نزلت ابني، رحت مكتب إدارة العمارة ومعايا مفاتيحي وهدوء مشفتوش من شهور.
الموظفة طلعت الملف، وسألتني كام سؤال، وبدأت تشرح لي قوانين “إقامة الزوار” بنفس النبرة المحايدة اللي بتخلي القوانين تتحول لواقع مر في ثواني.
وأنا طالعة في الأسانسير، الورقة اللي في إيدي كانت خفيفة..
بس السكوت اللي كان مستنيني ورا باب .. كان تقيل أوي.
فتحت باب بالمفتاح، وحسيت فجأة إن الهوا جوه تقيل.. ريحة طبيخ حماتي، وصوت التليفزيون العالي اللي أخت جوزي “سحر” فاتحاه على آخر حاجة وهي ممدة على الكنبة وكأنها صاحبة البيت.
ماجد كان قاعد على السفرة، وماسك ورقة وقلم وبيحسب حاجة. أول ما شافني، رفع عينه ببرود وقال:
— “جيتي
يا هناء؟ كويس.. كنت بكتب لست الكل مصاريفها اللي هتدفعهالها، أصلها قالت لي إن الـ 300 دولار دول (افتتاح كلام) بس، وكل ساعة زيادة بـ 50 دولار.. إحنا أهل يا حبيبتي، بس الحق حق.”
حماتي خرجت من المطبخ وهي بتمسح إيدها في فوطة المطبخ (اللي أنا شاريها بـ 400 جنيه) وقالت بنبرة فيها تعالي:
— “أيوة يا بنتي، أنا ضيعت وقتي وصحتي في بيتك تلات سنين، وجه الوقت اللي أتحصل فيه على تعبي.. ومتقلقيش، سحر بنتي كمان هتاخد 100 دولار لو فكرتي تخليها تذاكر للواد، أصلها خريجة حقوق ومجهودها غالي.”
سحبت كرسي وقعدت قدامهم، حطيت شنطتي والورقة اللي من الإدارة في نص السفرة. ساد سكوت غريب.. بصيت لماجد وقلت له:
— “تصدق يا ماجد.. عندك حق. الحق حق، والأرقام مابتكدبش. وعشان كدة أنا رحت النهاردة عملت (جرد) لتلات سنين فاتوا.”
لغة الأرقام
طلعت الآلة الحاسبة وحطيتها قدامهم، وبدأت أتكلم وصوتي زي التلج:
— “بص يا حبيبي أنت وست الكل.. دي في منطقة راقية، وإيجارها الشهري بالخدمات والإنترنت والجيم والجراج 2000 دولار. وأنتم هنا تلاتة (زوار) مقيمين دائمين.
بقالكم 36 شهر.. يعني إيجار بس 72 ألف دولار.
نيجي بقى للأكل والشرب والمنظفات والوافل اللي سحر بتاكله بليل والدليفري.. متوسط 1200 دولار في الشهر، يعني 43 ألف و200 دولار.
نضيف عليهم فواتير الكهرباء والمية اللي زادت الضعف بوجودكم.. يعني إجمالي اللي صرفته عليكم من جيب حلالي هو 125 ألف دولار.”
سحر قامت وقفت ووشها محقون: “إنتِ إيه يا هناء؟ إحنا ضيوفك!”
رديت عليها بنظرة خلتها تقعد مكانها تاني:
— “الضيف بيقعد أسبوع.. مش تلات سنين يا (حقوقية). الضيف بيحترم صاحبة البيت، مش بفلوس عشان يشيل ابن أخوه نص ساعة.”
من مكتب الإدارة
فتحت ورقة الإدارة وقلت:
— “بما إنكم قلبتوها (بيزنس)، فأنا رحت بلغت الإدارة إن فيه ناس مقيمة عندي من غير عقد، والشركة بلغتني إن ده بيعرضني لغرامة كبيرة. فعشان كدة، الإدارة مضت لي الورقة دي.. () خلال 24 ساعة، مع تعهد بسداد الديون المتأخرة، وإلا
هيتم على أي ممتلكات ليكم في البيت، حتى اللي أنا شاريها.”
