طلب المليونير

كان المطر يضرب النوافذ الزجاجية الضخمة لشقته الفاخرة في القاهرة بعنف. وأسفل البرج، كانت أضواء السيارات تتحرك ببطء في الشوارع المبتلة كأنها أسراب من اليراعات. أما داخل غرفة النوم، فلم يكن هناك أي صوت سوى همس جهاز التدفئة ونبضات قلب أدهم التي كان يسمعها بوضوح.
استدارت ليلى نحوه ببطء.
كانت في الحادية والأربعين من عمرها، أرملة، تبدو عليها علامات الإرهاق، وترتدي الزي الرمادي البسيط الذي تفرضه شركة خدمات التنظيف. خصلة من شعرها البني أفلتت من الربطة خلف رأسها، واتسعت عيناها، لكنها لم تضحك، ولم تبتسم، ولم تعتبر كلماته مزحة عابرة.
اكتفت بالنظر إليه.
شعر أدهم بحرارة تشتعل في وجهه.
“ليلى… أنا آسف.”
بقيت واقفة في مكانها.
“مش عارف ليه قلت كده.” تراجع خطوة إلى الخلف، وكاد يسقط كوب الويسكي الموضوع على الكومود. “ده كان تصرف غير لائق تمامًا. إنتِ بتشتغلي عندي… وأنا تجاوزت حدودي.”
وضعت ليلى الملاءة فوق السرير بهدوء.
“أيوه.” قالت بصوت منخفض. “فعلاً تجاوزتها.”
لم يكن في صوتها غضب… وهذا جعل شعوره بالخجل أكبر.
كان أدهم الشافعي في السادسة والأربعين من عمره. بدأ شركته للمقاولات من مكتب صغير وسيارة نقل مستعملة، حتى أصبحت واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في مصر. امتلك عدة فيلات، وطائرة خاصة نادرًا ما يستخدمها، وساعات فاخرة يمكن بثمن واحدة منها سداد ديون عائلات كاملة.
طوال حياته، اعتاد أن يحل أخطاءه بالمال… أو بالنفوذ… أو بالصمت.
لكن لم يكن هناك مبلغ في الدنيا قادر على محو النظرة التي رآها في عيني ليلى.
قال بصوت منخفض:
“من حقك تمشي دلوقتي. وهحاسبك على اليوم كامل. وهكلم الشركة وأقول لهم إنك معملتيش أي حاجة غلط.”
ظلت تنظر إليه لثوانٍ.
ثم سألته سؤالًا لم يتوقعه أبدًا.
“يا أستاذ أدهم… حضرتك واقع في مشكلة؟”
رمش باستغراب.
“إيه؟”
قالت بهدوء:
“حضرتك عمرك ما كلمتني بالطريقة دي قبل كده. أصلًا بالكاد كنت بتكلمني. النهارده ماسك الكوباية من بعد الضهر، وإيدك بترتعش.”
نظر إلى يده.
كانت ترتجف فعلًا.
قال بصوت خافت:
“ده مش مبرر للي قلته.”
“لا… مش مبرر.”
“أنا مكنتش أقصد…”
قاطعته قائلة:
“أنا عارفة حضرتك كنت بتحاول تعمل إيه… كنت بتحاول تهرب من الإحساس اللي جواك.”
أصابته كلماتها بقوة.
أكثر من أي اتهام.
عدّلت ليلى طرف كمّ زيها وقالت بثبات:
“وأنا مش موجودة علشان أكون وسيلة للهروب… لا كموظفة عند حضرتك… ولا كامرأة… ولا بأي صفة.”
أخفض رأسه.
“معاكي حق.”
نظرت إليه لحظة وكأنها تحاول أن تعرف إن كان صادقًا.
ثم نظرت إلى زجاجة الويسكي نصف الفارغة.
“حضرتك كلت النهارده؟”
كاد يضحك.
“إيه علاقة ده بالموضوع؟”
قالت:
“الناس بتاخد أسوأ قراراتها وهي جعانة… أو سكرانة… أو خايفة… أو وحيدة. وأنت واضح إنك الأربعة مع بعض.”
جلس أدهم على طرف السرير.
في صباح اليوم نفسه، أخبره محاميه أن جهات التحقيق تستعد لتجميد عدد من حسابات شركته. ملايين الجنيهات خرجت عبر شركات مقاولات فرعية لا يعرفها. شريكه السابق أنكر أي علاقة بالأمر، والمدير المالي اختفى تمامًا ولم يعد يرد على اتصالاته.
وفي الأسبوع نفسه، باعت طليقته نادين تفاصيل طلاقهما لإحدى المجلات الاقتصادية مقابل مبلغ ضخم.
