قصص و روايات

جوزي متجوز عليا

بعد ما قفلت مع التاجر، مسكت الموبايل وإيدي بتترعش شوية. جه الدور على أصعب وأهم خطوة.. أهلي.
أهلي اللي كانوا دايماً شايلين همي، وبيسألوني بنبرة خوف عن حملي ونظرات الناس ليا وعن صبري. طلبت رقم أمي، وأول ما سمعت صوتها الدافئ وهي بتقول: «أيوة يا عائشة يا بنتي، عاملة إيه؟ صوتك ماله؟»
دموعي اللي حبستها وقاومت عشان مابينهاش، نزلت غصب عني.. صبري انهار وبكيت بحرقة زي الطفلة الصغيرة اللي كانت تايهة ورجعت لحضن أمها.
أمي اتخضت وصوتها اترعش من الخوف: «مالك يا عائشة؟ فيكِ إيه يا بنتي؟ حامد حصله حاجة؟»
شهقت وسط دموعي وقولت لها بنبرة مكسورة بس طالعة من وسط النار: «أنا اطلقت يا أمي.. اطلقت وباعني في ثانية عند المأذون عشان مراته الجديدة وحملها.. كسر بخاطري قدام أخته ومراته البجاحة، وهان عشرة خمس سنين ورماني كأني هوا».
حكيت لها كل اللي حصل بالتفصيل، من أول قعدة السمك والجمبري ودلعه المقرف ليها قدام، لكلام مراته السمّ ومطالبتها ليا بالطلاق، لحد ما جالي وروحنا للمأذون وخلصنا كل حاجة.
أمي كانت بتسمعني وصوت شهقاتها ودعاها عليه وعلى اللي ظلمتني مالي التليفون. وفجأة، لقيت أبويا سحب منها الموبايل، وبصوت فيه هيبة الأب وحنيته اللي بتداوي أي جرح في الدنيا، قال لي:
> «ما تبكيش يا عائشة.. ارفعي راسك يا بنتي، أنتِ مِش معيوبة ولا قصرتي في حق بيتك وعشرتك. الراجل اللي يبيع مراته وصبرها عشان حتة عيل، ده ما يتزعلش عليه ثانية واحدة، ده يتضرب له تعظيم سلام إنه غار برة حياتك ونضفهالك. بيتك ومطرحك مفتوحين لك يا حبيبتي، لمي حاجتك وتعالي لحضن أبوكي، والقرش اللي هييجي من بيع العفش خليه معاكي لزمنك.. إحنا ضهرك وسندك ليوم الدين».
>
كلام أبويا كان زي الماية الباردة اللي نزلت على قلبي المحروق. قفلت معاه وأنا حاسة إن الدنيا لسه فيها أمان، وإن الكسرة اللي عشتها النهاردة هي مجرد نهاية لقصة فاشلة وبداية لصفحة جديدة هبنيها بنفسي وبشروطي أنا، ومن غير ما اسمح لمخلوق يكسر بخاطري تاني.

عدت الليلة دي كأنها سنة كاملة.. منمتش فيها غير ساعات قليلة، كنت بقوم من النوم مخنوقة وأبص حواليا، أفتكر إن خلاص، مفيش حامد، ومفيش خمس سنين، ومفيش بكا من النهاردة. صحيت الصبح وأنا حاسة بنشاط غريب، نشاط حد بيبدأ معركة جديدة بس المرة دي المعركة مع نفسه عشان يقف على رجله.

