ست متكبرة طردتني

قلت
قولي اللي عندك.
أخرجت فلاشة صغيرة من شنطتها.
وحطتها على الترابيزة.
وقالت
أنا كنت مديرة إدارة العقود.
ومن شهور اكتشفت إن فيه مجموعة من الموظفين الكبار بيزوروا ملفات بيع بعض الأراضي.
الأستاذ فؤاد عقد حاجبيه.
قال
ليه ما بلغتيش؟
ردت وهي مطأطأة رأسها
خفت.
قالولي لو اتكلمت… هتضيع حياتي.
وبعدين قالت وهي بتبصلي
لما حصلت المشكلة في المول، افتكروا إني هتكلم بعد ما اتفصلت.
وعشان كده… بدأوا يراقبوني.
سألها فؤاد
وإيه علاقة كريم بالموضوع؟
قالت
لأن اللي حصل في المول كان قدام ناس كتير.
ولو التحقيق الداخلي بدأ… هيوصل للعقود.
وهم عايزين يمنعوا ده بأي طريقة.
فتح عماد الفلاشة على الكمبيوتر.
كانت فيها صور لعقود.
ومراسلات.
وجداول تحويلات مالية.
كلها تشير إلى وجود تلاعب كبير.
فؤاد سكت للحظات.
ثم قال بحزم
من النهارده… الملف ده هيروح للجهات المختصة.
وفي نفس اللحظة…
رن موبايل عماد.
رد بسرعة.
ثم اتغيرت ملامحه.
قال
فيه حد حاول يدخل شقة كريم من نص ساعة.
وقفت من مكاني.
إيه؟!
قال
البواب شاف شخصين بيحاولوا يفتحوا الباب بمفتاح مصطنع.
ولما حسوا إن حد شافهم… هربوا.
اتجمد الډم في عروقي.
أول حاجة فكرت فيها…
البنتين.
لكن عماد ابتسم وقال
اطمن.
أنا كنت مبلغ فردين أمن يفضلوا قريب من العمارة من امبارح.
تنفست الصعداء.
أما الأستاذ فؤاد…
فكان واضح إنه أخد القرار.
قال وهو بيقفل جهاز الكمبيوتر
الموضوع خرج من مجرد خلاف شخصي.
وده بقى قضية لازم تتحسم.
ثم بص لي مباشرة وقال
من الليلة دي…
إنت وبنتاك هتقعدوا كام يوم في بيت الضيافة الخاص بالشركة.
اعترضت في البداية.
لكنه قال بحزم
سلامة الأطفال أهم من أي عناد.
وافقت.
وفي المساء…
انتقلنا إلى بيت الضيافة.
كان مكانًا هادئًا وآمنًا.
ولأول مرة منذ زوجتي…
شعرت أن بنتيَّ ستنامان في مكان لا يهددهما أحد.
لكن قبل منتصف الليل بدقائق…
وصل اتصال جديد إلى هاتف الأستاذ فؤاد.
استمع لثوانٍ فقط…
ثم أغلق الهاتف.
ونظر إلينا قائلًا
الشرطة ألقت القبض على أحد الشخصين اللي حاولوا يقتحموا شقتك…
وقال في التحقيقات أول جملة…
إحنا ماكنّاش عايزين الراجل… إحنا كان مطلوب مننا نجيب الفلاشة.
ساد الصمت في الغرفة.
كل واحد فينا كان بيحاول يستوعب الجملة.
أنا أول حاجة قلتها
يعني… هما كانوا فاكرين إن الفلاشة عندي؟
هز الأستاذ فؤاد رأسه وقال
واضح إنهم ما يعرفوش إن هدى احتفظت بيها لحد النهارده.
تنهد عماد وقال
وده في صالحنا.
لأنهم كشفوا نفسهم.
في صباح اليوم التالي…
توجه الأستاذ فؤاد بنفسه إلى الجهات المختصة، وسلّم
الفلاشة وكل المستندات رسميًا.
وطلب فتح تحقيق كامل في العقود المشكوك فيها.
أما أنا…
فضلت في بيت الضيافة مع البنتين.
كنت بقضي وقتي كله معاهم.
ألعب معاهم.
وأجهز لهم الأكل.
وأحكي لهم عن أمهم، رغم إنهم كانوا لسه صغيرين جدًا يفهموا الكلام.
لكن كنت مؤمن إن الحب بيوصل حتى قبل الفهم.
بعد يومين…
اتصل بي الأستاذ فؤاد.
وقال
عندي خبرين.
واحد كويس… وواحد محتاج شوية صبر.
قلت
ابدأ بالكويس.
ابتسم وقال
التحقيقات أثبتت وجود شبكة كاملة بتزور العقود.
وتم إيقاف عدد من المسؤولين عن العمل.
ثم أكمل
أما الخبر التاني…
فهيكون فيه جلسات تحقيق وشهادات.
ويمكن تحتاج تحضر باعتبارك شاهد على بداية الواقعة.
وافقت فورًا.
أنا ماكنتش عايز غير الحقيقة.
بعد أسبوع…
تم استدعائي.
دخلت مقر التحقيق.
حكيت كل اللي حصل في المول، من أول دخولي حمام السيدات لحد الرسالة المجهولة.
وخرجت بعد أقل من ساعة.
وفي الخارج…
لقيت هدى واقفة.
كانت مختلفة تمامًا عن أول مرة شفتها.
قربت مني وقالت
أنا مدينة لك باعتذار عمره ما هيوفي حقك.
قلت بهدوء
المهم إن كل واحد يتعلم من غلطه.
نزلت دموعها.
وقالت
أول مرة أفهم إن المنصب ممكن يعمي الإنسان.
صافحتني.
ومشيت.
بعدها بأيام…
صدر القرار النهائي.
تم فصل كل المتورطين في التلاعب بالعقود، وأُحيلت ملفاتهم إلى القضاء.
أما هدى…
فثبت إنها أخفت المستندات خوفًا، لكنها لم تشارك في التزوير نفسه.
فاكتفت الشركة بإنهاء خدمتها، من غير تحميلها مسؤولية الچرائم المالية.
بعد انتهاء الأزمة…
طلبني الأستاذ فؤاد إلى مكتبه.
دخلت وأنا فاكر إنه عايز يطمن علينا.
لكنه قال
أنا تابعتك الفترة اللي فاتت.
وشفت إزاي بتتحمل مسؤولية بنتيك.
وعرفت إنك كنت مهندس شاطر.
سكت لحظة.
ثم مد عقدًا على المكتب.
إيه رأيك ترجع تشتغل؟
بصيت للعقد.
كان منصب مناسب، وساعات عمل مرنة تسمح لي أكون مع البنتين.
قلت
بس أنا بقالي شهور بعيد عن الشغل.
ابتسم.
الشاطر عمره ما بينسى.
وقّعت العقد.
وأول مرتب قبضته…
اشتريت بيه سريرين جديدين للبنتين.
ولعبة صغيرة لكل واحدة.
وفي آخر اليوم…
وقفت قدام صورة زوجتي.
وقلت بابتسامة
اطمني…
وعدي ليكي لسه مكمل.
بناتنا بخير.
وهنكبر في بيت مليان احترام ومحبة.
ومن يومها…
بدأت حياتنا تدخل مرحلة جديدة.
مرحلة ما فيهاش خوف…
لكن فيها أمل كبير.
النهاية.