ثلاثون عامًا وهو يؤمن أن الاجتهاد يحمي الإنسان من الانكسار.
لكن كل ما بناه بدا وكأنه ينهار أمام عينيه.
قال أخيرًا:
“أنا متهم في قض*ية احتيال مالي.”
تغيّر تعبير ليلى.
ليس لأنه أصبح أكثر لطفًا… بل لأنه أصبح أكثر جدية.
سحبت الكرسي إلى الجهة المقابلة وجلست، محافظة على مسافة واضحة بينهما.
سألته مباشرة:
“حضرتك عملت فعلًا الاحتيال ده؟”
تفاجأ بصراحتها.
“عارف إن الكلام صعب يتصدق… لكن لأ. أنا متأكد إني معملتش حاجة.”
“يبقى حد استخدم شركتك.”
“وده اللي المحامين مقتنعين بيه.”
“ومراتك؟”
“طليقتي… سابتني من تمن شهور.”
“أنا آسفة.”
ابتسم بسخرية.
“خدت ملايين الجنيهات، والفيلا، وكل حاجة… متتعبيش نفسك بالأسف.”
هزّت رأسها.
“الفلوس عمرها ما منعت وجع الطلاق.”
رفع عينيه إليها للمرة الأولى بحق.
أدرك أنه طوال أحد عشر شهرًا كانت تأتي لتنظف بيته، لم يرها يومًا.
كانت تعرف مكان القهوة التي يفضلها، والقمصان التي تحتاج غسيلًا يدويًا، والنوافذ التي يدخل منها المطر، والصورة الوحيدة لوالدته التي كان يعيدها دائمًا إلى منتصف المدفأة.
لكن…
هو لم يسألها يومًا إلى أين تذهب بعد انتهاء عملها.
ولم يسأل إن كان هناك أحد ينتظرها في البيت.
قال بهدوء:
“أنا مدين لك باعتذار أكبر.”
أجابته:
“لا… أنت مدين بتغيير تصرفاتك.”
أومأ برأسه.
“عندك حق.”
وقفت ليلى.
“هخلص ترتيب الأوضة… وحضرتك ادخل خد الدش لوحدك. وبعدها هعملك قهوة.”
قال:
“مش لازم تهتمي بيا.”
ردت بهدوء:
“أنا مش باهتم بيك… أنا بمنعك تشرب ويسكي أكتر فتقول حاجة أسوأ.”
خرجت من فمه ضحكة قصيرة، رغم كل شيء.
أما هي…
فلم تبتسم.
لكنها بقيت.
بعد عشرين دقيقة، كان أدهم يجلس على طاولة السفرة الخشبية الضخمة التي استقبلت وزراء، ورجال أعمال، ومسؤولين كبارًا.
ومع ذلك…
لم يشعر يومًا بأنها كانت فارغة كما شعر بها تلك الليلة.
وضعت ليلى كوب القهوة أمامه.
قهوة سادة…
من غير سكر.
نظر إليها باستغراب.
“فاكرة.”
قالت:
“بقالي شهور بنظف الكوباية اللي على مكتبك.”
جلست في المقعد المقابل، وليس بجواره.
أحاط أدهم الكوب بكلتا يديه.
ثم سألها:
“بقالك قد إيه شغالة في تنظيف البيوت؟”
قالت:
“سنتين.”
“وقبلها… كنت
#حكايات_ميراا
لسه الحكاية مخلصتش.. عشان يوصلك باقي القصة لايك وكومنت وتابعوا الصفحه من هنا ميرا احمدتكملة مقترحة للقصة:
—
قالت:
“سنتين.”
“وقبلها… كنتِ إيه؟”
سكتت ليلى لحظة، ثم أجابت:
“كنت محاسبة في شركة استيراد وتصدير.”
رفع أدهم حاجبيه بدهشة.
“محاسبة؟”
أومأت برأسها.
“اشتغلت أكتر من خمسة عشر سنة. وبعد وفاة جوزي، الشركة صفّت أعمالها، واضطريت أشتغل أي شغل يضمن مصاريف بنتي ودراسة ابني.”
ظل ينظر إليها للحظات.
“وده مخلاش عندكِ إحساس إن الدنيا ظلمتك؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة.
“الظلم الحقيقي إن الإنسان يوقف حياته. أما الشغل… عمره ما كان عيب.”
ساد الصمت بينهما.
ثم وضعت عينيها على مجموعة الملفات الملقاة فوق الطاولة.
“ممكن أسأل سؤال؟”
“اتفضلي.”








