في عز العيد اهلي رفضوا يدفعوا

في اليوم التالي، توجهت سارة بصحبة المحامي إلى الحي الشعبي الذي يعيش فيه أخوها علي، حيث يقع ورشة جده القديمة، التي رهنها ليجمع مبلغاً زهيداً لم يكن يكفي حتى لشراء أدوية مسكنة لألم أخته. كان علي يقف أمام باب الورشة، حزيناً ومرهقاً، ينتظر يوماً آخر ليأتي ويأخذ ما تبقى من تراث أبيه وجده، بعد أن عجز عن سداد مبلغ الرهن.
عندما رآها قادمة، وعلى وجهها ملامح مختلفة، وبجانبها رجل يبدو عليه الهيبة والاحترام، استغرب واقترب منها بقلق سارة.. إيه اللي جابك هنا؟ رجلك أحسن؟ وهل.. وهل جمعتي الفلوس؟.
ابتسمت له سارة لأول مرة منذ شهور، ابتسامة دافئة مليئة بالامتنان والحنان، ووضعت يدها على كتفه، وقالت بصوت عالٍ مسموع جيت أرد لك أمانتك يا علي.. وجيت أرد لك حلمك اللي ضحيت بيه عشان خاطري.
أخرج المحامي صكوك الملكية، وشيكاً بالمبلغ الكامل، ودفع جميع مستحقات الرهن، وأعاد إليه أوراق الورشة الأصلية، وملكية كل ما فيها من أدوات ومعدات. تجمد علي في مكانه، واتسعت عيناه من الدهشة، ولم يستوعب ما يحدث، وقال بصوت مرتعش إزاي ده؟.. الفلوس دي جت منين؟ وأنا عارف إنكِ مش معاكِ حاجة، وإنهم رفضوا يساعدوكِ!.
جلست سارة بجانبه، وقصت عليه الحكاية كاملة، بدءاً من التذكرة، ومروراً بالاكتشافات، وحتى ما تخطط لفعله. استمع إليها علي والدموع تنهمر على خديه، شعر بالڠضب الشديد من تصرف والديه وأخته، لكنه شعر أيضاً بالفخر الشديد بأخته، وثقته بأن ما تفعله هو الحق، وأن العدالة يجب أن تتحقق.
أنا معاكِ في كل خطوة يا سارة.. ولا يهمني أي شيء، حتى لو خسرنا كل شيء، يكفي أننا نعيش بضمير نظيف ولا نأكل أموالاً حراماً، قالها علي بكل إصرار.
في تلك الأثناء، وفي القصر الفخم الكبير الذي تسكنه العائلة، كان الجو مليئاً بالفرح والتباهي، حيث كانوا يحتفلون بترسيم اليخت الجديد، وتجمع الأصدقاء والمعارف، وكلهم يمدحون ثروتهم ومكانتهم، ويتحدثون
عن نجاحهم المذهل. كان محمود المنشاوي يرتدي بدلة أنيقة، ويجلس في صدر المجلس، بينما زوجته توزع الابتسامات، وابنته هند تتباهى بملابسها ومجوهراتها، وتتحدث عن رحلاتهم القادمة على متن اليخت الجديد.
سأل أحدهم
بلباقة وأين الأخت الكبرى سارة؟ لم نرها في الحفلات الأخيرة؟.
ضحكت هند ببرودة، وقالت بصوت مسموع آه.. هي مشغولة في المستشفى، ومش عاوزة تفسد علينا فرحتنا بۏجعها.. قلنا لها خذي مسكن وارتاحي، والدنيا مش واقفة على رجل واحدة.
ضحك البعض مجاملة، ومرت الكلمة بسهولة، ولم يخطر ببال أحد أن هناك عاصفة هائلة قادمة ستقلب هذا المجد الزائف رأساً على عقب، وأن الحساب قد بدأ يُعد ببطء وهدوء، لكنه آتٍ لا محالة.
بعد أيام قليلة، وصلت أول إشعار رسمي إلى مكتب محاسبة شركة المنشاوي، يطلب فيه تقديم جميع الأوراق والسجلات الحسابية لمراجعة قانونية شاملة، بناءً على بلاغ رسمي يفيد بوجود شبهات في التمويل والضرائب. تغير لون وجه محمود المنشاوي فوراً، وشعر بقلق لم يشعر به منذ سنوات، وسأل نفسه من الذي يجرؤ على فتح هذا الملف؟ ومن يملك الدليل ليفعل ذلك؟.
لم يخطر في باله أن ابنته التي رآها عاجزة وبلا حول ولا قوة، هي التي تمسك الخيوط الآن، وهي التي تقود المعركة لاستعادة الحق وكشف الزيف.
الجزء الرابع