على الساعة عشرة الصبح، الباب خبط. فتحت لقيت تاجر الموبيليا المستعملة ومعاه تلات عمال بجسام قوية وشكلهم شقيان. التاجر دخل وبص حواليا بنظرة فاحصة، وبدأ يتنقل بين الأوض ويعاين الخشب والأجهزة وهو بيحسب في سره.
التفت لي وقال بنبرة تجارية: «بصي يا ست هانم.. العفش نضيف ومستعمل خفيف، بس السوق نايم والأسعار مريحة.. أنا هخلص معاكي في الشقة دي كلها بـ [مبلغ]، وعليا أنا تكلفت النقل والعمال والنزول».
المبلغ كان أقل بكتير من قيمته الحقيقية، وكان زماني هقف وأفاصل وأحزن على شقا عمري، بس النهاردة الأمر اختلف. بصيت له وقولت بمنتهى البرود: «مش هنختلف يا أسطى.. المهم عندي الشقة دي تفضي من كل مسمار فيها قبل العصر. مش عايزة أشوف قطعة خشب واحدة هنا».
الراجل فرح بالبيعة السهلة، وإشارة واحدة منه خلّت العمال يبدأوا زي الخلية. بدأت الأصوات تعلى في الشقة؛ صوت فك المسامير، وضربات الشاكوش، وجرجرة الخشب على البلاط.
كنت واقفة في البلكونة ساندة ضهري وبراقب المنظر. شفت غسالتنا وهي بتتشال، شفت الكنبة اللي قعدت عليها سنين مستنياه ومقصرتش في حقه وهي بتخرج من الباب.. شفت السرير اللي شهد دموعي في أنصاص الليالي وهو بيتفكك لقطع خشب مالهاش معنى.
كل قطعة كانت بتخرج من الشقة، كانت بتاخد معاها ذكرى وجع من قلبي. البيت اللي كان مليان دوشة وتفاصيل، بدأ يفضى وتظهر حيطانه السادة.. الحيطان اللي بان عليها علامات البراويز والصور اللي كانت معلقة وشيلتها بإيدي ورميتها.
على الساعة تلاتة العصر، الشقة بقت عبارة عن صالة فاضية واسعة، وصوت صدى الصوت بيرن فيها مع كل خطوة خطيتها. التاجر سلمني الفلوس كاش، حطيتهم في شنطة إيدي وقفلت عليها بقوة.. الفلوس دي هتكون البداية الجديدة اللي هسند بيها نفسي.
كلمت عم جلال، ومفيش عشر دقايق وكان طالع. الراجل دخل الشقة وبص يمين وشمال وهو مذهول من الفضا، ضرب كف على كف وقال بحزن: «يا حول الله يا رب.. الشقة فضيت يا عائشة يا بنتي؟ ده أنا كنت بحس بجمال البيت ده من ضحكتك ونضافتك فيه».
نزلت دموعي غصب عني بس مسحتها بسرعة وابتسمت له: «الحمد لله يا عم جلال، الشقة أهي نضيفة وزي الفل ومفيهاش غلطة، وده مفتاح الشقة أهو.
عم جلال أخد المفتاح وإيده بتترعش، وطبطب على كتفي وقال: «ربنا يعوضك يا بنتي، والله أنتِ ست بـ ميت راجل، وهو اللي خسر جوهرة زيك، بكرة يشوف ويبكي على الأيام دي.. طمنيني عليكي وكلميني دايماً».
شيلت شنط الهدوم بتاعتي اللي فضلت، ونزلت السلم وعم جلال كان شايل معايا الشنط لحد تحت. طلبت تاكسي، وحطينا الشنط في الشنطة ورا.
قبل ما أركب، لفيت وبصيت لعمارة بيتي القديم نظرة أخيرة.. مكنتش نظرة ندم، كانت نظرة وداع لـ «عائشة القديمة» الطيبية اللي كانت بتتحمل الإهانة والتجاهل باسم الحب والصبر.
ركبت التاكسي وقولت للسواق وعيني بتلمع بقوة وإصرار .
التاكسي بدأ يتحرك، ومع كل متر بيبعدني عن المكان ده، كنت بحس بقلبي بيخف ونفسي بيبدأ يرجع طبيعي. كنت رايحة لبيت أبويا وأمي.. الحضن الدافئ اللي مستنيني بقلب مفتوح ودعاء صادق. الطريق كان طويل، بس لأول مرة من خمس سنين، كنت حاسة إني عارفة أنا رايحة فين، وبإرادتي أنا.

مقالات ذات صلة

وفي الناحية التانية.. الدنيا دارت ودارت، والزمن لف عشان يثبت إن كسر الخواطر دينه لازم يتسدد بالمليم.
حامد اللي باعني وهان عشرتي عشان حلم الولد، مراته ولدت وفعلاً جابت له الولد اللي كان طول عمره بيتمناه ويقول «يشيل اسمي وسط الناس». بس سبحان الله، ربنا أراد يديله درس عمره ما ينساه؛ الولد نزل الدنيا معاق عنده ضمور ومشاكل صحية كتير، محتاج رعاية أربعة وعشرين ساعة، ومصاريف وعلاج وجري على الدكاترة ليل ونهار.
حامد أول ما عرف الحقيقة، الدنيا اسودت في عينيه، الكبرياء بتاعه اتهد، ورفض تماماً يتقبل الحقيقة أو يتحمل مسؤولية الولد ده. بقى يهرب من البيت ومن شكل ابنه، يرجع متأخر ويسيب مراته الجديدة شايلة الليلة لوحدها.
الشقة اللي كانت مليانة دلال وضهر مسنود، اتقلبت لساحة معركة ومشاكل مابتخلصش. مراته تعبت ونفد صبرها من كتر شيل المسؤولية لوحدها؛ منين تداري تعبها وجريها بالولد، ومنين تلاحق على مصاريف الدكاترة اللي مابتخلصش، ومنين تقابل جوزها اللي مبقاش طايق يبص في وشها ولا وش ابنه؟
بقت الخناقات بينهم واصلة لآخر الشارع، وبقت أخته أسماء تكلمني وهي مكسوفة ومقهورة على حال أخوها وبتقولي: «البيت قايد نار يا عائشة.. حامد مبقاش طايق مراته وهي مابقتش طايقاه، وكل يوم والتاني لمة ومشاكل وتهديد بالطلاق، وهي بتقوله أنت سيبتني وشيلتني الهم لوحدي، وهو يزعق ويقولها أنا كنت عايز عيل يشيل اسمي مش عيل يربطني ويموتني بالحيا».
لما سمعت كلام أسماء، ملقيتش جوايا غير تنهيدة طويلة من قلب مرتاح، وبصيت لطارق خطيبي وهو قاعد جمبي بيلاعب بنته ليلى وبيضحك معاها بحنان، وقولت في سري: «سبحانك يا رب.. يمهل ولا يهمل، واللقمة اللي كلتها مراته في بؤها وكانت بتدبحني بيها، رجعت ووقفت في زورهم هما الاتنين، والدنيا دارت وخلت اللي هان العشرة يتدوق من نفس كاس القهر والوجع، بس المرة دي.. هما اللي اختاروا طريقهم بإيديهم».

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى