بنت اخويا كل يوم بتصحي

دمعت عيناي، وضممتها إلى صدري، وقلت لها
وأنتِ بنتي، وكل ما أملك لك، ومش هنفترق أبداً.
بعدها، الټفت
إلى المحامي، وقلت له
تفضل يا سيدي، أريد أن أعرف كل شيء، من أول البداية، ولا تخفي عني أي معلومة، مهما كانت صعبة أو مؤلمة.
تنهد المحامي، وبدأ يروي لي القصة كاملة، من أول يوم ټوفي فيه أخي، وحتى هذه اللحظة
أخوك رحمه الله كان رجلاً حكيماً وذكياً، وكان يعرف الناس جيداً، لقد كان يعرف أن زوجتك طامعة في المال، وأنها تحب أن تكون الأقوى في كل شيء، ولهذا جهز كل الأوراق قبل ۏفاته، وترك مبلغاً كبيراً من المال، وقطعة أرض في منطقة راقية، وكلها مسجلة باسم سلمى فقط، ولا يمكن لأحد أن يتصرف فيها إلا هي، ولا يمكن سحب أي مبلغ منها إلا بوجودها، وتوقيعها هي بنفسها، مع وجود شاهدين وموافقة المحامي. أما التوقيع الذي وجدته في الأوراق التي سرقتها منك، فهو تزوير واضح، ولقد أحضرنا خبير توقيعات، وسوف يثبت ذلك أمام القضاء.
كما أن أخوك ترك مبلغاً شهرياً مخصصاً لمصاريف سلمى، دراستها، وعلاجها، وكل ما تحتاجه، ووضعه في حساب خاص، واشترط أن لا يصل إليه أحد غيرها، أو من يوصي به، ولهذا كانت زوجتك تضطر لتزوير توقيعك كل شهر، لتتمكن من الحصول على جزء صغير من المبلغ، لأنها لم تكن تقدر على سحب المبلغ كله، وكانت تخشى أن تكتشفوا أمرها.
كما عرفتُ منها أنها كانت تمنع سلمى من التكلم معك، وتخوفها منك، وتقول لها إنك أنت اللي أمرتها أن تعمل كل هذه الأعمال، وأنك أنت اللي قلت لها إن الأكل والسكن مش ببلاش، وإنها لازم تدفع ثمنه بعرق جبينها، ولهذا كانت البنت خائڤة منك، ومش عارفة تفرق بين الحقيقة والكذب، وكانت تظن أنك موافق على كل ما يحدث، ولهذا لم تتكلم طوال السنتين.
شعرت وكأن صخرة سقطت على رأسي، فكل هذا الوقت كانت سلمى تظن أنني أنا السبب في معاناتها، وأنني أنا اللي أمرت بكل هذا، وكانت تتحمل الألم والظلم وهي صامتة، خائڤة مني، خائڤة أن أطردها من البيت، خائڤة أن تفقد آخر شخص تربطها به صلة ډم.
عدت بالذاكرة إلى كل المواقف التي مررت بها معها، كنت أراها خجولة جداً، قليلة الكلام، لا تطلب شيئاً، وتتجنب النظر في عينيّ، وكنت أظن أن هذه طبيعتها، وأنها خجولة لأنها يتيمة، لكن الحقيقة كانت أنها كانت خائڤة، كانت تعيش في ړعب دائم، تخشى أن تغضب مني فأعاقبها، أو أن أجد خطأ منها فأخرجها من البيت.
مرت بذهني صور كثيرة كنت أجدها تأكل بسرعة ثم تذهب بسرعة، وكنت أضحك وأقول إنها مشغولة، وطلعت كانت تأكل خوفاً أن تمنعها من الأكل، كما كانت تمنعها من الراحة، وكنت أراها دائماً ترتدي ملابس قديمة، وكنت أقول إنها مش عايزة تكلفنا، وطلعت كانت ممنوعة من طلب أي ملابس جديدة، أو أي حاجة تريدها، وكنت أجدها دائماً تجلس في الزاوية، بعيدة عنا، وكنت أقول إنها تحب الهدوء، وطلعت كانت تشعر أنها غريبة في البيت، وأنها مجرد خادمة، لا ابنة ولا قريبة.
بكيت بصمت، ولم أستطع أن أمنع دموعي، فأنا كنت الأب الذي لم يحمِ ابنتة، والعم الذي لم يصدق ابنة أخيه، والزوج الذي أعمته الثقة العمياء حتى خسر كل شيء.
بعد أن انتهى المحامي من الكلام، قال لي
الآن، ما هي الخطوات التي تريد أن نتخذها؟ نحن نملك كل الأدلة، التسجيل، الشهادات، تقارير الخبراء، ويمكننا رفع قضية تزوير، وسړقة أموال، واعتداء على حقوق اليتيم، والعقاپ في هذه الحالات يكون صارماً جداً، خاصة في قانون بلدنا، الذي يحمي
حقوق الأيتام بكل قوة.
فكرت للحظة، ثم قلت
أريد أولاً أن أرجع كل ما أخذته، وأريد أن أحصل على تعويض عن كل ما سببته لسلمى من ألم ومعاناة، ثم أريد أن أفصل في الأمر معها، فالقرار النهائي لها، هي صاحبة الحق، وهي التي تقرر ما تريد فعله بها.
ثم قلت للمحامي
وأريد أن أطلب منك طلباً آخر، أريد أن أجهز كل الأوراق اللازمة، لأجعل سلمى ابنتي رسمياً، وأكفلها بكل ما للكلمة من معنى، وأكون المسؤول عنها أمام الله والناس، وأعوضها كل ما فاتها من حنان ورعاية.
ابتسم المحامي، وقال
هذا أقل ما يمكن فعله، وأخوك رحمه الله لو كان حياً لكان أسعد الناس بهذا القرار، وسأقوم بكل ما طلبته فوراً، ولن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً.
الجزء الثاني المواجهة والانفصال
عدت إلى البيت في المساء، ووجدت زوجتي جالسة في الصالة، وحولها حقائبها، وكأنها كانت تنتظر عودتي لتتكلم، أو ربما كانت تجهز نفسها للرحيل قبل أن أتخذ أي قرار. عندما رأتني، وقفت بسرعة، وقالت
سمعت كل شيء؟ سمعت كل ما كان مخبي؟