ماجد السفرة بإيده وزعق: “أنتِ اتجننتي! ده بيتي، وأنا جوزك.. وأمي ليها البيت!”
ضحكت بمرارة وقلت له:
— “بيتك؟ وريني اسمك في العقد كدة؟ وريني وصل واحد سددته للكهرباء؟ أنت هنا يا ماجد مجرد (.. عشت معاك تلات سنين وبصرف عليك وعلى أهلك بمرتبي اللي تعبت فيه، ولما طلبت مساعدة من أمك، طلبت تمنها.
دلوقتي بقى.. أنا هاخد تمن قعدتكم هنا. الـ 125 ألف دولار دول، هخصم منهم الـ 300 دولار بتوع ست الكل، يبقى فاضل 124 ألف و700 دولار.. تحب تدفع كاش ولا نبيع عربيتك اللي أنا دافعة نص تمنها؟”
الانهيار الكبير
حماتي بدأت : “يا ! يا ! البت بتطردنا في الشارع يا ماجد! إعمل حاجة!”
ماجد قرب مني وهو بيحاول يمسك إيدي ويتمسكن: “هناء.. حبيبتي.. إحنا كنا بنهزر معاكي، أمي كانت بتهزر، إحنا
بس كنا عايزينك تحسي بقيمتها..”
زقيت إيده بقرف وقلت له:
— “الهزار خلص يا ماجد.. اللعبة انتهت. قدامكم ساعة واحدة، تلموا شنطكم اللي جيتوا بيها بس، وأي حاجة أنا شاريها بفلوسي هتفضل هنا. ولو لقيتكم هنا بعد الساعة دي، الأمن بره مستني إشارة مني عشان يجي يخرجكم على ملكية خاصة.”
سحر جريت تلم المانيكير والبرفانات بتاعتي، رحت وراها ومسكت إيدها:
— “قلت اللي جيتي بيها بس.. الشنطة دي تتفتش مسمار مسمار.”
الرحيل المهين
كان منظرهم وهما بيلموا شنطهم في أكياس زبالة سوداء (لأن الشنط الكبيرة كانت بتاعتي) . حماتي كانت بتدعي عليا وهي خارجة، وماجد كان وشه في الأرض مش قادر يبص في عين البواب والجيران اللي واقفين يتفرجوا.
وقفت على باب ، وبصيت لماجد وقلت له:
— “مفتاحك يا ماجد.. يتحط هنا.”
حط المفتاح وهو وقال: “هتندمي يا هناء.
. هتندمي لما تلاقي نفسك لوحدك.”
رديت عليه بابتسامة خلت روحه تطلع:
“أنا كنت لوحدي بقالي تلات سنين يا ماجد.. كنت بصرف وبشيل وبخطط لوحدي وأنت وأهلك كنتوا ( دلوقتي بس، أنا بقيت حرة.”
النهاية السعيدة
قفلت الباب وراهم، وسمعت تكة الكالون وهي بتقفل على سنين من الاستغلال. رحت أوضة ابني، كان نايم زي الملاك. قعدت جنبه وبكيت.. بس كانت دموع راحة.
تاني يوم الصبح، غيرت الكالون، وبعت رسالة لماجد فيها صورة وصل السداد بتاع علاج والدته (اللي كنت دفعته الأسبوع اللي فات) وقلت له:
“الوصل ده صدقة على روح السنين اللي ضاعت معاك.. متخلنيش أشوف وشك تاني، ولا أنت ولا أهلك اللي (وقتهم بفلوس).”
نضفت من ريحتهم، وفتحت الشبابيك للهوا الجديد.. وعرفت إن كرامتي كانت تستاهل أكتر بكتير من الـ 300 دولار اللي فكروا يذلوني بيهم.
العبرة: اللي يفتكر إن طيبتك ضعف، لازم تفرجه
إن () عدل.. والبيت اللي مبيحترمكيش، ونامي مرتاحة!







